كتاب الرأي

فتى البيضة

شامة درشول
دروس كثيرة قدمتها نيوزيلندا إلى العالم وهي تحاول أن تحمي سمعتها كواحدة من أكثر بلدان العالم أمانا، بعد المجزرة الشنيعة التي دشنها أسترالي إرهابي على أراضيها ضد مسلمين عزل. لكن أكثر درس على المغرب تعلمه هو ما قدمه المراهق الذي سمي إعلاميا «فتى البيضة».
«فتى البيضة» أو «ويل كونولي»، مراهق قام برشق سيناتور أسترالي ببيضة على قفاه حين كان يعطي تصريحا لوسائل الإعلام، ردد فيه مواقفه كيميني متطرف يرى أن ما حدث في مسجدي نيوزيلندا ما هو إلا نتيجة لسياسة برنامج الهجرة الذي تنهجه نيوزيلندا، وهاجم الإسلام، واتهمه والمسلمين بأنهم مجرد أصوليين، عنيفين، يستمدون عنفهم من مبادئ دينهم، وهو التصريح الذي استفز الفتى الأسترالي وجعله يرشق السيناتور ببيضة أمام وسائل الإعلام، ويتعرض للضرب من السيناتور وأنصاره، قبل أن تلقي عليه الشرطة القبض ثم تطلق سراحه لاحقا، لكن الفتى نال شعبية واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وسمي «فتى البيضة»، وعلق على حسابه بتغريدة قال فيها: «شعرت بالفخر في هذه اللحظة كوني إنسانا… دعوني أخبركم جميعا أن المسلمين ليسوا إرهابيين وأن الإرهاب لا دين له، وكل الذين يعتبرون المسلمين إرهابيين لديهم عقول فارغة مثل السيناتور أنيينغ».
انتهت تغريدة «فتى البيضة» التي جلبت له في لحظات أكثر من أربعمائة ألف متابع على «تويتر»، ما اضطر هذه المنصة إلى تعليق حسابه وهو ما أثار غضب «التويتريين» وجعلهم يسألون مديري «تويتر»: «لماذا حساب السيناتور ما زال مفعلا في الوقت الذي علق حساب «فتى البيضة»؟».
«فتى البيضة» تحول إلى بطل يعبر عن موقف الكثيرين المناهض للمواقف المتطرفة على لسان السياسيين، وحصل الفتى على تبرعات مالية فاقت أربعين ألف دولار لمساعدته على دفع تكاليف مقاضاته للسيناتور الأسترالي، لكنه فضل أن يتبرع بها بدوره لضحايا المجزرة، ما جعل فرقا موسيقية، ومهرجانات وشركات طيران تمنحه تذاكر مجانية للحفلات وللسفر إلى الأبد، فخرا به وبمواقفه.
رئيسة وزراء نيوزيلندا، وهي أصغر رئيسة في تاريخ هذا البلد، أبدت بدورها مواقف شجاعة، ألقت خطابا ملهما، افتتحت خطابها يوم الجمعة قبل الصلاة بحديث نبوي، غطت رأسها بوشاح وجلست تشارك المسلمين صلاتهم، مواطنات نيوزيلنديات ومنهن شرطيات وسياسيات، ارتدين يوم الجمعة وشاحا على الرأس تضامنا مع أهل الضحايا من المسلمين، ومواطنون نيوزيلنديون شاركوا في صلاة الجمعة دعما لمسلمي البلاد.. مواقف رائعة عبر عنها سكان هذا البلد الذي قالت رئيسته إنها ترفض أن يكون للعنصرية وللكراهية مكان على أرض بلادها، لكن «فتى البيضة» يظل أكثر درس علينا نحن في المغرب التعلم منه.
هذا الفتى مراهق، ومع ذلك، كانت له مواقف وليس موقف واحد، بدءا من تصوير نفسه وهو يعاقب السيناتور على كلامه المتطرف، ومرورا بما غرد به على حسابه على «تويتر»، ثم تحويله التبرعات إلى ضحايا المجزرة. هذا الفتى ليس مسلما، ومع ذلك دافع عن المسلمين، دافع عن الآخر، الآخر المختلف عنه، والذي قد لا يتقاسم معه المعتقدات والأفكار نفسها، لكنه، كما قال في تغريدته تلك: «شعرت بالفخر في تلك اللحظة كوني إنسانا»، وهذا ما دافع عنه «فتى البيضة»: الإنسانية، وهو الدرس الذي علينا نحن أهل المغرب تعلمه، أن ندافع عن الآخر وحقه في العيش، وحقه في الكرامة وحقه في الحرية، ليس لأنه مثلنا ويشبهنا، ويؤمن بما نؤمن به، بل لسبب واحد، أننا نحن نؤمن بالإنسانية، نؤمن بالإنسان أولا وأخيرا، وما تبقى هو مجرد تفاصيل لا تعنينا.
إن تمعنا جيدا في ما قاله الفتى، وفي دفاعه عن المسلمين باسم الإنسانية، سنكتشف أن مبدأه ذاك لا يختلف عما جاء به الإسلام، الإسلام الدين الذي خاطب فيه الله عباده بالعقل، وقدم لهم البراهين، والأدلة والحجج، وفتح لهم باب رحمته، ولم يفضل فيه أحدا عن الآخر، لا رجل على امرأة، ولا أبيض على أسود، ولا غني على فقير، ولا عجمي على عربي، بل جعل الجميع سواسية لا يفرق بينهم سوى التقوى، والتقوى في ديننا هي أن تتقي الله في عباده، تكف عنهم لسانك، ويدك وأذاك، وتمد لهم يدا بالخير، وتدعو لهم ولنفسك بالسلام.. لهذا سارع «فتى البيضة»، وسارع أهل نيوزيلندا إلى الدفاع عن الآخر المختلف عنهم، ليس لأنه مسلم، بل لأنهم يؤمنون بحق الإنسان في عيش حياته كما يريد، وواجبه أن يحترم حق الآخر المختلف عنه في عيش حياته كما يريد.
درس عميق قدمه «فتى البيضة»، لم يأت من فراغ، بل أتى من تربية وتعليم تنهجه بلاد تقوم على التنوع، واحترام الآخر ونبذ العنصرية، فقدمت لنا مراهقا يعرف جيدا كيف يستعمل وسائل الشبكات الاجتماعية في الدفاع عن مواقفه، وحماية بلده وحماية الآخرين، ويستحق أن يكون قدوة لمراهقي بلادنا، ولسياسييها أيضا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق