فساد في التنشئة والوازع الأخلاقي

أين كان يختفي كل هذا الفساد المستشري في قوت المواطنين؟ مواد غير صالحة وأخرى فات أوان استهلاكها، وأصناف لا تعد ولا تحصى من السلع المهربة. كل ذلك يتم في غياب الرقابة وحماية المستهلك، ولا يقع عادة الانتباه إلى هذه الآفة إلا حين يسقط ضحايا غالبيتهم من الأطفال والكهول.
شهر رمضان الفضيل وحده يعري النقاب عن هذه التجاوزات والجرائم التي ارتبط بعضها بتمويل تنظيمات متطرفة، لكن المواطنين لا يستهلكون في هذا الشهر المبارك فقط. ما يفرض الانتقال من الحروب الموسمية على الغش والتدليس، إلى إقرار سياسة صارمة ودائمة، تعيد للجمهور الثقة في أن هناك إجراءات حماية سارية المفعول. ولو أن الالتفات إلى الظاهرة لا يحدث إلا بعد وقوع الكوارث. فالبنايات الآيلة للسقوط تحتل بعض الاهتمام عندما تنهار على رؤوس ساكنيها، وانعدام الإجراءات الوقائية في المصانع والمعامل، لا يتم الانتباه إليه، إلا بعد وقوع حرائق ومآس إنسانية، تماما كما أن المواد الاستهلاكية المغشوشة تتحول إلى موضوع حركة ردع في شهر رمضان الفضيل فقط، وبعده تعود حليمة إلى عادتها القديمة.
لا يسلم أي قطاع من الغش، بما في ذلك الامتحانات التي ضربت رقما قياسيا في الفضائح التي باتت تهدد صورة ومكانة وسمعة التعليم في البلاد، أما الانتخابات واستمالة الناخبين باستخدام المال فتلك قصة أخرى. والواقع أن تعميم الظاهرة كان من بين الأسباب التي فرضت تعايش الإكراه معها، عملا بالقول: إذا عمت هانت. لكن كيف وصل المجتمع المغربي إلى هذه الحالة من انسداد الأفق الذي لا يفتح إلا على الغش والفساد واستغلال حاجة الناس؟ وكيف تأتى لهذه الظاهرة أن تترعرع ويصبح لها لوبيات وأنياب في غياب سطوة القانون والتزام روح المواطنة والتهافت على أشكال الربح السريع؟
يتعلق الأمر بسلوك ثقافي واجتماعي تمكن من النفوس المريضة، وبات مقترنا بالاغتناء غير المشروع. فمن لم يربح من الاتجار في المواد المهربة لجأ إلى الغش في العقار، ومن لم تسعفه موارده في هذا القطاع ابتكر وسائل جديدة تشترك فيها قطاعات عديدة. لا أمناء الحرف الذين كانوا يضطلعون بدور في تنظيم قطاعاتهم صاروا يفرضون الجودة واحترام الأذواق والأسعار، ولا المحتسبون الذين كانوا يراقبون الأسواق والمتاجر أفلحوا في منح هذه المهمة دورا في التخفيف عن معاناة المواطنين، ولا إجراءات التفتيش واللجان المختصة في الوزارات المعنية فرضت حماية المستهلك واحترام القانون. غير أن الاستثناء الذي يشير إلى وجود تجار نزهاء لا حكم له، أمام تضخم ظاهرة الغش والتدليس.
لو أمكن لاستطلاعات الرأي أن تقدم للرأي العام خلاصات بنظرة الناس لهذه الأساليب. لكانت النتيجة مدعاة للتأمل في واقع تردي الأخلاق والممارسات التي لا شك لها أسبابها وخلفياتها ونتائجها، وفي مقدمتها انعدام الضمير والوازع الأخلاقي والاستهتار بحقوق المستهلك الذي يعتبر محور أي نشاط اقتصادي وتجاري. ولو أمكن متابعة القضايا موضع النزاع أمام المحاكم في هذا الصنف من السلوك، لتبين أننا بعيدون عن رد الاعتبار للمستهلك الذي يواجه أزمة مضاعفة، غلاء الأسعار وانعدام الجودة.
وسيكون على الباحثين والدارسين أن يتأملوا في انتشار ظاهرة تفضيل السلع والبضائع الأجنبية عن غيرها من المنتوجات المحلية، على رغم أن بعضها أفضل وأرخص. لكن الصورة التي سيطرت على الأذهان تنحو في اتجاه التشكيك في المنتوجات المحلية، ولا أحد يعرف كيف يمكن للصناعة المحلية أن تتطور وتغزو الأسواق الأجنبية وتنافس نظيراتها، إن كانت عاجزة عن تحقيق ذلك في المجال الوطني الصرف.
إذا كان هذا الخلل مفهوما وله أسبابه في بناء المنتوجات المحلية، فإن الغش وإغراق الأسواق بالمواد الفاسدة ليس له ما يبرره على الإطلاق، سوى الاستغلال البشع والتزييف. وحين تصبح الظاهرة بكل هذه القوة من الانتشار فإنها تطرح المزيد من الأسئلة، ليس فقط على مستوى التدبير الحكومي لملفات وقضايا من هذا النوع، ولكن أساسا على دور المدرسة والأسرة في تنشئة أجيال وسيادة مفاهيم وممارسات تخل بواجب التعاقد الأخلاقي بين التجار والمستهلكين. فالغش في الامتحانات ينزع عن المنافسات في التحصيل الدراسي أهم شروطها، لكن في حالات الغش في المواد الاستهلاكية يضر بصحة الأفراد والجماعات، كما في البناء يعرض السلامة إلى المخاطر. والمثير في هذه النقطة تحديدا أن فتح محلات تجارية أو مصانع يتطلب أعدادا من الرخص وموافقة مصالح متعددة، تشمل الوقاية المدنية والصحة والمصالح البلدية في مسائل النظافة والجودة وغيرها، ومع ذلك فإن هناك تجاوزات تعرض صحة المواطنين إلى الأذى. ما يعني أن انعدام الضمير لا يخص المتاجرين بقوت وصحة المواطنين فقط، بل بعض المراقبين الذين تعهد إليهم مسؤوليات الرقابة.
لابد إذن من وقفة تأمل، فالحديث عن الفساد لا يقتصر على استغلال مراكز النفوذ وانعدام الشفافية والنزاهة وغياب الحكامة، ولكنه بات يطال قوت وصحة المواطنين، ولن يضير السلطات وقد شرعت في إماطة اللثام عن مظاهر وسلوكات الغش خلال شهر رمضان أن تضع أجندة متواصلة للرقابة الدائمة. ولا بأس من استخدام أسلوب المقاطعة بالنسبة للأطراف التي ثبت تورطها في هكذا تجاوزات، لأن تعريض مصالحها إلى الزوال هو وحده الكفيل بردعها عن القيام بخرق القوانين، فيما أن تنظيمات المجتمع المدني ذات العلاقة بحماية المستهلك يفترض أن تصبح فاعلة ومؤثرة، أقله لناحية استشعار الرأي العام بالمخاطر المحدقة بصحته، عسى أن يبدأ المسؤولون في قطاع التعليم والتربية بمعاودة النظر في المناهج التربوية التي تخلق مواطنين نزهاء.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *