CAM – Campagne Mobile-Top

فاسدون ووجهاء وملاك كبار يتوارثون رئاسة المجالس الجماعية كابرا عن كابر..؟

في سنة 2011، على عهد وزير الداخلية السابق مولاي الطيب الشرقاوي، وبمناسبة الاستعداد للانتخابات التشريعية لسنة 2011 ، صدرت مذكرة وزارية ذات طبيعة رقابية تضمنت قائمة من أسماء المنتخبين الممنوعين من الترشح للبرلمان لتلك السنة ، وحيث أن سنة 2011 انتخابيا، كانت حاسمة تعهدت فرز نخبة سياسية مختارة ديمقراطيا من قبل الشعب لتساير النمط الجديد من التغيير الذي طرأ على نظام الحكم بعد فورة الربيع العربي وحراك الشارع المغربي، مما اقتضى إبعاد كثير من السماء الفاسدة في عالم المال والسياسة عن المؤسسة التشريعية .وعلى الرغم من أن هذه المذكرة كانت فريدة من نوعها وجريئة ولاقت نفورا واعتراضا من بعض السياسيين ، فغنها صارت نموذجا لإصلاح يحتدى ويعمل بع ، فقد صدرت مرة أخرى تلك المذكرة سنة 2014 على نفس النحو تقريبا وتهم الانتخابات الجماعية لسنة 2015، مستندة إلى مضمون القانون التنظيمي للجماعات المحلية الذي تم تنزيله من مضمون دستور 2011 بغرض الرفع من مستوى أداء المجالس المنتخبة وتأهيل الجماعات المحلية للاندماج في القطبية الجهوية المقبلة. المحاولة هادفة وموضوعية وتقدم مساهمة فعالة لتنفيذ مشروع الإصلاح وخصوصا في الحقل الجماعي بالمغرب.وهي في مجملها خطوة يجب دعمها كنموذج للإصلاح الشمولي واعتمادها في سائر القطاعات العمومية الأخرى؟
إن مثل هذه المبادرات تؤسس بشكل أو بآخر لمفهوم إصلاحي من داخل الإدارة قد يساعد على ترسيم قوانين ملحقة تحتم ضرورة القطع مع الفاسدين من كل نوع وحتمية إنهاء المناصب الخالدة في البرلمان والجماعات المحلية والمجالس المنتخبة والهيئات الحرفية والتنظيمات النقابية والإدارة والحكومة أيضا.ولعل تفعيل هذه المبادرة يمكن أن يحدد شروط الممارسة النيابية في سقف زمني مدته ولايتين أو تنصيبين اثنين غير متواليين في العمر بالنسبة لكل منتخب والمنع المطلق لأسلوب التوريث العائلي للمجالس الجماعية وخصوصا في القرى، والاحتكام إلى مرجع التناوب على المسؤوليات النيابية التي صارت حكرا على فئة خاصة يمثلها الأحزاب والوجهاء.
فهل من سبيل لتجريب هذا الاختيار ؟
هذا مقترح موضوعي يجب الأخذ به في كل قطاع، وإذا لم يتم اعتماده كرافعة لتصحيح المسارات العمومية في سائر المجالات الأخرى، فلا داعي لمواصلة مسلسل الإصلاح ودمقرطة الحياة السياسية والمدنية ولا داعي كذلك لتخريج كتائب من المثقفين والعقول المبدعة القادمة من الجامعات الوطنية والتي يوجد منها المئات مركونة على الهامش، فما جدواها إذن إذا لم نثق فيها ونمنحها الحق في تولي المسؤوليات دون واسطة أو انتماء حزبي ؟ هذه الجحافل المتنورة من خريجي الجامعات والمعاهد العليا التي قطعنا عقودا في صناعتها وتكوينها هي بمنطق الوضع الحالي بضاعة فكرية وإبداعية جامدة ،بعضها يتوفر على إمكانات وقدرات علمية مميزة واستثنائية،لكنها لا تجد فرصة لتصريف مخزونها العلمي في تدبير الشأن العام ، في حين يتم التعاقد النهائي في شأن تدبير أمر البلاد والعباد، على فلك محدود من أبناء العشائر العائلية والحزبية حتى ولو كان تكوينهم محدودا وثقافتهم متردية ؟
هناك ببعض الجهات مجالس جماعية لا يعرف التغيير لها طريقا، فبكل تلقائية يعاد التصويت على نفس الأسماء ونفس الرؤساء، كأنما هي ضيعة في ملكية بعضهم يتصرف فيها كما يشاء ، وحصيلة التدبير في تلك الجماعات كارثي بجميع المقاييس.
هناك “مدن ناشئة” يستحي المرء أن يسميها مدنا ، لأنها لا تتوفر حتى على مقومات القرية الزراعية في عصر النهضة،إذا استثنينا اختراع أديسونAddison الذي يحيلها على عصرنا الحالي ،فإننا سنجد بعضها ما يزال يعيش بإيقاع القرن التاسع عشر وما دونه، ومع ذلك يترشح الفاسدون فيها بكل وقاحة المرة تلو الأخرى ليتوارثوا السيطرة على مجالسها الجماعية ويواصلوا مسلسل النهب وورش تدمير قدراتها المادية والمعنوية على مرأى ومسمع من الجميع.
المسؤولية لا تقتصر على الفاسدين فقط، ولكن على الذين مكونا لهم في الأرض وجعلوا الساحة السياسية فضاء رحبا لكل النخب من مختلف العيينات السياسية والاجتماعية؛أصحاب مبادئ،مخلصين وطنيين وغيرهم ،حتى المراوغين والخطبة الدجالين والسياسيين المزورين والكذبة،لهم مكانتهم أيضا،فالرأي العام الذي من حقه فرز الصالح من الطالح والغث من السمين،لا سلطة لديه تذكر،فنحن لا نتوفر على “سلطة الرأي العام”،لأننا ما نزال نسير بعقلية القطيع.
الأكيد أن نظريات العلوم الاجتماعية الحديثة تحدد قياسات الحضارة في المجتمعات البشرية، بدرجة تطور الرأي العام لديها. يمكن وزن الأمة على مقولة بريختBREIKHT “أعطوني مسرحا أعطيكم أمة”، لقد كان المسرح من علامات التأشير في المجتمعات القديمة على وجود رأي عام حقيقي ، مما حدا بالجماهير في مرحلة تطور العصر الصناعي في أوروبا بالاهتمام الشديد بالمسرح.ولذلك يفترض أن تقترن ماهية الأمة وجوهرها بوجود رأي عام وطني له السلطة المعنوية على اتخاذ القرار الصائب ومعارضة القرارات الخاطئة، حينئذ لا تسوغ السلطة السياسية حكومية أو حزبية، لنفسها حق اتخاذ أي قرار خارج إرادة الشارع.
وعلى هذا الأساس فإن الاختلال الذي يعرفه المشهد السياسي المغربي،يأتي من كون بعض الساسة لا يعترفون للشارع المغربي بحقه في أن يكون له رأي عام،فيذهب على سنة السابقين، في تلقين دروس التوعية والتوجيه لشعب تم تدمير قيمه التعليمية والثقافية والأخلاقية والدينية. وصار يأتمر بمنظومة سياسية فاسدة تعتبر نفسها وصية عليه وقيمة على روح الأمة،بل مخلصة له من قيود وأغلال وهمية،فالشعوب المتخلفة هي نتيجة حتمية لعبادة الكاريزما والتأثير النفسي والجدال .هذه الأسطوانة تشتعل موسميا في الشارع الانتخابي وتطفح بها القنوات المسموعة والمرئية وحديث التنمية والتطور والرخاء،إلا أن واقع الحال يكذب ما يقال؛بطالة وصفيح وأبنية عشوائية تسبه القبور ومدن غارقة في الوحل والأزبال وأقاليم تعيش أسؤ الأوضاع وأرداها في الخدمات والصحية والتعليم والفلاحة والإدارة والبيئية، والفساد سيد الموقف في كل مجال وقطاع.
المشهد ينقل للرآي لوحة هستيرية فاقعة الجنون؛ شعارها التطاحن الحزبي والصراع القاتل بين الخصوم. لكن سرعان ما ينتهي هذا الصراع المرير ويتحول إلى موسم للحب والتزاوج، أو ما يسمى بالتحالف السياسي الضامن لمصالح المتنافرين حزبيا المتآلفين سياسيا.. مواقف تمليها ضرورة الانسجام لتشكيل المجالس المنتخبة وتشييع الأنصار وحشد الهمم استعدادا للانتخابات القادمة، فالقصد هو المكوث في المنصب أبد الدهر.
بسبب الفساد الانتخابي يتم التصويت أكثر من مرة على نفس الأشخاص،وبسبب تجاهل القوانين من قبل الدولة وعدم فرض الرقابة المستمرة على كيفية تدبر مستقبل التدبير الجماعي ، تجاوز بعض رؤساء الجماعات المحلية نصف قرن قائما على شؤون الخلق دون ملل أو عياء، وفي كثير من الحالات، صار توريث الرئاسة الجماعية أمرا متقبلا، ففي حياة الرئيس أو بعد موته تنتقل رئاسة المجلس الجماعي في جملة ما ينتقل من إرث الهالك إلى أقرب الأقربين إليه وخصوصا الإبن الأكبر، والأمثلة على ذلك كثيرة في ربوع الوطن حيث نجد الطابع العائلي سائدا في تدبير المجالس الجماعية المنتخبة وخصوصا في العالم القروي أو ما يشبه العالم القروي فيما يتعلق بالمدن الناشئة عن تجمعات زراعية تم تصنيفها في قائمة مدن المملكة بعضها لا يرقى إلى مستوى قرية زراعية متطورة في القرن السابع عشر الميلادي بأوروبا..؟

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة