MGPAP_Top

فيلسوف الرأسمالية: ليس في طبع الليالي الأمان! (2/2)

وهو إذْ يشدد على المُقْبل تحديداً، وليس المستَقْبَل، فلأنّ الأوّل يستلزم بناء ديمقراطية خاصة به تمكّن الفرد من التحكّم بالآتي من زمانه، في مواجهة دكتاتورية من طراز خاصّ، قد يتصف بها المُقْبل؛ وتلك سمة معاصرة، اقترنت بالوجود الإنساني المعاصر، والآلة والتكنولوجيا والمعلوماتية في قلب معادلاته؛ على نقيض مجتمعات مصر وبلاد النهرين واليونان، حيث الآلهة هي التي تتحكم بالمصائر؛ أو الأديان التوحيدية، التي تبدّل الصيغة قليلاً فتمنح الإنسان فرصة اختيار الخير ونبذ الشرّ. وأتالي يقترح منهجاً في استبصار المُقْبل، ينهض على خمس دراسات: استرجاعية (معرفة المتغيرات)؛ حيوية (استخلاص تشخيص ملائم)؛ بيئية (تمحيص ما تمنحه بيئة المرء من معطيات)؛ وجدانية (دراسة مواقف النطاق البشري المحيط)؛ وإسقاطية (إحصاء الحوادث المُقْبلة).
لكنّ خلاصات هذا الكتاب الجديد تبدو مدهشة، خصوصاً، إذْ تأتي من أتالي نفسه؛ الذي رأى قبل سنوات قليلة فقط أنّ السمة الجوهرية السائدة اليوم هي انهيار Crash الحضارة الغربية، وليس صراع Clash هذه الحضارة مع سواها، غامزاً بذلك من قناة صمويل هتنغتون حول صراع الحضارات. وإذْ جادل بأنّ الحضارة الغربية موشكة على الانهيار، فإنه كتب بالحرف: «بالرغم من القناعة السائدة القائلة بأنّ اقتصاد السوق اتحد مع الديمقراطية لتشكيل آلة جبارة تساند وتُطوّر التقدّم الإنساني، فإنّ هاتين القيمتين عاجزتان عن ضمان بقاء أية حضارة إنسانية. إنهما حافلتان بالتناقضات ونقاط الضعف. وإذا لم يسارع الغرب، ثمّ الولايات المتحدة بوصفها قائدة الغرب المعيّنة بقرار ذاتي، إلى الاعتراف بنقائص وأزمات اقتصاد السوق والديمقراطية، فإنّ الحضارة الغربية سوف تأخذ في الانحلال التدريجي، ولسوف تدمّر نفسها بنفسها.
كذلك أشار أتالي إلى أنّ الشقوق والصدوع أخذت اليوم تظهر هنا وهناك على سطح الحضارة الغربية، وأنّ تنفيذ أبسط صورة بأشعة X سوف يكشف مظاهر الاعتلال العميق في الجسد ذاته، وليس على جلده وقشرته الخارجية فقط، وسوف يحدّد بوضوح صارخ «خطر الفناء» الوشيك الذي تراكمه مظاهر الاعتلال تلك. ولقد بدأ بتحديد ثلاثة تناقضات مستعصية، غير قابلة للتصالح، تمنع حدوث الزواج الناجح بين اقتصاد السوق والديمقراطية: الأوّل هو أنّ المبادىء الناظمة لاقتصاد السوق والديمقراطية لا يمكن تطبيقها في معظم مجتمعات الغرب (ونضرب نحن مثالين: فرنسا الرأسمالية العريقة، حيث المكاسب الاجتماعية، وحال النقابات والجمعيات السياسية، وميراث الثورة الفرنسية تعيق انطلاق اقتصاد السوق إلى ما يحتاجه أحياناً من وحشية قصوى عمياء؛ وتشيكيا الرأسمالية الوليدة كمثال ثان حديث العهد، لأسباب تخصّ مركزية اقتصاد الدولة القديم مقابل هشاشة اقتصاد السوق الوليد). التناقض الثاني هو أنّ هاتين القيمتين، السوق والديمقراطية، تدخلان غالباً في حال تصارع بدل التحالف، وتسيران وجهاً لوجه بدل السير يداً بيد. والتناقض الثالث هو أنهما حملتا على الدوام بذور تدمير الذات، لا لشيء إلا لأنّ ديمقراطية السوق كفيلة بخلق «دكتاتورية السوق»، بوصفها عنوان حروب التبادل بين ديمقراطية صناعية كبيرة وأخرى أكبر وثالثة تعدّ نفسها الأكبر.
ويبقى أنّ أتالي كان قد ودّع العام 2010 بكتاب عنوانه أقرب إلى بيان نعي: «هل سينهار كلّ شيء خلال عشر سنوات؟». الطبعة الأولى بلغت 70 ألف نسخة، ليس لأسباب تخصّ علوّ كعب المؤلف في الاقتصاد السياسي، بل لأنّ توقيت النشر كان يتناغم مع حال الرعب العامة إزاء العواصف التي اجتاحت الاقتصادات الغربية، في المصارف والبورصات، كما في خزائن الدول وديونها العامة. وفي كلّ حال، لم يسبق أن عُثر في مؤلفات فيلسوف الرأسمالية المستقبلي هذا، على أيّ مُقْبِل ملموس يشير إلى «داعش»؛ هذه التي غزت أمن فرنسا مثل مكتباتها فرنسا، وأثبتت أنْ ليس في طبع الليالي الأمان!

نبذة عن الكاتب

ناقد ومترجم

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة