الرأي

«فيزا» الخوف

شامة

 

وصلتني رسالة من صديقة مصرية تقيم بإسطنبول. أخبرتني في الرسالة أن «هفنغتون بوست عربي» ستقفل، وأنهم سينشئون بديلا عنه موقعا اسمه «عربي بوست»، وأنهم يريدون مني أن أنضم إلى قائمة كتاب الرأي للموقع.

طلبت الصديقة أن أبعث بمقال للنشر، وبما أني «طائر حر» تصعب عليه الكتابة تحت الطلب، عدت إلى مقالاتي السابقة على «مشاهدات عابرة»، أحاول أن أجد بينها ما يصلح للنشر في موقع عربي يتخذ إسطنبول مقرا له، ويديره صحفيون تمرنوا على يدي المدير السابق لقناة «الجزيرة»، وضاح خنفر، وعلى أيدي «إخوانه».

لم يكلفني البحث وقتا طويلا لأجد المقال المناسب، فقد جمعني بصديقتي موقع التدوين الشهير آنذاك «الجزيرة توك»، ومنه خرجت كثير من الأصوات تطالب بإسقاط الأنظمة، هم الآن في سجون بلدانهم، أو منفيون في بلدان الآخرين، منهم كثيرون انقلبوا على ما آمنوا به، ومنهم كثيرون لازالوا مصرين على تحقيق ما حلموا به. وبين هؤلاء وهؤلاء هناك فئة كل همها ألا تكون في هذه الفئة، أو الفئة الأخرى، وأن تخرج من خندق وطن دمر بشيء اسمه «فيزا».

المقال ذكر أن عنوانه كان «عايزين فيزا»، ولا شيء تغير منذ كتبته، «الفيزا» لا تزال أكثر شيء يطلبه أبناء بلدان ما بعد الربيع، والخوف لا يزال يسكن بلدان ما بعد الربيع.

كتبت المقال وفيه قلت: «في مقهى بأحد الأحياء الراقية بالعاصمة تونس، والليل يسدل خيوطه، التزمت الصمت وأنا أسمعهم يتحدثون، أو بعبارة أدق يشتكون.

على يميني يجلس أحمد بلحيته الكثيفة، وشعره الذي بدا يفوق شعري طولا، ونظارته الطبية التي لم تستطع إخفاء عينيه الخضراوين وهما تلمعان ألما. انتقل أحمد من مصر إلى تونس بعد مجيء السيسي الى الحكم، وبعد أن أصبح صعبا على المركز الحقوقي الذي يعمل به الاستمرار في العمل بالقاهرة.

كان أحمد ولا يزال ناشطا حقوقيا ليبرالي الهوى، عكس عمرو الذي كان يجلس على يساري، وكان إلى وقت قريب يميني الهوى، من عائلة إخوانية، حتى أنه حين نزل إلى ميدان التحرير نزل مؤمنا بحق الإخوان في نصيبهم من السلطة، لكن عمرو سينقلب بعد الثورة وبعد مرسي على كل شيء، على عائلته، على مهنة الطب التي اختارها له والده، على مصر التي خيبت أمله فيها، وعلى فكره اليميني، فأصبح عمرو باحثا في حقوق الإنسان، وانضم لواحدة من المنظمات الأمريكية المثيرة للجدل، ورحل عن مصر، وتحول من يميني راديكالي إلى علماني راديكالي.

قبالتي جلست خلود، بحجابها الملفوف بعناية، وعينيها العسليتين اللتين كانتا إلى وقت قريب تضجان حياة وفرحا. عكس أحمد وعمرو، كانت خلود تتحدر من اليمن، رحلت عنها إلى تونس مع عائلتها، عاشت بها لسنوات حتى باتت تونس جزءا منها، وباتت اليمن بلدا يذكرها بالألم فقط. رجل أحبته، تزوجت به، وتطلقت في فترة قصيرة، حتى أنها لا تحب تذكرها ولا تذكره.

في حديثهم، أو في شكواهم، ترددت لمرات عبارة «عايزين فيزا». كان أحمد قلقا لأنه لم يعد قادرا على العودة إلى مصر بسبب عمله في مجال حقوق الإنسان، وكان قلقا أكثر لأنه لم يعد ممكنا أن يحصل على تأشيرة دخول لعدد من الدول المجاورة، وكان قلقا أكثر وأكثر لأن جواز سفره اقتربت مدة صلاحيته على نهايتها ولا يستطيع الذهاب إلى سفارة بلده في تونس لتجديده، ولا يستطيع العودة إلى بلده لتجديده.

عمرو كان قلقا أيضا، رجل الأمن التونسي بات ضيفا يكاد يكون دائما على بيته. يطرق بابه ويسأله من يؤوي في منزله. عمرو أصبح قلقا ورجل الأمن يطلبه كل مرة للمثول أمام مركز الشرطة والاستفسار عن أصحابه الأجانب الذين يترددون بشكل دائم على شقته. بات عمرو قلقا أكثر وأكثر حين رفضت دوائر بطاقة الإقامة تجديد إقامته في تونس، لم يعد عمرو قادرا على الإقامة بطريقة قانونية على أرض تونس، ولا بات يستطيع العودة إلى بلده، وينتظر بصبر كبير رد رئيسته في «هيومن رايتس واتش» لتوافق على نقله إلى مكتب برلين، وحتى إن تحقق له الأمر يخشى عمرو من ألم الغربة الذي أصبح يلازمه بعد أن باتت تتعذر عليه العودة إلى بلده واللقاء ثانية مع عائلته.

لم يكن وضع خلود أقل تعقيدا، حصلت على إقامة تونسية، وتملك جواز سفر دبلوماسيا بفضل عمل والدها في هيئة الأمم المتحدة، لكن خوفها الذي يجعل الأرق صديقها، أن والدها يقترب من سن التقاعد، وأن بطاقة الإقامة ستنتهي بانتهاء عقد عمله، وأنه لا يمكنهم العودة إلى اليمن، ولن يمكنهم قانونيا الاستمرار على أرض تونس.

أوجعني قلبي كثيرا وأنا أنصت إليهم، وأنا أسمعهم يشتكون أنهم يعيشون الحصار بسبب عدم قدرتهم على الحصول على «فيزا» تنقلهم من بلد إلى بلد دون خوف، وأنا أسمعهم يحلمون بالحصول على جواز سفر أجنبي يريحهم من «الفيزا» وتعقيداتها، وأنا أسمعهم يقولون لي «لا نفهم لم تركت أمريكا ولم تخليت عن «البسبور» الكندي؟ لم تركت كل هذا وذاك وعدت إلى المغرب؟».

أوجعني السؤال بقدر وجعي لشكواهم، قلت لهم: «لأني تعبت… تعبت من كل شيء… تعبت من هروبي الدائم بداعي السفر… تعبت من الهروب من الوحدة إلى الغربة… تعبت من الشعور بأن وطني لا يعاملني بقدر العدل نفسه مع مواطنين من درجة أولى… وتعبت من الشعور بأن علي أن أهجره لأحصل في بلد غريب على وطن… عدت لأني تعبت… حتى «الفيزا» هاته التي تحلمون بها تعبت منها كما تعبت من ترداد السؤال نفسه: لم تركت أمريكا وكندا وعدت؟».

نظر إلي أحمد وعمرو وخلود نظرة ذهول مشوبة بالكثير من التفهم لرد فعلي. كانوا يرون أني أكثر استقرارا، أحمل جواز سفر بلد فلت ولو «مؤقتا» من رياح الربيع، وأني أعيش على أرضه دون أن أكون متابعة أو مراقبة، وأني تنازلت عن الحلم الأمريكي والهوى الكندي وفضلت البقاء في وطن يخيب كل يوم أملي في أن يكون عادلا معي، ومع ذلك يبقى وطني، كوالد يسيء معاملتك وأنت ترجو حبه ولا تستطيع كرهه لأنه والدك شئت أم أبيت.

في اليوم الذي كنت أستعد فيه للرحيل إلى أمريكا، حضرت إلى مقر القنصلية بالدار البيضاء، وقفت بكل ثقة أنتظر دوري، كانت أمامي فتاة شابة يرتعد جسدها، التفتت إلي وقالت لي بدون سابق تعارف: «أنا أكاد أموت خوفا»، سألتها عن السبب، قالت لي إنها خائفة أن يرفض طلبها للحصول على «فيزا» وحلمها بالذهاب للدراسة في أمريكا. وضعت الفتاة أموالا كثيرة في سبيل هذا الحلم، قالت لي: «أريد أن أتخلص يوما من هذا الخوف الذي يلازمني من صغري، خوفي من الامتحانات، خوفي من الشارع، خوفي من كلام الناس… حتى «الفيزا» إلى أمريكا تصيبني بالخوف… لقد أرضعونا الخوف حتى أصبحت أخاف من كل شيء ولا شيء».

لم أنس هذه الفتاة يوما، وكنت أتذكرها كل يوم وأنا بأمريكا، زملائي في العمل من العراق وفلسطين وسوريا وليبيا والسودان خائفون من أن تلفظهم أمريكا فيعودوا إلى بلدانهم التي باتت فيها الدماء تسيل لكل سبب وأي سبب، وزملائي من مصر والجزائر وتونس وحتى المغرب لم يكونوا أكثر شعورا بالأمان، كانوا قلقين من العودة إلى بلدان مهددة، وفيها لا يحق لهم لا المرض ولا البقاء بدون عمل، فيها الكرامة لا تكون إلا من يملك السلطة أو المال. حتى زملائي الأمريكان لم يكونوا أقل خوفا، خوفا من أن يفقدوا عملهم، وبفقدانه سيفقدون عائلاتهم، زوجاتهم، رفيقاتهم، منازلهم، سياراتهم… يعرفون أن المجتمع الرأسمالي مجتمع يعترف بالبطاقة البنكية فقط، ولا يهتم بشيء اسمه العائلة والأصدقاء والتضامن.

لذلك قلت لأصدقائي إني تعبت… حتى أني قلت لهم إني تعبت منهم، ومن شكواهم، ومن وضعهم المأزوم، سألتهم ألهذا قامت الثورات؟ أعرف أن لا ذنب لهم في ما يشتكون منه، وأنهم كانوا يحلمون بوطن عادل وحر، وربما في حلمهم لم ينتبهوا إلى أنه قد يتحول إلى كابوس، وأن الكابوس سيحولهم إلى هاربين دائمين، يتمنون أن يحصلوا على «فيزا»، ويحلمون بالحصول على «بسبور» لبلد آخر لعله يصبح لهم وطنا، ولعلهم يستطيعون انتزاع وطنهم الأم من قلوبهم».

انتهى المقال، لكني لم أرسله إلى صديقتي المصرية، فضلت أن أرسل عوضا عنه مقالا آخر كتبته هنا بعنوان «مكالمة من مونتريال»، عن صناعة وهم اسمه «الحلم الكندي»، ولغرابة الأمر أن «فيزا» الخوف ترى في الوهم الكندي حلما.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق