فصل الفقاعات

في يوم شتائي توقف هطول المطر بعد أن عرقلت شدته السير والمرور، عادت للشوارع حياتها، الناس يهرولون مسرعين.. الفصل فصل الأمطار و«ما يأتي في موعده لا يلام». أحسست لوهلة أني الوحيدة التي أحبت المشي بتريث.. عندما مررت بجانب بائع الشرائط الموسيقية في شارع محمد الخامس الذي يميز مدينتي، ذلك الشارع الغريب في عيني، والذي يقود لأطول شارع في إفريقيا، المزين بالنباتات المنتظمة والأشجار وأسدين نحاسيين، والعديد من النافورات التي تنفث المياه بشكل منتظم وجميل، تحدث قطراتها صوت التقاء جميل إذا تصادمت وقطرات الأمطار تتولد عنها قطرات مياه جد صغيرة جعل منها محترفو وهواة التصوير لحظات لا تفقد حياتها مهما تغيرت الفصول.. كان هناك أيضا فتى قرب بائع الجرائد يحاول أن يستظل بمظلة محله.. إنه بائع آلة صنع الفقاعات.. يحاول أن يعرض بضاعته وهو يبعثر في الفضاء فقاعات يحمل سائلها من قنينة صغيرة خلط فيها القليل من الصابون والماء لتعطي رغوة ناعمة جميلة بألوان قوس قزح عندما تصبغ محيط فراغ الدائرة التي لها مقبض صغير يناسب أصابع الأطفال الدقيقة. يبعث في السائل شبه الشفاف من روحه، فتتناثر الفقاعات لتملأ العالم سحرا وجمالا.. تذكرني بالطائرات الورقية التي كان يعلمنا شغب الطفولة صناعتها ثم الركض نحو الأعالي لإعتاقها وإعتاق البالونات متعددة الألوان في أفق نحسب أنه يمتد لإسعاد من هم في العالم الآخر.. بقيت عيني مثبتتين على الفقاعات ومصيرها بين العلو والانفجار محدثة فرقعة تلاحظها العين ولا تسمعها الأذن.. نستشعرها ونحزن ثم نجدد النفث في الدائرة ليتحول السائل من جديد إلى فقاعات..
أذنيّ مثبتتان في صوت المذياع الضخم إنه سحر أغنية إديث بياف… لم أنتبه- لتشتت ذهني- إلى ذلك الرجل الذي يحاول تصفح عناوين الجريدة التي أعمل فيها، حتى تصادمنا، حاول أن يعتذر وهو يلم من الأرض ساخطا كتبه التي تبللت بفعل الأمطار، وحقيبته الجلدية ذات اللون البني تشبه حقيبة المحققين الأمريكيين.. كانت لزميل يدرس معي حقيبة تشبهها تماما.. لم أصدق ولم يصدق عندما رفع بصره ليبادلني الاعتذار، وقبول الاعتذار أيضا.. بعدها أخرسني عنوان الكتاب الذي يحمله بين يديه.. حاولت أن أتصفحه بعد أن أخذته منه دون حاجة لطلب إذن.. إنها رواية «إني راحلة» للكاتب يوسف السباعي.. سبق لي أن قرأتها منذ كنت طالبة جامعية بشعبة اللغة العربية شأنه.. كان كل واحد منا يتكلف باقتناء كتاب مختلف نقضي نهاية الأسبوع معا في مناقشة ما نقرؤه وكان لرواية «إني راحلة» وقعها على كلينا.. لا تزال إديث بياف تزلزلني بصوتها، لتعلن الأمطار والرعد والبرق استئناف رحلتها الشتائية. اختفى بائع آلة صنع الفقاعات.. تبلل (أحمد) وهو يحاول الاحتماء بمظلته، بدأت حركة المشاة تخف والسيارات تطلق أصوات الإنذار طلبا للمرور.. تركته.. وصوته يلحق بي وكنت أعلم أن تلك ليست بعد نهاية قصتنا، فالفقاعات لم ينته عمرها، فقد عاد البائع من جديد ينفث ليصنع فقاعات تتفرقع في الفضاء.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة