في ضيافة حفار قبور

بين الأرض والبحر تتقاطع الأوصاف والنعوت.. إنهما عميقان يلتقيان في استخراج الثروات والكنوز. لكن البحر أقل تسامحا، إذ يرفض أن تعلق الأجساد العفنة بجوفه. وقال عنه الشاعر إنه يطوح بالجثث التي لا حياة فيها بعيدا إلى الشاطئ، كي تبقى رائحته على نقاوتها خالصة غير مخلوطة.
قَلَّ أن نجد مثالا بليغا بهذا المعنى، حين يقول المغاربة لمن أخفق في رهان أو خسر قضية: «هزك الما»، أي أن الجسد طفا على السطح بعد الغرق. ويقولون عن الأرض إن ما يدفن بها يأكله التراب والديدان. وما بين الأرض والبحر والسماء تكون النهاية واحدة، فما حلق طيرٌ إلا وقع، وما تلبد جو إلا انقشع.
جالت بالذهن خواطر بهذه السذاجة، حين ناولني الصديق عبد الحق الزروالي دعوة لعرض مسرحي قادم، وهو يردد: من أدراك فقد يكون العرض الأخير؟ قلت: بلا، فهو عرض آخر. وما بين الأخير والآخر يتحاشى المدخنون الشرهاء إهداء السيجارة الوحيدة المتبقية في العلبة كما هي عادة الزروالي. ويقول الندامى عن الكأس إنها ما قبل الأخيرة. ولكل نهايات بدايات، ولولا متعة السير لما نهض الصغار من حبوهم، ولما استشعروا الانفصام عن الأشياء التي يتصورون أنهم جزء منها.
كم كان الناس يعتقدون في أن القادم من الأزمان بعيد. يوم كتب محمد الحبابي عن مغرب وشباب الثمانينات، خالها البعض نهاية مقلقة، فإذا بها تلد ما بعدها من تسعينات. وقبله أصدر أدباء، ضمنهم الروائي محمد برادة، مجلة أطلقوا عليها اسم «ألفين» التي كانت تبدو في غير متناول المنظور القريب وإنا بألفية ثالثة تبدأ. لهذا تمسكت بفكرة أن العرض المسرحي القادم سيكون عرضا آخر وكفى.
يرفض البحر دفن الجثث في أحشائه، وإن كانت لمخلوقاته من الأسماك ذات الأنواع التي يصعب حصرها. وقد يكون الزروالي اختار أن يلعب دور حفار قبور في مسرحيته المقبلة، لأن الأرض وحدها لا تعاف الجثث والنفايات والمتلاشيات. ولا يقوى على إخفاء عيوب البشر الذين يشعلون الحروب ويبررون الاقتتال ويمجدون الدمار، إلا أرض الله الواسعة التي صارت تترنح، جراء الاحتباس الحراري، مع أن باطنها يضم البراكين الفوارة. لكن حفاري القبور لا يتوغلون في عمق التربة إلا بالقدر الذي يسمح بالدفن.
نحن نخفي الجثث في الأرض، وهي تمنحنا الحياة في شكل زرع ونبت وينابيع مياه. ومن وحي الطمار أبدع القدامى من المزارعين فكرة «المطمورة» التي يخفون فيها الزرع الوفير في أيام الحصاد الجيد، للآتي من الأيام العجاف. فكانت «المطامير» أقرب إلى مخازن تحفظ منسوب الحرارة والبرودة. ومنها جاءت تقاليد «الخزن التي اشتقت منها كلمة المخزن» بمعنى المكان الذي تحفظ فيه «العولة».
لسبب ما اهتدى المغاربة إلى إقامة مقابرهم إلى جانب البحر، لأنه كان يشكل مصدر غزوات وقتل واستشهاد. وما حفار القبور إلا واحدا ممن امتهنوا غسل أديم الأرض، تلك التي قال فيها أبو العلاء المعري:
«ضحكنا، وكان الضحك منها سفاهة.
وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
يحطمنا رب الزمان كأننا
زجاج. ولكن لا يعاد له سبك».
بيد أن السبك في أمثال مغربية يشايع حب الحياة الهنيئة داخل الأسرة والمجتمع، إذ يقال: «الله يجيب شي نقرة ندفنوا فيها نحاسنا». وتغمز المطربة الشعبية الحاجة الحمداوية من سبك الزجاج، وهي تصدح: «طاح الكاس وطارو شقوفو». إنها تتحدث عن نهاية علاقة بين شخصين، وثمة نهاية أخرى في جدلية العلاقة بين الحياة والموت، يكون الشاهد فيها حفار القبور الذي يقدر على ردم التراب على الجثث ويعود إلى بيته آمنا مطمئنا، لا عين رأت ولا قلب توجع.
لكني أعتقد أن حفار القبور الذي سيصادق رحلة الزروالي هذه المرة، سيكون مختلفا.. فقد أبدع روائيون ومسرحيون في استنساخ هذه الشخصية الغريبة التي تمارس أقدم مهنة في العالم، إما توجسا أو خوفا من الآتي، وإما إمعانا في تسفيه لحظات العمر، إن لم تكن لفعل أشياء تستحق الذكر.
ليس الأدباء والفلاسفة وحدهم من استمالتهم شخصية حفار القبور، فقد أنشد دراويش في وصف عذاب القبر، حين يعود المشيعون من المقابر. وما الخوف الناشئ من وحشة المكان إلا بسبب الظلام الذي يسجنه. غير أن بسطاء في أرض الكنانة تغلبوا على أشباح الظلام وأقاموا لهم مساكن في المقابر إلى جوار الموتى. لكأنما يقولون إن الحياة تكون آمنة في أحضان الذين لا يريمون حراكا بعد الوفاة.
لن أستبق العرض المسرحي، بالكاد أزور مسرح محمد الخامس مرة في العام. لكن النبرة الجنائزية استهوت المسرح منذ نشأته، وصاغ الزروالي على منوالها «جنائزية الأعراس» كي لا يجعل الناس ينخدعون أمام الأفراح العابرة. هل توفق في اختياره لحفار قبوره عنوانا من نوع «الطيكوك» الذي يحيل على هيجان البقر في بعض المواسم؟ لعله أراد أن يستحضر جنون البشر بعد انحسار موجة «جنون البقر».
أرخيت السمع لممثلة سورية، تكتب الشعر وتلحنه وتغنيه، وهي تقول إن كائنات تحمل اسم البشر لا يرق لها جفن في حفر قبور الناس. وفي تقديمه للمسرحية نقرأ كلمة موجهة للجمهور، مما جاء فيها:
«أنتم الليلة في حضرة حفار قبور
يلقب.. بالشيخ مسعود..
فلا تخافوا وعليكم الأمان.
لأنه الليلة سيتبرع بدفنكم جميعا.. وبالمجان».
وتنتهي الكلمة إياها بنبرة حزينة عن الفرجة التي يقول عنها إنها «متعة.. فسحة لتغذية الروح، بما لذ وطاب. من الحسرة.. والعذاب».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة