في مديح الخسارة

زوال يوم أول أمس الأربعاء كانت شوارع المملكة مقفرة من المارة، الجميع كان مسمرا أمام شاشات التلفزيون ينتظر حدوث المعجزة وانتصار الفريق الوطني على “البرتقيز”، لكن المعجزة لم تحدث للأسف، وانهزم منتخبنا في مباراة قدم فيها الفرجة فيما سجل فيها الخصم الهدف. إنه فوز غير عادل سيقول كثيرون، لأن المنتخب قدم عرضا كرويا جميلا، لكن في الكرة، كما في كل شيء، العبرة بالنتيجة، والنتيجة هي أن المنتخب سيحزم حقائبه ويعود في الدور الأول مكتفيا بشرف المشاركة.

نعم، لقد حققنا “هزيمة مشرفة”، ولعبنا مقابلات بدون “هدف”، لكن أهم شيء ربحه المغرب من هذه المشاركة هو اكتشافه لتوفره على جمهور واسع، متفاعل ووفي، وأيضا من حسنات هذه المشاركة تنافس المغاربة في ما بينهم لإظهار المشاعر الوطنية ومدى حبهم للوطن.

محبة المنتخب الذي يحمل راية البلد من محبة الوطن، لكن محبة الوطن ليست هي فقط محبة المنتخب، بل هي بالإضافة إلى ذلك محبة كل ما يساهم في تقدم وحماية ورخاء الوطن.

هي حمايته من اللصوص الذين يسرقون جيوبه، والخونة الذين يتآمرون مع الأجنبي على سلامته وأمنه.

هي الغيرة على بناته من طمع وجوع وجشع الغريب، والرفق بأبنائه وتمكينهم من تعليم جيد يَضمن لهم مستقبلهم عِوَض رؤيتهم مشردين على أرصفة العواصم العالمية مع لاجئي الحروب.

لكي تكون وطنيا لا يكفي أن تلبس قميص المنتخب وأن تلوح بالراية، بل أن تحترم القانون وأن لا تستعمل نفوذك ومالك لرشوة من يطبقونه.

لكي تكون وطنيا لا يكفي أن تشتري تذاكر الطائرة لكي تشجع المنتخب، بل أن تصنع يوميا كل ما بوسعك لكي يتسع الوطن لغيرك وأن يعيش الجميع سواسية أمام القانون وأن تكون الثروة موزعة بشكل عادل بين جميع أبناء الوطن.

الوطنية هي أن تكون متسامحا في الطرقات، وأن لا ترمي القمامة في الشارع، وأن تقدم يد المساعدة لإخوانك عند الحاجة دون انتظار مقابل.

إن الوطنية لا تولد مع الأطفال، بل هي شعور يتم غرسه في النفوس منذ الصغر، ويتم تعهده بالرعاية إلى أن يشتد عوده.

أتذكر أن إدارة المدرسة كانت تفرض علينا ونحن صغار تحية العلم وترديد منبت الأحرار قبل دخول القسم كل صباح.

أرادوا منا ونحن بعد صغار أن نعبر عن وطنيتنا، وعندما كبرنا رأينا أن بعض المسؤولين لا يعبرون عن ذرة واحدة من الوطنية. أرادوا أن يصنعوا جيلا يبني الوطن بذراعيه فيما يرون أن آخرين يخربونه بأياديهم كل يوم.

عندما كنا أطفالا صغارا كنا نختزل الوطن في تلك الراية القديمة والمأكولة الجوانب التي كنا نردد أمامها النشيد الوطني كل صباح في ساحة المدرسة. عندما وصلنا سن المراهقة بدأنا نرى الوطن في عيون الفتيات. وعندما صرنا شبابا يافعين بدأنا نفكر في الابتعاد عنه لكي نحبه أكثر، وتشرد أغلبنا في المنافي البعيدة، فقد كان الوطن قاسيا معنا أكثر من اللازم وبادلنا الحب باللكمات أمام أبواب مندوبيات الشغل والبرلمان.

مشكلتنا مع الوطن هي أن كل مغربي يحبه على طريقته الخاصة، هناك من يحبه بعنف إلى درجة أنه يشتمه أمام الملأ نادبا حظه السيئ الذي جعله يولد فيه. هناك من يحبه في السر ويكشف غضبه عليه في العلن، لكي يبدو أمام الآخرين ثوريا. ولكثرة المغاربة الذين يعلنون غضبهم على الوطن أصبح شتم هذا الأخير الرياضة الوطنية الأولى لبعضهم.

وهذا الحب العاصف الذي يبديه المغاربة تجاه الوطن يحتاج إلى تفسير، لماذا إذن هو قاس هذا الحب ؟

لسنوات طويلة والمغاربة يتعايشون مع إحساس بالخسارة، ومثل مراهن فاشل تعلم الشعب أن يعود إلى البيت كل مساء مثقلا بخسارة جديدة. راهن على مستقبل أحسن فربح المزيد من الأزمات، راهن على التقدم فكان هناك من وضع العصي في العجلة. راهن على الحرية فانتهى يسير بأصفاد ثقيلة تشده إلى الماضي. والنتيجة هي أن الوطن الذي أحبه الشعب وضحى من أجله بأبنائه، لم يبادله الحب الذي كان ينتظر، بل قسا عليه إلى الحد الذي جعله يتصور أن وجوده لم يعد مهما، وهذا هو الشعور الذي يحسه الكثير من المغاربة الآن، إنه شعور بالخسارة الفادحة، وكأن هناك من يحاول إقناعهم بأننا يمكن أن نغادر جميعنا هذا الوطن الآن وستستمر الحياة مع ذلك بلا مشاكل.

لسنوات طويلة ظلت الحكومات المتعاقبة تجعل المغاربة يشعرون بأن الوطن ليس وطنهم، إنهم فيه مجرد أصوات انتخابية وليسوا مواطنين. واجبهم الأول والأخير هو أن يوصلوا السياسيين إلى مناصب أسيادهم أصحاب السعادة.

 لذلك انتهينا بالحصول على جيل يتعامل مع الوطن بغضب، جيل يسأل ماذا أعطاه هذا الوطن، ماذا أعد له، ولماذا سيضحي من أجله ذات يوم وهو يراه يطرد عن مائدته أكثر أبنائه ذكاء ونجابة نحو موائد الآخرين، حيث يستغلون جوعهم للمعرفة كما يجب.

الوطن الذي يطرد أبناءه ليس وطنا طبيعيا، إنه وطن مريض بالقسوة. يربي الأبناء ويتعهدهم بالرعاية، وعندما يكبرون ويصبحون قادرين على إسناده على أكتافهم والسير به إلى الأمام، يتخلى عنهم ويدفعهم بعنف إلى الرحيل.

إن مثل هذه الجزئيات هي التي يمكن أن تعطي للوطن معنى أو أن تفقده معناه إلى الأبد.

كلنا نحب الوطن، لكننا نحبه بعتاب في القلب. ولا نتعب من سؤاله عن سبب تخليه عنا بالضبط في الأوقات التي نحتاجه فيها. لماذا يطردنا عن حضنه عندما نأتي لمعانقته. لماذا يضربنا بقسوة عندما نحتج أمام بابه غاضبين، حاملين إليه مظالمنا وعتابنا. لماذا ينسانا بهذه السهولة عندما نتغيب عن بيته. لماذا لا يريد الاعتراف بنا كأبناء شرعيين له. لماذا لا يريد أن يضع أسماءنا في دفتر حالته المدنية. لماذا يريد أن يحرمنا من الإرث. لماذا يتبرأ منا بهذه الطريقة المخجلة. ألسنا أبناءه في نهاية المطاف، أم أننا شعب يحترف اليتم؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.