في ذكرى فاطمة المرنيسي

في ذكرى فاطمة المرنيسي

أول كتاب قرأت لهذه الكاتبة المغربية الجريئة (فاطمة المرنيسي) كان (الحريم السياسي). أذكر جيدا من الكتاب تلك الفقرة حين تذكر أنها كانت أمام محل بائع خضار حين تم الحديث حول إمامة المرأة، وكيف استغرب القوم مثل هذا القول، الذي يعتبر باطلا من القوم وزورا.
هذا المفهوم حول المرأة، وكيف أنه لا تجوز لها الإمامة، يعتمدون فيه على حديث ورد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما معناه (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).
قامت السيدة فاطمة المرنيسي وهي (الفاسية) الخارجة من رحم الفكر التقليدي بمقاربة خاصة، دخلت بها إلى النص، بنفس طرق التقليديين، من محاولة معرفة (رواة) الحديث، لنعرف ملابسات مثل هذا الحديث، وأين قاله نبي الرحمة (ص)؟ وفي أي معرض؟ لنكتشف أنه أمر عاصره الرسول (ص)، حين تنازع الفرس على العرش في ظروف انقلابات غامضة ومنذرة، بحيث أنهم أدخلوا امرأة ضعيفة، وقد يكون رجلا ضعيفا طالما انحصرت في السلالة، إلى اللعبة السياسية.
هنا حين تنقل مثل هذه الأخبار إلى الرسول (ص)، نتوقع أنه يعلق على أن أمة بمثل هذه الفوضى الطاحنة، لن تنجح إن ولت رجلا أو امرأة.
مع هذا فإن فاطمة المرنيسي مضت خطوة أبعد، حين تكلمت عن السلطانات المنسيات ونقلت من الإرث اليمني نموذج الملكة أروى، وفي القرآن (يطلق عليها الناس بلقيس وليس ثمة بلقيس في القرآن). أذكر عن السيدة (حنان اللحام) السورية، التي كتبت في التفسير، وتوقفت عند قصة ملكة سبأ، أنها كانت أكثر حكمة من النبي سليمان، الذي أنذر وتوعد، بل أراد أن يذبح الهدهد، في جو عسكري محموم، ويسوق الناس إلى الذل (لنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون)، كما نراه هذه الأيام مع جنون (بوتين) الروسي وتهديد تركيا بصواريخ إس 400، في الوقت الذي يأخذ أردوغان موقف ملكة سبأ في تهدئة الأمور لئلا تنفلت عن السيطرة. يقول المثل السوري (غلطة السكران على الصاحي) فكيف إذا كان صاحبنا قد دلق في أمعائه من الفودكا كؤوسا دهاقا؟ بالمناسبة ذكرت مجلة در شبيجل الألمانية أن الرجل أي بوتين هربت منه امرأته ولجأت إلى دير للرهبنة، كما حصل مع امرأة فرعون فقالت رب نجني من فرعون وعمله.
حنان اللحام نالت غضب الكثيرين، حين سلطت الضوء على هذه النقطة في الصراع، الذي دار بين حكومة سليمان وباب المندب. بل أذكر أن (داعية إسلامي كذا) اعتبرها خرجت عن الطريق تماما في هذا التفسير.
قصة ملكة سبأ تعتبر نموذجا لقيادة المرأة للمجتمع، وإمكانية أن توصل سفينة المجتمع إلى بر الأمان.
ولعل الأبحاث الأنثروبولوجية التي ذكرها (بيتر فارب) في كتابه (بنو الإنسان Humankind) تذهب إلى محاولة سبر قضية شائكة، لماذا توجه المجتمع الإنساني إلى نموذج (الباترياركي = الذكري الأبوي) ولم ينح في اتجاه (الماتريكي = الأمومي الأنثوي) بل ـ وهو الأصح ـ ولعله الذي سيكون للمستقبل، قيادة متزنة بين يدي المرأة والرجل، في رحلة تعاون واحترام متبادل، كما فعل (جوستن ترودو) في عام 2015م حين سئل لماذا كان عدد النساء في حكومته 15 فأجاب ضاحكا: لأننا في عام 2015؟
قصة تسلط الذكور على بوابات ومفاتيح المجتمع الإنساني، أرقت (نوال السعداوي) حين كتبت كتابها (الأنثى هي الأصل) وعبرت في لهجة لا تخل من الغضب، (لماذا كان الله دوما ذكرا)، والموضوع أكبر من أين جنسيا.
أذكرمن نوال السعداوي المصرية أيضا نقاشها مع شيخ أزهري معمم، حول آية من سورة آل عمران، عن امرأة عمران ومريم، في قولها وليس الذكر كالأنثى. قال الشيخ انظري إلى أفضلية الرجل. والآية تنص على (الغيرية) وليس (الأفضلية)، لكن نوال السعداوي ومثلها أيضا المرنيسي ـ باعتبار القاعدة التي تنطلق منها ـ ليست إسلامية؛ فحصل الاضطراب، وبالتالي عدم القبول أيضا من المتدينين، ومنه نفهم لماذا خرج قادة الإصلاح الديني من قاعدة دينية صلبة، ليسحبوا البساط من تحت أقدام المتشددين من المتدينين، وليخرجوا للناس بدين عقلاني تنويري، وهو الذي سبحت أوربا باتجاهه.
أنا شخصيا درست الشريعة بجانب الطب بنفس الغرض، وبالتالي فإن كتاباتي لاقت رواجا في أوساط المتدينين، بل حيرت الآخرين أهو خطاب ديني أم لا ديني؟ بسبب اختلاط نصوص الكتابة بالقرآن والمفاهيم الإسلامية المنوعة.
والسؤال فعلا هو لماذا مضى المجتمع في اتجاه الذكر الفحل صاحب العضلات؟ وهذا أيضا ما بحثه (بيتر فارب) ليخلص إلى أن علة سيطرة الذكور على المجتمع هي بكلمة واحدة: العضلات والعراك.
في القرآن تم التعرض لهذه المسألة في موضعين، (الله جعل الملائكة إناثا ولهم الذكور) على لسان المشركين؛ فيتعجب من هذه النتيجة التي خلصوا بها؛ بل ذهب في سورة الأنعام إلى تقسيم عجيب وثني، حين بدأوا في توزيع الحصص على الأنعام حلال وحرام، بحيث سميت السورة كلها بالأنعام. والثاني وصف المرأة أنها تنشأ في الحلية وهي في الخصام غير مبين.
ولكن القرآن يحرر موضوع المرأة الجذري. إنها ليست السبب في الغواية؛ فلم تقدم تفاحة الخطيئة وليس من أفاع في القصة، ولا إبليس يقوم بحبك المؤامرة بين الحية والتفاحة والمرأة.
أذكر من هذه المصائب كيف يسوق بعض من السلفيين، أنه مما يقطع الصلاة مرور ثلاث، الحمار والكلب الأسود والمرأة. تأمل الكلب الأسود وليس أبيض زيادة في العنصرية؟
(فاطمة المرنيسي) حاولت عبثا الإصلاح، في مجتمع ذكوري فحولي أحول، يقفز بساق واحدة، كما في أسطورة (شق وسطيح) التي جاءت في السيرة؛ فأحدهما لاعظام في جسده، والثاني يقفز من أطرافه السفلية بساق واحدة، والقفز بهذه الصورة أقرب للمستحيل، وهذه هي المشكلة الإنسانية التي تعرضت لها نساء جريئات تمردن على وضع المرأة المهين في الشرق، وأردن إعادة المرأة إلى وضعها الطبيعي، بحيث يمشي المجتمع بساقين ويرى بعينين.
حاولت (المرنيسي) تدريب النساء على نحو عملي، وأظهرتها قناة (ديسكفري) وهي تروي قصص ألف ليلة وليلة، وكيف أن المرأة امتصت وحشية الرجل ببراعة، وهي تروي القصة خلف القصة بالمئات، حتى أعادته إلى الإنسانية فلم يعد يقتل كل ليلة امرأة.
هكذا كانت فاطمة المرنيسي (الإنسانة) التي أرادت أن تكون المرأة، كما بدأت أول خلق في رسم معالم الحضارة؛ فأدخلت الإنسان إليها لتعود من جديد فتصحح معالم الحضارة؛ فتكون إنسانية بالرحمة والحب، وهي أهم صفات المرأة مقابل الرجل القاسي الخشن، الذي مازال يقود الحضارة إلى الزلازل، كما نرى في لهيب الشرق الأوسط، بيد أناس غلاظ شداد لا يعصون الشيطان، وعتاة رجال المخابرات ما أمروهم ويفعلون ما يؤمرون.
في اليوم الأخير من نوفمبر 2015 ماتت هذه السيدة الفاضلة، بعد صراع طويل مع المرض وهي بعمر الـ 75 عاما، ولكن بقريب من هذا الرقم في الإنتاج المعرفي من مقالات وكتب وأبحاث وفي أكثر من لغة فطوبى لها من مقام.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *