كتاب الرأي

فاجعة «إيجوكاك»

يونس جنوحي
مشكلة بعض المسؤولين المغاربة أنهم ينظرون إلى الخريطة من الأعلى، ولم يسبق لهم النزول إلى الأرض.
الحادث المأساوي الذي أدخل الجنوب المغربي كله في حالة حزن وحداد، لم يكن كافيا بالنسبة إلى القائمين على الإعلام العمومي في هذا البلد، ولم يمنعهم من مواصلة بث وصلات إشهارية لسهرات «الكاباريهات» الرخيصة التي نجحوا في إدخالها إلى المنازل المغربية.
لم يتم إعلان حداد، وبعض المسؤولين نشروا تعازي ركيكة في محاولة لتسجيل الحضور. بينما هم في الحقيقة لا يعرفون إن كانت النقطة التي وقع فيها الحادث تابعة لجبال تيشكا، أم لجبل آخر.
على هؤلاء المسؤولين الحكوميين أن يخجلوا من أنفسهم، إذا علموا أن طريق «إيجوكاك» في الأصل صناعة فرنسية انتهت الأشغال بها خلال ثلاثينات القرن الماضي، ولم تعرف طيلة عقود طويلة سوى إصلاحات طفيفة حتى لا تنجرف إلى قاع الجبل. وفي موسم الأمطار الطوفانية لسنة 2010، بوشرت إصلاحات أخرى على طول تلك الطريقة الجبلية التي تربط تارودانت بمراكش. الله وحده يعلم عدد الضحايا الذين حصدتهم تلك الطريق منذ إنشائها إلى اليوم، بسبب غياب علامات توضيحية للسائقين وبسبب انجراف الأتربة الجبلية التي تأخذ معها الطريق كلما سقطت الأمطار، لتأخذها إلى قاع الجبل. ورغم أنه ليست هذه المرة الأولى التي تقع فيها حوادث سير سببها انجراف الأتربة الجبلية، إلا أن مسؤولي وزارة التجهيز والسلطات المحلية، يظهر أنهم أصبحوا مستأنسين بهذا النوع من الحوادث ولم يتحركوا طيلة الساعات الأولى التي كان خلالها ممكنا تقليص الخسائر في الأرواح، واكتفوا بالانتظار إلى أن كبر الموضوع ليصبح وطنيا، لتتحرك الهواتف، وسط سخط محلي كبير في أوساط القرويين الذين ظلوا ينتظرون وصول الإغاثة.
سبق للأمطار الغزيرة أن جرفت معها أرواح المسافرين في تلك الطريق التي تستحق فعلا لقب طريق الموت، رغم جمالية المناظر التي تطل عليها، لكن لم يسبق للمسؤولين التابعين لوزارة التجهيز أن قاموا بأي تحركات لجعلها أكثر أمانا، وكل ما هنالك هو دراسات تتكلف مكاتب خاصة بإنجازها، لتنتهي في الرف. والنتيجة، تسجيل وفيات ومآس في صفوف أبناء تلك المناطق المعزولة.
كل الذين ماتوا في ذلك اليوم كانت لهم قصة ما مع الحياة. ناجحات في البكالوريا بميزة مشرفة، كن ينتظرن وصول شهر شتنبر لبدء رحلة الحياة الشاقة، لكن لفة واحدة بالسيارة حول الجبل الشاهق، أنهت كل شيء.
رجل كان ينوي اصطحاب أبنائه زوال اليوم التالي لشراء أضحية العيد، طُمر مع سيارته تحت التراب وفاضت روحه قبل أن يستطيع ضغط الفرامل لتجنب انهيار الجبل.
سائق سيارة صغيرة للنقل المزدوج وضع في الدرج أمامه مصاريف تجديد تأمين السيارة، ليدفن مع تأمينه القديم الذي كان على وشك أن تنتهي صلاحيته.
كل هؤلاء كانت لهم قصة مع الحياة انتهت بشكل غير متوقع، وكان ممكنا أن يتم إنقاذ بعضهم على الأقل لو كان هناك تدخل سريع لإزالة الأتربة الجاثمة فوق محركات سياراتهم.
الذين بكوا، أول أمس، أمام كاميرا الإعلام العمومي وهم ينعون أحباءهم المتوفين، فاتهم أن يوجهوا رسالة إلى الحكوميين، ليسألوهم عن القيمة الحقيقية التي يمثلها ساكنو الجبل بالنسبة لتلك الكائنات السياسية التي لا تعرف سكان الجبل إلا في الانتخابات. ولو أن هذا الحادث تزامن مع حملة انتخابية، لنزلت الرباط كلها إلى تارودانت، ولحفر العثماني ومن معه بأظافرهم ولاستعانوا بحفارين من أمريكا الوسطى، لينتشلوا الضحايا ويعلقوا فوق رؤوسهم قنينات أكسجين مستورد من غابات الأمازون. وربما سحب رئيس الحكومة نفسه تلك التلميذة التي حصلت على معدل مشرف جدا في البكالوريا، وربما سجلها وزير آخر بنفسه في معهد متميز. لكن الأمر يتعلق بيوليوز عادي، يستعد خلاله هؤلاء جميعا لقضاء العطلة. رحم الله الأحياء، أما الموتى فقد تكفلت السماء بهم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق