الافتتاحية

فاشلون بلا حدود

خرجت حكومة سعد الدين العثماني لتتهم منظمة «مراسلون بلا حدود» بعدم اتباع معايير الدقة والموضوعية والنزاهة، خلال تطرقها للمغرب في تقاريرها وتصريحاتها، موردة أن المنظمة عمدت في تقريرها الأخير إلى تصنيف المغرب في المرتبة 135 ضمن الخانة الخاصة بالدول التي تعاني فيها الصحافة من المخاطر.
وقبل ذلك، انتقدت الحكومة تقرير منظمة «هيومن رايت ووتش» واعتبرته بني على منهجية مفتقدة في الكثير من الأحيان للموضوعية والمهنية، وقبلها تحفظت الحكومة على تقارير منظمة العفو الدولية وغيرها.
هكذا أصبحت منذ سنوات علاقة الحكومة المغربية بالتقارير الدولية. هاته الأخيرة تصدر خلاصات بعيدة عن الواقع، بل في بعض الأحيان من صنع خيال واضعيها، والحكومة تكتفي بإعلان أسفها وبالغ تأثرها تجاه مضامين التقارير وعدم احترام مصدريها للموضوعية والحياد المطلوبين.
للأسف، فإن الوقائع المتتالية تثبت أن الحكومة لا تملك أي استراتيجية واضحة للتعامل مع التقارير الدولية والتأثير فيها بشكل استباقي، قبل أن تصل إلى مرحلة الرفض والتحفظ أو الترحيب والتهليل أحيانا بخلاصات هذه التقارير ومضامينها.
وما يزيد الطين بلة أن الحكومة لا تدرك أصلا أن لتلك التقارير، مهما تم التشكيك فيها، تأثيرا بالغ الأهمية قد تجعل الجهود الكبيرة التي تبذل على أصعدة التنمية والبنيات الأساسية والحريات والتعددية كأنها سراب.
وإذا كان من حق السلطات المغربية أن تنظر بعين الريبة إلى التقارير التي تعتمد على مصادر غامضة ووقائع كاذبة أو مبالغ فيها، وهذا حق مشروع مادامت تلك التقارير لا تعد من المسلمات، فإن هذا لا ينفي تقصير الحكومة والمؤسسات الرسمية في جعل معطياتها وتوضيحاتها وبياناتها مصدرا مهما للتقارير التي تعتمد على ما تنتجه الآلة العدمية التي تحاول تصفية حساباتها السياسية بالوكالة عبر المنظمات الدولية.
وإذا كنا لا ننكر ما يشوب طريقة إعداد الكثير من التقارير الدولية من انحيازات، كما حدث مع التقرير الأخير لـ«مراسلون بلا حدود» الذي جعل دولة مثل أفغانستان وموريتانيا تتقدم على المغرب في التصنيف رغم أن التطورات القانونية والمؤسساتية التي شهدتها بلادنا خلال السنوات الأخيرة، مهمة ولا يستطيع إنكارها إلا جاحد، لكن هذا لا ينفي استمرار وجود ممارسات بالية تسيء لمشهدنا الصحفي قبل أن تسيء إلينا التقارير الدولية.
وتكفي الإشارة إلى هوس وزراء الحزب الحاكم، الذين يستغلون مواقعهم الحكومية، لترهيب الصحفيين بالقضاء كما فعل ولا يزال مصطفى الرميد وعبد العزيز رباح ونجيب بوليف وخالد الصمدي، ونحن في هذه الجريدة لسنا سوى ضحية، ضمن آخرين، لجوع هؤلاء الوزراء لمقاضاة الصحافيين والحصول منهم على تعويضات بعشرات الملايين لكل واحد منهم.
لذلك، لا يمكن أن نطالب «مراسلون بلا حدود» وغيرها من المنظمات الدولية بالكف عن الانحياز وتوخي الموضوعية، ووزراء الحكومة يخربون الصورة بأيديهم ويقدمون يوميا هدايا مجانية يستغلها كل الذين يتصيدون الفرص للإساءة لصورة المغرب بتقارير منحازة، لكنها للأسف، شئنا أم أبينا، حاسمة في صنع صورتنا لدى المنتظم الدولي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق