فرص شغل ممنوعة على الفتيات المحجبات

فرص شغل ممنوعة على الفتيات المحجبات

مونية الدلحي
بعد الحصول على شهادة التخرج من الدراسة تبدأ عملية البحث عن عمل. قد يتوفق الكثيرون في إيجاد عمل يناسب مستواهم الدراسي وتخصصاتهم، لكن نسبة كبيرة من الشباب لا تتوفق في إيجاد فرصة شغل إلا بصعوبة كبيرة. أما النسبة الأكبر فلا تجد عملا في مجال تخصصها، ما يجعلها ترضخ للأمر الواقع وتقبل بالعمل في مجال لم تختره بنفسها.
تتعدد الأسباب وراء صعوبة إيجاد شغل مناسب أو عدم إيجاده بشكل عام بالنسبة لهذه الفئة. لكن هل يمكن اعتبار فرص الفتاة المحجبة أقل من غيرها في إيجاد عمل مناسب؟

من الشائع عند عموم المواطنين أن حالات رفض توظيف الفتيات المحجبات كثيرة جدا، شهادات لفتيات معنيات بالأمر زكت هذا الطرح، كما سيرد في باقي سطور هذا الروبورتاج، حيث أشارت إلى أن جل عمل المحجبات يقتصر على الأعمال التي لا تحتاج منها تواصلا مباشرا مع الزبائن، خصوصا في الشركات والوكالات الخاصة التي تتعامل مع زبناء أجانب.
قد تضطر فتيات كثيرات في عز الأزمة وغلاء المعيشة، إلى التخلي عن حجابها من أجل حصولها على عمل يؤمن لها مدخولا يسد حاجياتها. وقد تضطر أخريات إلى التخلي عن حلمها بالعمل من أجل حجابها. بينما تعتبر محظوظة من تجد عملا يناسب طموحاتها ورغباتها بالرغم من ارتدائها للحجاب.

التخلي عن الحجاب من أجل العمل
إيمان واحدة من الفتيات المحجبات اللواتي بحثن جاهدات عن العمل من أجل مساعدة زوجها في مصاريف البيت، أو كما تقول هي «على الأقل التكلف بمصاريفي»، مشكلة إيمان الأخرى أنها لم تتمم دراستها، فقد تركت مقاعد الدراسة قبل أن تحصل على شهادة البكالوريا، وبعدها درست مهنة التمريض، لكنها لم تحصل على دبلوم. والآن هي في حاجة ماسة إلى عمل يضمن لها مدخولا قارا.
بحثت إيمان كثيرا عن عمل في كل ما يصادفها من محلات وعيادات طبية وغيرها بمدينة الدار البيضاء، غير أن العائق الكبير الذي وجدته أمامها هو حجابها. كل باب طرقته أو كل محل تجاري طرقته إلا وقوبل طلبها بالرفض، بداعي أنها متحجبة وأنهم لا يشغلون المحجبات.
ظروف إيمان المادية الصعبة، وعمل زوجها غير القار، جعلها ترضخ للأمر الواقع وتتخلى عن الحجاب أثناء العمل على الأقل بعد قبولها في مجموعة تجارية معروفة لبيع الملابس النسائية.
تقول إيمان: «عارض زوجي في البداية فكرة عملي من دون حجاب، ولم يتقبلها، لكن ظروفنا المادية الصعبة أجبرته على أن يرضخ للأمر الواقع، وأن يقبل بعملي هذا، فمصاريفنا ازدادت بعد إنجابي لابننا الأول، بالإضافة إلى كون زوجي المعيل الوحيد لأسرته بعد وفاة والده. لذلك كان علي أن أجد عملا وبأية طريقة». مضيفة «أنها على ثقة تامة بأن ما فعلته هو الصواب لأن الله غفور رحيم وقادر على مسامحتها»

الحجاب يساوي الكرامة
ربما ظروف العيش الصعبة التي تمر منها إيمان والمسؤولية الملقاة على عاتقها جعلتها ترضخ في الأخير للأمر الواقع وتتخلى عن حجابها. لمياء واحدة من هؤلاء الفتيات اللواتي رفضن رفضا قاطعا التخلي عن حجابهن من أجل العمل، وكما تقول» الأرزاق بيد الله والله سيجازيني وهو الأعلم بحالي، أما الناس فلن يقدروا ظروفي أبدا ولن يدخلوني الجنة».
درست لمياء مادة الإعلاميات. وحصلت على الإجازة في هذا المجال. وبعدها بدأت مسيرتها الطويلة في البحث عن عمل، شكل لمياء كما تقول، كان السبب الرئيسي في عدم إيجادها لأية فرصة عمل، فهي فتاة جد بسيطة نحيفة وقصيرة القامة. ترتدي ملابس فضفاضة تستر كل جسمها، وتضع الحجاب ولا تستعمل أي مساحيق تجميل. تقول بحسرة لـ»الأخبار» «أعلم جيدا أن شكلي كان السبب في عدم قبولي في لقاءات العمل التي اجتزتها، لكنني كنت أعلم في داخلي أن الفرج قريب وأن الله سيجازيني على صبري».
المؤسف في قصة لمياء أنها عندما كانت تبعث بسيرتها الذاتية للشركات، كانت جل الشركات تتصل بها وتطلب منها الحضور من أجل لقاء عمل، يهتمون بخبراتها، لكنهم لا يتصلون بها بعد ذلك.
تقول لمياء: «في إحدى المرات صارحتني مسؤولة بإحدى الشركات بأن معارفي ومكتسباتي جيدة. لكن المشكل الوحيد يكمن في ارتدائي الحجاب وبأن شركتهم لا تشغل المحجبات. عدت أدراجي أجر أذيال الخيبة كما العادة، لكنني لم أفكر يوما في نزع حجابي من أجل إرضائهم»
مرت أزيد من ثلاث سنوات ولمياء على ذلك الحال، إلى أن تم قبولها لاجتياز مباراة كمهندسة إعلاميات تابعة لإحدى الوزارات، وبعد اجتيازها للاختبار الكتابي والشفوي تم قبولها، وهي الآن موظفة دولة تشتغل بكرامتها وبحجابها.

التخلي عن الحلم
تشبث لمياء بحجابها جعلها في الأخير تحصل على وظيفة محترمة ودون أن تضطر إلى خلع حجابها. لكن الأمر مختلف بعض الشيء في قصة فاطمة الزهراء ابنة العاصمة الاقتصادية للمغرب. درست وحصلت على دبلوم في التصميم والإخراج الصحافي. بحثت بعد تخرجها عن عمل في مجالها، لكنها لم تتوفق في ذلك.
تقول فاطمة الزهراء إن حجابها كان سببا كبيرا في عدم قبولها في الوظائف التي تقدمت إليها، «بحثت كثيرا، لكنني لم أجد عملا، وأعلم يقينا أن حجابي كان أحد الأسباب التي حالت دون حصولي على الوظيفة، بينما كنت أشاهد فتيات «متبرجات» يشتغلن بسهولة، وهذا هو حالي وحال الكثيرات».
الميزة التي تتميز بها فاطمة الزهراء أنها تجيد التحدث باللغة الفرنسية بطلاقة، ما أتاح لها فرصة الاشتغال في أحد مراكز الاتصال، التي همها الوحيد يكمن في إيجاد شباب مغاربة أو أفارقة يجيدون اللغة الفرنسية ويستطيعون التحدث لساعات طويلة عبر الهاتف مع الزبناء وإقناعهم بشراء المنتوجات التي يبيعونها.
اضطرت فاطمة الزهراء إلى أن تقبل بالعمل بإحدى مراكز الاتصال مقابل مبلغ ثلاثة آلاف درهم شهريا، وتتخلى عن حلمها في الاشتغال في مجال الإخراج والتصميم الصحفي. لأنها مضطرة، حسب قولها، للعمل من أجل توفير لقمة عيش شريفة حتى وإن كان ذلك في مجال لا تحبه، على أن تقبل على نفسها العمل في مجال أحبته وتتخلى عن حجابها.

عيسى زنون: «لا يجوز للمرأة التخلي عن حجابها من أجل العمل»
يقول الأستاذ عيسى زنون، أستاذ التربية الإسلامية، إن حجاب المرأة فريضة يجب على المرأة تطبيقها، لأن الله سبحانه وتعالى أمر المرأة بالتستر والتحصن والعفاف، كما جاء في سورة الأحزاب « يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما».
ويؤكد زنون أن الحجاب فرض بالكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، لذلك لا يجوز للمرأة التخلي عن الحجاب لأي سبب من الأسباب حتى ولو كان من أجل العمل، لهذا فإنه يحرم خلع الحجاب الشرعي أمام كل رجل أجنبي، ولا يرخص للمرأة خلع حجابها حتى من أجل العمل لأنها ليست مضطرة للعمل.
يضيف زنون أن التوكل على الله واجتناب المعاصي والعمل بما أوصى الله والرسول كفيل بأن ييسر للمرء أمره، كما قال تعالى في سورة الطلاق «ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا». وعلى العموم الحجاب فريضة لا يجوز بأي شكل من الأشكال التخلي عنه إلا في الضرورة القصوى، لكن عمل المرأة لا يعتبر من الضروريات، بالإضافة إلى أن هناك العديد من المهن التي تقبل تشغيل المرأة المحجبة، لدى يتوجب عليها البحث عن عمل يناسب شكلها دون التخلي عن الحجاب الشرعي، يقول زنون.

عبد الصمد مسؤول موارد بشرية: «من الصعب تشغيل فتيات محجبات»
يقول عبد الصمد، وهو مسؤول بإدارة الموارد البشرية في إحدى شركات التواصل في حديث مع «الأخبار»، أن الشكل يعد أمرا مهما جدا في اختيار الموظفين بشركتهم، كونهم يتعاملون مع زبناء مغاربة وأجانب، ويحضرون اجتماعات داخل المؤسسة وخارجها، وبالتالي يكون لزاما عليهم اختيار موظفين، بالإضافة إلى كونهم يختارون كذلك المظهر الخارجي الجيد والأنيق.
ويضيف أنهم بالشركة ذاتها، يكون من الصعب عليهم تشغيل فتيات محجبات لعدة اعتبارات، ومن أهمها أنهم في عملهم بالتحديد يحتاجون إلى أناس يملكون أسلوب إقناع جيد، بالإضافة إلى الشخصية القوية، وأيضا المظهر الخارجي الذي يوحي بالثقة بالنفس والقوة وغيرها، وهذا عادة ما لا تملكه أغلب الفتيات المحجبات، فالفتاة المحجبة عادة ما تكون فتاة بسيطة وخجولة وذات شخصية حالمة، حسب عبد الصمد.
ويعتبر عبد الصمد أن تعامل إدارة الشركة مع زبناء أجانب قد يكون له تأثير أيضا على اختيار موظفيهم، باعتبار أن هناك أشخاص لا يفضلون التعامل مع المحجبات. يقول عبد الصمد» نتعامل مع أناس من جنسيات وأديان مختلفة، ولهذا فأي شيء من شأنه أن يؤثر على عملنا فنحن نستبعده، لكون هناك أجانب لهم حساسية مع المتحجبات ولا يرتاحون في التعامل معهن لذلك فنحن نستبعد كل ما من شأنه أن يؤثر على طبيعة عملنا.

فاطمة الزهراء مسؤولة بأحد المتاجر الكبرى: «تشغيل المحجبات قد يمنح انطباعا بأن مجموعتنا ذات بعد ديني»

جل الوظائف التي يتم فيها رفض النساء أو الفتيات المحجبات في الغالب هي التي تحمل طابع الاتصال المباشر مع الزبون، تماما كالعمل في المحلات التجاربة الكبرى المعروفة، والتي تنتشر بكثرة في المغرب، وخصوصا بمدينة الدار البيضاء. هذه المحلات لا تقبل تشغيل فتيات محجبات، تماما كإحدى المتاجر التي توجهت لها «الأخبار».
تقول فاطمة الزهراء مسؤولة بإحدى المتاجر أن طبيعة عملهم لا تسمح لهم بارتداء الحجاب أو القبول بتشغيل فتيات محجبات، لأن محلهم التجاري تابع لماركة عالمية معروفة، وبالتالي فالزبناء هم مغاربة وأجانب، بالإضافة إلى كون اللقاء المباشر مع الزبناء والتعامل معهم، يحتم عليهن أن يتحلين بمظهر جميل وأنيق وارتداء لباس موحد.
وتضيف فاطمة الزهراء أنه في العمل، هن مسؤولات على مساعدة الزبائن على اختيار ما يحتاجونه، وتوجيههم وأيضا إقناعهم بشراء المنتوج، ولهذا فهم يستبعدون كل ما من شأنه أن يؤثر على الزبون، وخصوصا أنهم يتعاملون مع زبناء أجانب في بعض الأحيان.
وترى فاطمة الزهراء أن «تشغيل فتيات محجبات قد يمنح انطباعا عن مجموعة متاجرنا بأنها ذات بعد ديني، قد يفمه الزبناء بشكل لا نروج له نحن، لهذا نتفادى السماح لأي من هذه الأمور أن تأثر على سمعة وشكل مجموعتنا».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة