آخر الأخبار

في الحاجة إلى غرامشي

في رسالة غرامشي لأمه، وهو يحثها على الكتابة باستمرار ويطمئنها على حاله، تحدث عن الشيخوخة، بعدما أمضى سنوات في السجن بسبب مواقفه وآرائه السياسية بالقرن الماضي، قائلا: «لم أصبح مسنا بعد، أليس كذلك؟ نصبح مسنين عندما نبدأ بالخوف من الموت، وإبداء الأسف عند رؤية الآخرين يفعلون أشياء لا نستطيع القيام بها».
هو العجز إذن ما يجعل منا مسنين حين نركن للعد، ومراجعة محاصيل الماضي الذاوي، فيخبو البريق الباسم في أعيننا حنينا واشتياقا أو ندما وأسفا.. لكن أي نوع من العجز هذا الذي يجعلنا نسلم بالواقع، نسلم بالألم ونرحب به رغما عنا؟ أي عجز هو الذي يجعلنا نطأطئ الرأس أمام الأيام وفي الجسد بقايا نفس يتردد؟
العجز حسب غرامشي، لا يتحدد بالسن أو بالسجن، أو بأي ذريعة من الذرائع، هو يتأسس على الخيال فقط. ففي رسائل غرامشي، كانت الكتابة وتصور عوالم مختلفة هي منفذه من العذاب، كما أنه كان يحتج مرارا لعدم استمرار إخوته في إرسال الرسائل بانتظام، وينتقد طريقة كتابتهم، كان دائما ما يرجع السبب ليس لعدم وجود أخبار يمكن أن تنقل عبر الرسائل، بل بسبب عدم وجود الخيال، ليبرز أن السجن يقبع في العقول وليس في الواقع. فالخيال مرتبط بمعرفة تفاصيل الواقع – وهو الذي وصفه بزمن الحديد والنار- مع تحليلها ومناقشتها، وإبداء الرأي فيها لتجاوزها والتحرر منها ومن القوالب الجاهزة والمحاكاة، هي أن تبدع في الحياة، وتنطلق من عالمك الداخلي، كما يقول: «بداخلي دائما شيء من الفكاهة والمرح، هذا يساعد على العيش».
ما يجري حولنا في العالم من عبث وفوضى، مرصوص بموت طال البشر والحجر ومعرفتنا التاريخية… كلها أسباب تدفعنا لنسقط في العجز شيئا فشيئا، تجعلنا نقر بالأسف والأسى لنبدأ عملية الإحصاء غير المنتهية، إحصاء الخسائر مرة تلو الأخرى، إحصاء عدد الابتسامات التي تتجاوزنا.. هي إحصاءات لا تندرج ضمن أية قاعدة للمعطيات غير قلوبنا. إن راجعناها بأسف مرارا صرنا عاجزين، لكن إن تجاوزناها بابتسامة لابتسامة أخرى، فتلك كل الحياة، فلا أحد يستطيع اقتحام عالمك الداخلي غيرك أنت، وبالتالي لن يخرس أحد صوتك.
سهل أن نذكر للآخرين، من انتزعوا الحياة من جبينهم وشفاههم وفضلوا الانسحاب، أن الحياة تستمر، وأن العبرة بالآتي وليس بالماضي، لكن من الصعب إقناعهم إن آثروا العجز على الحياة. فحب الحياة والتشبث بها لا ينبع إلا من الذات، حين ننفض عنا غبار الألم، ونبتسم للماضي قائلين: شكرا، شكرا لأنك أريتنا كم نحن أقوياء، وأن العجز لن يطولنا، مادمنا نحب ما بقي لنا من نفس يتردد في هذه الحياة رغم الألم. وكما قال غرامشي: «كلما تقنا للعيش، ازداد شغفنا بالحياة وطموحنا لتحقيق الأهداف المرجوة، وازدادت مقاومتنا لكل العاهات والأمراض».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة