فوضى الحياة

مرّتْ سنتان تقريبا على قرار حاسم، أخذَتْهُ بقوة وهي تتصور أن الأوراق التي سوف تتساقط من شجرة الحياة والسيول التي ستنهمر من لُجَّة العين، هي بحجم الإعصار الذي لا يُخَلِّف وراءه إلا صمت الفاجعة.. كانت تعي جيدا أن المسألة لا تعدو أن تكون قصة حبٍّ لا تختلف كثيرا عن القصص الدرامية، ذات النهايات الحزينة أو الصادمة أحيانا.. فكان يلزمها فقط بعض التحفيز أو لِنَقُلْ جرعةً لا بأس بها من الإرادة، لكي تقتنع تماما بأن فوضى الحياة بداخلها سوف تتأقلم وإيقاعَ الحياة التي يتقاسمها بنو البشر فوق الأرض، وبأن الغدر والخيانة والاستغلال والاستغفال وهدر الوقت والعبث بالمشاعر و.. ليست إلا مصطلحاتٌ تحمل دلالات في قاموس الألم، ملفٌّ صغير في مثل هذه القضايا، يَفي بالغرض، حيث تُصنَّفُ التجربةُ ضمنه بإحكامٍ ثم يُرَصُّ إلى جانب ملفات التجارب الأخرى، فيصير لدينا رصيد محترم، نرجع إليه للإفادة منه كلما لزم الأمر، لأجل تفادي الوقوع في المطبات السابقة.. هكذا يكون المرء قد استفاد من ماضيه، ولم يدَعْ فرصةً لتكرار الخطأ، وبالتالي لن يُفوِّت عليه القبض بتلابيب الجوانب الإيجابية في محنةٍ، مهما كان طعمها مرا..
تمسكَتْ جيدا بما يمليه عليها وعيُها، لأنها ــ ولحسن حظها ــ لم تكن تعوزها القوة والثبات في اتخاذ القرارات، خصوصا وأنها لخصت كل شيء في نتيجة واحدة: ما كانت تعتبره إعدادا لمشروع حياة، كان الطرف الآخر يعتبره تسلية ذات طعم خاص، لكنه كان بارعا في تقمص دور الفارس النبيل والجريء الذي يتفانى في حبه ويتباهى باختياره ولا يألو جهدا في إرضاء حبيبته، أما هي فالأمر بالنسبة إليها كان مختلفا تماما، فحكايات الغرام التي لا تقف على الأرض ليست إلا أضغاث أحلام.. حريٌّ بالمرء ألا يجعل أحلامه وتوقعاته وحتى خياله بمنأىً عن مستوى الواقع الذي يحيا في كنفه. بالماضي كانت تنفق المال لتبدو أكثر جمالا، وبعدها صارت تنفق المال لتعالج الألم والإخفاقات المتتالية.. الآن هي مقبلة على حياة يجب أن تنفق في سبيلها من أجل الفرح وحسب.. لا يهم التعثر أو السقوط أحيانا، بل إن البحث عن المذاقات الأصيلة والوصول إلى الإمتاع، فيه حياة لأولي النهى..
عندما كانت تغمض عينيها، تأملُ أن تصادف حلما زهريا يزين قصة الرومانسية التي عاشتها بكل تفاصيلها، والتي أغرمَتْ فيها بأناها قبل عشقها لفارس السحاب ذاك.. لكنها لم ترَ إلا صوراً ومشاهدَ غير منظمة، وأشخاصاً لا رغبة لها بحضورهم، فكانت تكتفي بأحلام اليقظة، لأن خيالها يصوغها بدقة وبفنية عالية، لدرجة يصعب معها أن تتصور أنها مع مرور الأيام ستهدم صرحاً اجتهدت وتفننت في بنائه زمنا ليس يسيرا، لتستفيق يوما فتجد ما بنته ليس إلا قصر رمال ابتلعه الموج أول مَدّْ..

نبذة عن الكاتب

كاتبة

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة