MGPAP_Top

في البدء كانت الرياضة

اعتمد الجنرال أحمد الدليمي حلا بسيطا، في معادلات السياسية والنزال واستيعاب الأحداث. كان إذا اشتبه عليه الأمر، يسارع إلى طرح السؤال: أي المواقف أقرب، أن يكون المهووس بلعبة كرة القدم في موقع الحكم أو جمهور المتفجرين أو لاعب ميدان؟
وعرفت من أحد مساعديه أنه درج على استخدام هذه الأسئلة، عندما يكون في وارد اختبار نباهة من يريد إلحاقهم بالعمل في دائرة نفوذه الأمني والاستخباراتي والعسكري. وعلى رغم ترجيحه لمقاعد المتفرجين التي تحرر المشاعر، كان يسعى بكل عناد لأن يكون لاعبا وحكما، يخترع قواعد خاصة لتبرير أفعاله. بل إن أقصى ما كان ينضبط له هو الإقرار بأنه يقوم بما يعتقده من صميم مسؤولياته، تاركا للآخرين استعمال صلاحياتهم. وبهذا المعنى، فإن طرح السؤال بالنسبة إليه كان أهم.
الجواب لا يهم، فهو في البدء والمنتهى اختبار. وما كل المعادلات تسمح بحرية الاختيار، إلا لمن رحم ربك. لكني أنصرف عن إيحاءات الأسئلة والأجوبة الافتراضية، وأمضي مع عالم الكرة، بما يعتريه من تشويق أو إحباط. ولم يعرف شغف الإنسان بالعودة إلى المصارعة بالأيادي والأرجل والعقول، كما في اللعبة الشعبية التي سبقت عولمة المشاعر بعقود.
من أجل الإبقاء على بصيص الأمل في رؤية انتصارات كروية، اقترح أحدهم، في معرض التوقف أمام معوقات الكرة المغربية، أن يضع على أعناق اللاعبين جبيرة تمنعهم من إحناء رؤوسهم. وبذلك تشرئب الأعناق طيلة مدة اللعب إلى بعضها، حتى إذا قذفوا بالكرة كانوا يتبينون الاتجاه الذي ترسو عليه. وقد توصل مطرب شعبي في فن «الراي» إلى أن رفع الرؤوس ينهض ضد إخفائها في الرمال، فغنى لحبيبته قائلا: «هزي راسك»، على غرار المثل الشعبي المتداول «مع الزين صابوك»، وفيه من الدعوات إلى رفع الرأس شيء كثير.
هذا عن اللاعبين، أما الحكام، فقد قيل عنهم إنه يجب أن يتمتعوا بلياقة بدنية مثل اللاعبين وزيادة، تساعدهم على الجري وتتبع تنقل الكرة، بين الأقدام والرؤوس داخل الملعب وخارجه عند التيه. وأدع مسألة الجمهور التي أصبح فيها نظر، بعد أن تحول الذهاب إلى الملاعب إلى أشبه بساحة معارك، لا يعرف أحد من أين ومتى تتسلل الضربات الطائشة بالأحجار وحتى السيوف إلى جسده وعقله.
هل أغفل الدليمي أن خارج الجمهور والحكام واللاعبين هناك عامل آخر، لا يقل أهمية في صنع الفرجة الكروية، إنه يتمثل في المعلقين الرياضيين الذين سبقوا نظراءهم في السياسة والاقتصاد والفنون. وحين لم يكن هناك محللون سياسيون، زادت أعدادهم باتساع نطاق الفضائيات والإذاعات ووسائط التواصل الاجتماعي، كان المعلقون الرياضيون يرصدون الشاذة والفاذة.
ولعل أول من تنبه إلى شغب الملاعب، كان المعلق الرياضي عبد الله الوزاني الذي امتهن التعليق، وكتب في وقت مبكر يدعو إلى حظر الأطفال القاصرين عن الذهاب إلى الملاعب من دون ذويهم. ومما كتبه أن القاعات السينمائية تحدد أعمار الجمهور، فلماذا لا تقتفي الملاعب الرياضية نفس النهج؟
كانت الظاهرة أقل مدعاة للقلق، ودق عبد الله الوزاني ناقوس الإنذار، لأنه كان ينظر إلى الجانب التربوي في الرياضة. وعلى الرغم من أنه لم يكن يخفي تعاطفه وفريق الفتح الرباطي، كما هو شأن العواطف التي تتأثر بالبيئة الاجتماعية الحاضنة وتفضيل الفرق التي تفوز على غيرها التي تنكسر، فإنه كان يرفع شعار الحياد والموضوعية والرؤية العميقة للمنافسات الرياضية. وكانت كتاباته الرصينة أقرب إلى تأملات، منها إلى إصدار أحكام. ومن سمو الكتابات الرصينة أنها تنشر وعيا رياضيا يقفز على الحزازات.
سئلت مرة أي الأشخاص أثروا في تجربتي الصحفية المتواضعة، كان علي أن أقر بأن بداية عهدي بالصحافة، لم تكن عن طريق الفن والأدب والسياسة، بل كان المنطلق رياضيا. وعندما أسند إلي الأستاذ عبد الجبار السحيمي مسؤولية الإشراف على الصفحة الرياضية في جريدة «العلم»، لم أجد حضنا دافئا في ترسيم أبجديات معارف رياضية، أكثر من نصائح الكاتب الرياضي عبد الله الوزاني. قال لي إن الكتابة في شؤون الرياضة أكثر جلبا للانتقاد. وليس مثل كثرته ما يعلم التقليل من الأخطاء، خصوصا منها فلتات الشباب التي كان في وسعها أن تدفع مدير النشر للوقوف أمام القضاء كل صباح، لولا أنه كان يحرص على قراءة الجريدة من الألف إلى الياء، قبل أن تصل إلى يد الرقيب.
إن كان تصنيف الوزاني ضمن رواد المدرسة التقليدية في التحليلات الرياضية، يوم كان القطاع يفتقر إلى الإمكانات ويعتمد روح التحدي والإقدام ونكران الذات، فإن معلقا رياضيا آخر أبدع في نقل الأدب إلى مربعات الملاعب الكروية. فقد كان الشاعر أحمد صبري ينظر إلى ثلاثة: الكتابة الأدبية والترجمة التي جال في مساحاتها، والتعليق الرياضي الذي أقحم فيه نفحة أدبية سلسة، منذ اخترع توصيف «الشياطين الخضر» الذي أطلقه على فريق الرجاء، ثم التدريب الرياضي الذي سيكون له باع في تأهيل فرق مغربية وأخرى خليجية. وما من شك في أن هناك مجالات أخر وضع عليها بصماته.
لن تطول تجربتي في الإشراف على الصفحة الرياضية، فقد قصرت على قدر تراكم الأخطاء التي يتعلم فيها المرء المشي في دروب لا يعرفها، فيسقط أكثر مما يترجل. ثم لاح فارس رياضي بمواصفات مختلفة، إنه الزميل محمد بنيس الذي غامر من الرباط إلى الدوحة. وبعد أن كان يهوى صيد الأسماك من نهر أبي رقراق، صارت له هواية صيد «الصقور» في صحاري الخليج، وعاد إلى المغرب يحلم بـ«المنتخب» فريقا وصحافة.. لكن تأثيره في الكتابة الرياضية كان باديا. فقد كان مهووسا بالكلمات والنظريات الفلسفية، واخترق عالم الرياضة، من خلال مصطلحات لم تكن متداولة، إلا في كتابات نظرية، اقتبسها وحورها إلى أن أصبحت ملائمة لضربات الجزاء واعتكاف الأبطال الرياضيين ونزواتهم وأغانيهم في «المعسكرات».
كانت البداية من الرياضة، وكدت أفهم لماذا كان سياسيون ورجالات دولة يلوذون إلى عالمها المليء بالمفاجآت، في صورة انتصارات وانكسارات.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة