فن إضاعة الفرص سينمائيا

achhab1

غضب الممثل المصري القدير عبد الله غيث، وصاح أمام سينمائيين مغاربة وعرب، كانوا ضيوفا على مهرجان قرطاج التونسي، بأنه سيستقل أول طائرة إلى المغرب، وسيتوجه مباشرة إلى القصر لتقديم شكوى ضد إحدى شركات الإنتاج المغربي، قال إنها تعاقدت معه ولم تحترم تعهداتها.
هدأ الحضور من فورة غضبه، ووعده أحدهم بالتوسط من أجل تسوية قضيته التي توقع أنها لا تعدو أن تكون تأخيرا أو سوء تفاهم. وعندما أيقن الممثل المصري أن مشكلته قابلة للحل، تراجع منسوب غليان الدم في عروقه، وقال إن المغرب كان في وسعه أن يكون أكبر بلد عربي في الإنتاج السينمائي.. طبيعته ساحرة ومتنوعة وجذابة، وأناسه طيبون ومتواضعون.. لكن البيروقراطية تغتال الإبداع أو تخنقه في المهد.
كان عبد الله غيث واحدا من الممثلين الكبار الذين شاركوا في فيلم «الرسالة» الذي دارت وقائع تصويره في ضواحي مراكش. ولم يكن يعانده في نجوميته أمام الكاميرا غير الممثل الكبير محمد حسن الجندي. بينما كان نجم آخر اسمه عبد الله العمراني، لم ينل حظه من التقدير، يسير في اتجاه الأفلام التاريخية بتؤدة واتزان، وكانت الجلسات لا تكتمل من دون حضور النجم العالمي أنطوني كوين، الذي سيلعب لاحقا دور البطل «عمر المختار»، بعد «الرسالة».
تمكن المخرج العالمي مصطفى العقاد من حشد جيش من الممثلين والتقنيين ومصممي الأزياء والديكور، سهروا على اقتباس معالم الحياة في الجزيرة العربية قبل الفتح الإسلامي، ونقلوا ملامحها إلى ضواحي مراكش. لولا أن جدلا فقهيا وسياسيا دفع المغرب إلى نفض يده من المشروع، بعد تعرضه لضغوط من طرف علماء دين انتقدوا فكرة تقديم شريط عن نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، مع أن وقائع الشريط خلت من أي تشخيص أو إشارة، واكتفت بالأضواء للدلالة على قدوم الإسلام إلى مكامن الجاهلية والظلام.
أغرب من القصة أن الجزء المتبقي من الشريط سيتم تصويره في الصحراء الليبية، بدعم ومباركة من العقيد معمر القذافي الذي كان يضع نصب عينيه، إقناع المخرج السوري، حامل الجنسية الأمريكية مصطفى العقاد، بإنتاج شريط عن «فارس الصحراء» عمر المختار. وربما فكر في لحظة نزوة أن يلعب فيه دور البطولة.. هذه حقيقة وروى لي الصديق عبد الحق الزروالي، الذي لا زال يحمل هموم «المسرح الفردي» على كتفه، أنه جادل العقيد القذافي أنه لا يصلح للتمثيل للمسرح. فرد عليه: «وما رأيك في أن ألج عالم السينما؟».
لكن الزروالي ودعه بعد فطور رمضاني، من دون أن يدور في خلده أن القذافي سيصبح بطل شريط في سينما الواقع، بعد مرور سنوات على مراودته فكرة التمثيل. ولم يعد في إمكان أي مخرج، مهما أوتي من البراعة والخبرة، أن يقدم سينما تضاهي عنف الواقع.
انتهت فصول شريط «الرسالة» بما تركه من ندوب على أفق الإنتاج السينمائي في المغرب، ثم استطاع المخرج عبد الله المصباحي أن يشد الانتباه إلى فكرة سبقت زمانها، عندما أقنع منتجا خليجيا بتمويل مشروعه الذي حمل عنوان: «أفغانستان.. لماذا؟». واستبدل الممثل عبد الله غيث بالحسناء سعاد حسني، وأنطوني كوين بالممثل الإيطالي جوليا نوجيما.. إلا أن مصير ذلك الشريط ظل معلقا، لا هو أكمل إنجازه، ولا هو تخلص من ركامه الذي يوازيه مقدار ديون مستحقة وعداوات فنية.
أعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، فقد كتب للمسرحي الراحل إدريس التادلي أن يحاور أحد كبار المنتجين الخليجيين، راقته بادرة إنتاج أشرطة سينمائية عن روايات لكتاب مغاربة. آنذاك أمضيت مع التادلي مزيدا من الوقت ننقب في بطون الروايات لكتاب، أمثال عبد الكريم غلاب ومبارك ربيع ومبارك الدريبي وآخرين.. إلا أن الفكرة أقبرت جراء توارد «كلام شوارع» حول تردد المغاربة في دعم الإنتاج السينمائي.
من بين الفرصة الضائعة على الخط نفسه، أن مخرجا مغربيا حاز على ثقة ودعم منظمة التحرير الفلسطينية لإنتاج شريط بعنوان «الخيط الأبيض والأسود». لابد من التنويه إلى أن لا علاقة للاسم ببرنامج الزميلة نسيمة الحر. فقد اختلط فيه اللونان الأبيض والأسود، ولم تكن الخلاصة رمادية، بل توقف المشروع، ليسجل بدوره ضمن قوائم الإنتاجات التي لم تعرف طريقها إلى الجمهور.
ذات مرة في مجمع رسمي، قفز الحديث عن السينما بديلا للسياسة، واستقر الرأي على إنجاز سلسلة وثائقية عن الرحالة ابن بطوطة. لكن كل ذلك بقي حبرا على ورق، كما هي الأفكار التي لا تغادر الرؤوس إلى حيز المكان والزمان.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *