فاطمة معنان.. أرملة عبد الله باها التي تلقت عرض الزواج في حركة التوحيد والإصلاح

فاطمة معنان.. أرملة عبد الله باها التي تلقت عرض الزواج في حركة التوحيد والإصلاح

حين كان هنري فورد مخترع السيارات يردد قولته الشهيرة “وراء كل رجل عظيم امرأة”، اعتقد خصومه أن الرجل به مس من جنون العشق والهيام، قبل أن يكشف للناس عن الدور الذي لعبته زوجته في مساره، وكيف شدت أزره في الوقت الذي كان كثير من رفاقه وأهله يعتبرون حبه للاختراع مجرد ضربة شمس.
مع مرور الأيام، حصل تعديل بسيط لكنه جوهري في هذه المقولة، فانسحبت كلمة “عظيم” لتحل بدلها “مشهور”، قبل أن تصبح المرأة صانعة مجد الرجال تارة وصانعة نكباتهم أيضا. “الأخبار” تكشف عن دور زوجات المشاهير في تعبيد طريقهم نحو النجومية، وكيف تقمصن دور المستشارات، في زمن كانت فيه المرأة مجرد كومبارس في منظومة الأسرة.
لم تكن فاطمة معنان تعتقد أن انخراطها في منظمة نسائية تابعة لحركة التوحيد والإصلاح، سينتهي بعقد قران بالرجل الثاني في محيط عبد الإله بنكيران. لكن علاقتها الوطيدة بنبيلة، زوجة الرئيس الحالي للحكومة، ساهمت في مد جسور التعارف بينها وعبد الله باها الذي سيصبح زوجها بعد موافقة لم تتأخر طويلا.
بدا الأمر وكأنه سيناريو متفق عليه بين بنكيران وزوجته، حيث كان عبد الله الأقرب إلى وجدان زعيم حزب العدالة والتنمية، بينما كانت فاطمة الأقرب إلى وجدان زوجة عبد الإله.. لذا كان لا بد لهذا المشترك أن يتعزز باستكمال «كوبل» سياسي كان في طور النشأة.
وافق باها على تفويض أمر الزواج لصديقه عبد الإله الذي فوض بدوره المهمة لزوجته نبيلة، التي تعهدت بتقديم العرض على طبق من ذهب للأخت فاطمة التي ما أن علمت بتفاصيل عرض الزواج من «أخ» يرتبط سياسيا بالحركة، حتى قدمت موافقتها المبدئية في انتظار عقد جلسة بين المعنيين للاتفاق حول تفاصيل الزواج، سيما وأن فاطمة نالت موافقة أسرتها ورفيقاتها في حركة التوحيد والإصلاح، وقبل ذلك اقتنعت من خلال صلاة الاستخارة بجدوى المشروع.
فكرت فاطمة كثيرا قبل أن تمنح لصديقتها نبيلة الرد النهائي، فهناك أمران يحتاجان لتعميق النقاش أكثر مع مستشاريها داخل البيت، باعتبارها الزوجة الثانية لباها، لكنها اقتنعت في نهاية المطاف بأن الرجل يستحق أن يتزوج للمرة الثانية، وأن يعيش تجربة زواج أخرى على سنة الله ورسوله، وأن فارق الفكر لا يفسد للسعادة قضية. بالمقابل، شجعتها نبيلة على الاقتران بقيادي من طينة عبد الله جعل لها مكانة أخرى في منظومة حركة التوحيد والإصلاح.
وفي أول لقاء بينهما، اكتشفت فاطمة أن عبد الله لا يتكلم كثيرا، وأنه قبل حضور اللقاء كي يصغي إليها أكثر من الحديث عن مشاريعه كزوج عركته التجارب.. حينها تأكد لها بما لا يترك مجالا للشك أن الهدوء سيغمر حياتهما الزوجية، ولو استنادا إلى مبدأ «الصمت حكمة».
علمت فاطمة من عبد الله سيرة حياته، وتبين لها أن الرجل يعيش البساطة في أعلى تجلياتها، وأنه يتحدر من أسرة متواضعة يخصص لها جزءا من ماله، وأنه ولد وعاش طفولته في إفران الأطلس جنوب المغرب في منطقة أنجبت كبار الأساطير في السياسة والرياضة والفن والثقافة والمقاومة، فكبر في عينيها وزادت رغبتها في الارتباط برجل يفيض عشقا للخير، دون أن يخطر ببالها أن هذا الزوج البسيط سيصبح يوما الرجل الثاني في الحكومة.
تعرف عبد الله باها على الحياة الخاصة لفاطمة التي كانت تساعد أسرتها على تدبير شؤون الحياة، من خلال وظيفتها مستخدمة في مختبر للتحليلات الطبية، اشتغلت فيه وهي يافعة، دون أن تتمكن على طول 28 سنة من الاشتغال، من تحسين راتبها الذي وصف بالبسيط، لكنها ظلت وفية لوزرتها البيضاء، ولعمل يتداخل فيه المهني بالإنساني. بل إن عبد الله لم يتوقف عند الموافقة على شروط فاطمة، بل تعهد بمرافقتها يوميا إلى مقر عملها حتى لا تظل عرضة لزحمة المواصلات.
كان شرط فاطمة الاستمرار في عملها، والاستقلال في سكن يتوفر على الحد الأدنى من شروط العيش الكريم، فكان لها ما أرادت، وتم اقتناء شقة في حي المحيط وسط الرباط، حيث يتقاسم مشاكل السكن المشترك نفسها.
وفي يوم الخطبة كان باها يتوسط عبد الإله بنكيران وزوجته نبيلة، وهما من افتتحا لقاء الخطوبة وقربا وجهات النظر بين أسرتي معنان وباها.
حين أنجب الزوجان «الخلفة السعيدة» قررا اقتناء شقة أخرى أكبر مساحة وأبعد عن ضجيج وسط المدينة، اعترض باها الذي أصبح برلمانيا ووزيرا للدولة على مشروع الانتقال إلى سكن آخر، لكن فاطمة معنان قالت إن «فيتو» عبد الإله باها على تغيير الشقة بأخرى أرحب، أملته مناصبه الحكومية، وأكدت، في حوار صحفي بعيد وفاته، «كنا نعيش في شقة متواضعة جدا في حي المحيط بالرباط، وكان ينزل يوميا في الدرج مع نفس الجيران الذي ظل يلتقيهم ما يفوق 10 سنوات عندما حل بهذا البيت، ويتبادل معهم التحية قبل أن ينصرف إلى عمله. قبل الانتخابات كنا نفكر في تغيير المنزل، لأنه صار ضيقا، خاصة بعد أن عقدت ابنتي «حكمة» البالغة من العمر 20 سنة قرانها، وصرنا نشعر بالحرج كلما حضر زوجها لزيارتنا، وأنا كنت حصلت على إرث من عائلتي قمت ببيعه، وكنا سنوفره لشراء بيت أوسع، لكن بعد دخول زوجي الحكومة تراجعنا عن الفكرة بطلب منه، حيث خشينا أن تتم قراءتها قراءة مغلوطة، خصوصا من قبل محيطنا القريب، لذا مددنا مقامنا في نفس الشقة».
شاءت الأقدار أن تصبح فاطمة أرملة بعد وفاة زوجها في حادث مأساوي على جنبات السكة الحديدية، ونظرا لعمق علاقتها بنبيلة، فقد اقترحت عليها الأخيرة إقامة حفل التأبين في بيت رئيس الحكومة، الذي ظل حاضرا في فرحها وفي حزنها.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *