فوق سلطة الأحزاب

فوق سلطة الأحزاب

عودة ظاهرة الترحال الحزبي، بتزامن مع استحقاقات البلديات والجهات تطرح علامات استفهام كثيرة، حول مستقبل وآفاق العمل السياسي في البلاد. وإذا كان دستور فاتح يوليوز 2011 حظر الترحال خلال فترة الولاية التشريعية، لما يعنيه ذلك من تنكر لثقة الناخبين، والتواء على تنفيذ الالتزامات السياسية، فإن اعتلاء الظاهرة واجهة الانتخابات المحلية، بات يحتم إيجاد رادع قانوني وسياسي وأخلاقي. فالمنتخبون الذين يغيرون انتسابهم في آخر لحظة، يصعب الاطمئنان إلى أنهم مؤهلون للثقة والاحترام وأحقية التمثيلية.
لا يتوقف المشكل عند حالات منعزلة، في الإمكان تفهم دوافعها وخلفياتها، من دون تقبلها وتبريرها، ولكنه ينسحب على مكاتب ومستشارين جماعيين، أصبحت لديهم سلطة تفوق إرادة الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها. وهي تقول بالحرف الواحد: «إما أن تمنحونا التزكية أو نغير الاتجاه نحو من يفعل ذلك». ولأنه يوجد على الطرف الآخر من هو على أتم الاستعداد لاحتضان الرحل، بل إنه عمل على إغرائهم بتعزيز صفوفه. تنتشر الظاهرة كما في الحالات التي يكثر فيها العرض والطلب، ولولا وجود مستهلكين لما كان لأي منتوج محظور أن يجد من يقبل عليه بنهم شديد. فالظواهر الحزبية والسياسية تخضع بدورها لمثل هذه «القوانين» غير المكتوبة.
حرية الانتماء شيء متعارف عليه. ولا شيء يفرض على هؤلاء المنتخبين أو أولئك عدم تغيير ولاءاتهم في الحالات التي تنجم عن ممارسة النقد الذاتي أو حدوث تطور في التفكير والاعتقاد، إذ أن المسألة في طابعها النسبي تظل مقبولة في نطاق المراجعات. أما حين تخضع لمساومات حيازة التزكيات أو الانسحاب، فإنها تضرب العمل الحزبي في عمقه. ولم نسمع عن مستشارين أو وزراء سابقين أنهم غيروا انتماءهم لأسباب فكرية، بل إنهم لم تصدر عنهم بيانات أو مواقف تشرح للرأي العام أسباب هذا التحول المفاجئ.
ينم هذا السلوك في أقرب تقدير عن «احتقار» الناخبين والنظر إليهم بازدراء، عدا أنه يرهن التصويت بالأشخاص وليس الأفكار، بمعنى أن المستشار الذي يعتقد في أن حظوظه كبيرة في الفوز، لا يلتفت إلى البرامج أو التعهدات، بل يجعل من نفسه سلطة فوق الأحزاب وفوق الأخلاق. وهذه ظاهرة تكتسي خطورة بالغة، كونها تفرغ العمل السياسي من مضمونه، وتفتح المجال أمام ممارسات لا علاقة لها بالسياسة والفكر والحوار وجدلية الإقناع والاقتناع.
من أين جاء هؤلاء؟ الراجح أنهم لم ينزلوا من السماء، فهم نتاج تراكم ممارسات سلبية أثرت على فعالية ونظافة ومسؤولية العمل السياسي، واللافت أن الظاهرة التي امتدت على طريق اكتساح جزء من الساحة الحزبية والسياسية، في طريقها لأن تصنع لوبيات وقلاعا تحتمى بمراكز النفوذ المالي، وتتخذ من العمل السياسي غطاء لفرض نوع من الهيمنة على المشهد السياسي الذي بات يرزخ تحت وطأة لوبيات العمليات الانتخابية.
لو أن كل هؤلاء الذين يستبد به الحماس لخدمة «الصالح العام» عبر الترشح لانتخابات البلديات والجهات صرفوا بعض الوقت وبعض ما يتوفرن عليه من وسائل وإمكانات لخدمة أحيائهم ودوائرهم ومدنهم وأقاليهم وجهاتهم، هل كان المغرب سيقف عاجزا عن مواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية تثقل كاهله؟ لو أنهم اندمجوا في صلب حركة التضامن الاجتماعي والإسهام العملي في جهود التنمية، هل كانت البلاد ستكتشف أن حوالي ثلث سكانها يعانون من الفقر والهشاشة والعوز بما يصل إلى مستويات دونية؟
لماذا إذن كل هذا النفير والاصطفاف والجلبة؟ ثم لماذا تتقبل هيآت سياسية أن ينضم إلى صفوفها خارجون من تحت «طاعة» أحزاب أخرى؟ الأكيد أن الرغبة في الفوز فرضت على مكونات المشهد السياسي الامتثال لسلطة أصحاب النفوذ الجدد، إما بحكم مواقعهم في السلم الاجتماعي أو بحكم تأثيرهم على ناخبين محتملين، وإما لاعتبارات أخرى. لكن الضحية في كل ذلك هو العمل السياسي الذي ينحدر إلى الهاوية، ومن المؤسف حقا أن يكون لبلاد هكذا نخب تحاول بكل الوسائل الاستئثار بتمثيلية شرائح المجتمع على الواجهة الديمقراطية.
لا تعدو الظاهرة أن تكون نتاج تراكمات سلبية غير أنه بدل الانكفاء على مواجهتها بما يقتضيه الأمر من صرامة وحزم وجدية، يتم الانصياع لإرادة تبدو وقد أصبحت أكبر من الأحزاب التي تترشح باسمها، وبعد هذا يأتي من يسأل لماذا لا تعكس مستويات الإقبال على صناديق الاقتراع ما تطفح به آمال البناء الديمقراطي.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة