فاتك القطار 2.2

 

 

عندما ينتقد بنكيران دعم تقاعد البرلمانيين الْيَوْمَ فإنه ينسى أن حكومته هي التي وضعت قوانين تسمح بتعدد التعويضات بالنسبة للبرلمانيين ورؤساء الجماعات، وحافظت على تقاعد الوزراء دون اشتراك في صناديق التقاعد، كما تحول حزب العدالة والتنمية خلال الخمس سنوات الماضية إلى ما يشبه شركة للترقي الطبقي والمهني السريع، من خلال توزيع الحقائب الوزارية والتعيين في الدواوين الحكومية والمناصب العليا، بحيث كل وزير يحصل على حقيبة وزارية له الحق في تعيين 30 مستشارا بديوانه، بأجور شهرية تفوق 3 ملايين سنتيم، وأصبحت التعويضات التي يحصل عليها رؤساء المجالس الجهوية والجماعية مضاعفة في عهد بنكيران، كما أن جل المدن الكبرى يترأسها أعضاء من الحزب، وهم في الوقت نفسه برلمانيون، يحصلون على التعويض البرلماني بمبلغ 36 ألف درهم تنضاف إليها 30 ألف درهم تعويضا عن رئاسة مجالس المدن، يعني في المجموع 66 ألف درهم، ما يعادل تعويضات وزير في الحكومة، والنتيجة هي أن برلمانيا اسمه عبد الله بوانو يجمع بين البرلمان وعمودية بلدية مكناس كاد عمال مطرودون من مصنع للنسيج أن يدهسوه تحت أقدامهم لولا حماية الأمن.

كما أنه في وقت سارع بنكيران إلى تمرير تقاعد الفقراء الذي يستهدف الآلاف من الموظفين، استطاع أن يضمن تقاعده المريح له ولأعضاء حكومته المنتهية ولايتها، والبالغ عددهم 40 وزيرا، تبلغ قيمته 39 ألف درهم شهريا يحصلون عليها مدى الحياة، مع حصولهم على منحة سخية تسمى منحة نهاية الخدمة قيمتها 70 مليون سنتيم. وفي المقابل، ساهم عندما كان رئيسا للحكومة في إقبار مقترحات إصلاح تقاعد البرلمانيين رغم وجود المبررات نفسها التي دفعت الحكومة إلى استهداف تقاعد الموظفين، وهي إفلاس صناديق التقاعد، لكن الوزراء وجدوا في بنكيران محاميا قويا استطاع الدفاع عنهم لتأمين تقاعد مريح لهم، وسبق له، في لقاء مع شبيبة حزبه بنواحي مراكش، أن وصف الحملة الشعبية لإلغاء تقاعد البرلمانيين والوزراء، بالحملة الشعبوية.

وعندما يهاجم بنكيران أخنوش اليوم فإنه ينسى أنه حين كان حليفه بالأمس القريب نعته بالرجل المعقول والوزير الأقرب إليه، ووصل إلى درجة التهديد بتقديم استقالته من قيادة حزب العدالة والتنمية، احتجاجا على مهاجمة أتباعه لرئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، وعلى رأسهم أفتاتي الذي قال عنه بنكيران: «أفتاتي أتعبني، هل من المعقول أنني أحاول أن أدخل أخنوش للحكومة وهو يتحدث عنه بتلك الطريقة؟ سأكون مضطرا إلى الذهاب مع أفتاتي بعيدا.. منعناه من الترشيح في انتخابات 2015 و2016 وهو مواصل. اسمحوا لي، أيها الإخوان، تحملوا مسؤوليتكم لا تظنوا أنكم كلكم مزيانين، ومن لم يستطع أن يوقف الاختلالات التي عنده في الداخل لا يلوم نفسه إذا جاءت الضربات من الخارج. غدا ستكون مسؤولا السي أفتاتي مع عزيز أخنوش، بأي وجه ستلتقيه وتسلم عليه؟ هل نحن لا نعرف عزيز أخنوش؟ رجل طيب، ولد الناس، تعاملنا معه خمس سنوات بكامل الانسجام داخل الحكومة، مرة واحدة وقع بيننا سوء تفاهم. حتى إذا أراد الإنسان التعبير عن رأي أليس هناك الأدب والصواب؟ اسمحوا لي، أيها الإخوان، هل يوجد شخص يذهب لخطبة بنت شخص ما وأولاده يضربون بيته بالحجر؟ سخفتونا!».

فهل عندما كان بنكيران يؤلف قصائد المدح في حق أخنوش لم يكن هذا الأخير مليارديرا توجد مجموعته ضمن أكبر المجموعات في المغرب؟ فلماذا الْيَوْمَ فقط أصبحت ثروة أخنوش تشكل عقدة لبنكيران وليس عندما كان رئيسه في الحكومة؟

وعندما كان بنكيران في رئاسة الحكومة كانت الوضعية الاقتصادية جيدة «ودابا ملي ما بقاش ولات الوضعية صعيبة، لكن خصو يكشف للرأي العام شكون وصل البلاد لهاد الوضعية»، وإذا رجعنا إلى آخر تقرير أصدره المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ ميزانية سنة 2016، وهي آخر ميزانية وضعها بنكيران قبل مغادرته للحكومة، سنكتشف أنه أغرق البلاد في الديون الخارجية، حيث إن مجموع دين خزينة الدولة واصل وتيرته التصاعدية ووصل إلى مستويات قياسية متجاوزا كل الخطوط الحمراء المسموح بها، إذ ارتفع من 629 مليار درهم سنة 2015 إلى 657 مليار درهم سنة 2016، مسجلا مديونية إضافية بأكثر من 28 مليار درهم، أي بزيادة 4.5 بالمائة، فضلا عن عدم إنجاز مشاريع استثمارية، وكان يتم ترحيل الاعتمادات المخصصة للاستثمار من سنة مالية إلى أخرى وبنسبة إنجاز ضعيفة، والخطير في الأمر أن حكومته تلاعبت في الأرقام لكي تظهر أنها ساهمت في تقليص العجز، الذي وصل في نهاية حكومة بنكيران إلى 40.6 مليار درهم، أي بمعدل 4.1 في المائة من الناتج الداخلي الخام.

وفِي ظل هذا التراجع العام لفرص الشغل والقدرة الشرائية، نكتشف أن الوحيدين الذين استفادوا بشكل كبير من وجود بنكيران في قمرة القيادة الحكومية هم أُطر الحزب وأعضاء التوحيد والإصلاح.

وهذا ليس مجرد تخمين بل هناك إحصائيات بالأرقام كشف عنها بحث نشرته «ليكونوميست» يظهر أن المناصب العليا التي شغلها حزب العدالة والتنمية بالوزارات ما بين 2012 و2017 بلغت 334 منصبا عاليا عند متم دجنبر 2017 منها 52 منصبا في 2017 و55 منصبا في 2016 و60 منصبا في 2015 و59 منصبا في 2014 و108 مناصب في 2013، منها 31 كاتبا عاما، و243 مديرا مركزيا، و12 مفتشا جهويا للمجالية الترابية، و26 مفتشا عاما، و22 مديرا لمراكز الاستثمار الجهوي، و82 مهندسا عاما، و3 مهندسين عامين للمجالية الترابية.

وفي المؤسسات العمومية والجامعات ومعاهد تكوين الأطر، استطاع حزب العدالة والتنمية أن يوظف 333 من أتباعه في الفترة المذكورة، منهم 13 رئيسا للجامعات، و76 عميدا للكليات، و109 مديرين بمدرسة ومعهد عاليين، و3 مديري مؤسسات كبرى، و132 مديرا لمؤسسة عمومية، ليكون مجموع المناصب العليا التي استفاد منها هذا الحزب هو 762 منصبا.

الجميع يعرف أن خرجة بنكيران التي فتح فيها النار على المحيط الملكي وحليفي حزبه في الحكومة هي استنساخ باهت لخرجة مشابهة قام بها عندما أقنع حزبه قبل سنوات بأن المرحلة آنذاك كانت تقتضي في قيادة الحزب زعيما سياسيا من طينته لكي يتصدى لحزب الأصالة والمعاصرة.

الْيَوْمَ أفل نجم هذا الحزب الجرار، بعدما مسخ إلياس العماري فكرته الأصلية وحوله إلى حزب تحوم حول قياداته التهم والشبهات، وأصبح الخصم السياسي الذي يهدد وجود العدالة والتنمية هو حزب الأحرار، خصوصا بعدما استطاع الفوز بأغلب مقاعد الانتخابات الجزئية الأخيرة.

غير أن الشعب الذي صدق بنكيران ومنحه أصواته لمواجهة الفساد والاستبداد، اكتشف أنه باعها في سوق الدلالة وعقد مع الفساد «صلح الحزيبية»، واليوم عندما انتهت فترة صلاحيته هو وحزبه أتى يعيد الأسطوانة نفسها، مطالبا الشعب بإعادته من القبر لكي يواجه الفساد والاستبداد.

وعندما يقول بنكيران إنهم لم يربحوا المناصب من موقفهم من الملكية، فهو لا يقول الحقيقة، والدليل على ذلك أن لائحة المناصب التي حصل عليها حزبه وحركته الدعوية طويلة وعريضة.

ولذلك، فخرجة بنكيران الْيَوْمَ بعدما «الليّ عطا الله عطاه» تنطبق عليها ما قالته المغنية «يا اللي حتى فات الفوت عاد سولني كيف بقيت وايلي وايلي وااايلي». أو بتعبير علي عبد الله صالح، الرئيس اليمني المقتول، «فاتكم القطار».

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.