MGPAP_Top

«قانون الفنان وقانون الغاب»

«قانون الفنان وقانون الغاب»

حضر 9 نواب فقط من بين 39 نائبا من أعضاء لجنة التعليم والثقافة والاتصال، الذين كان من المفروض أن يناقشوا التعديلات التي أدخلت على مقترح قانون يتعلق بالفنان والمهن الفنية، قبل تقديمه لقراءة ثانية إلى مجلس المستشارين، الذي وافق عليه بمن حضر من برلمانيي الغرفة الثانية، وذلك يوم 19 يوليوز الماضي، وقد أمطر أعضاء اللجنة المختصة الرئيسة برسائل الاعتذار عن الحضور «لأسباب عائلية»، أو «أسباب محلية»، كما لو تعلق الأمر بتلاميذ المدارس الذين يلتمسون الأعذار الواهية لتبرير غيابهم عن مقاعد الدراسة، وهكذا يبدو أن البرلمانيين لم يأخذوا قانون الفنان مأخذ الجد، فلماذا إذن نطالب الفنانين بالتهليل لقانون يشتمل على 54 مادة تعرف بالمادة الفنية، وتؤطر «المهن الفنية» و«البطاقة المهنية» و«العقد الفني» و«الأجر الفني» و«الحماية الاجتماعية» و«وضع الفنان في إطار الإنتاج والدعم العمومي» وغيرها من المواد المحبرة على الورق، فيما الواقع الفني المغربي تتجاذبه عوامل ومؤثرات وممارسات يسري عليها قانون الغاب، حيث القوي يأكل الضعيف، ويسود انتحال الصفة بعد أن تقمص أشخاص دخلاء على الميدان صفة المنتجين، فيما هم في الواقع وسطاء بين الآمرين بالصرف في قنوات القطب العمومي والفنانين والتقنيين، لا يصرفون سنتيما واحدا من مالهم الخاص، على العكس من ذلك يحتفظون لأنفسهم بحصة الأسد من المال العمومي، ويوزعون فتات الموائد على العاملين الحقيقيين في القطاع، والذين يشتغلون في ظروف لا مهنية وأجواء مضنية وارتجال، يصلون النهار بالليل ويصلون الليل بالنهار، من أجل إنجاز الأعمال في الآجال المحددة، خارج أي تعاقد يضمن لهم التعويض المادي والمعنوي، عما بذلوه من «أشغال شاقة»؟
كيف نطلب من الفنانين أن يهللوا للقانون المعدل وفي جيوبهم بطاقة تسمى «بطاقة الفنان» لا تصلح لشيء يذكر؟ فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، بعد أن عضهم حنش هذه البطاقة التي انتظروا صدورها لعدة عقود وأجيال، لكنهم اكتشفوا أن غيابها أفضل من حضورها، وأنها في البدء والمنتهى مجرد قطعة مغلفة بالبلاستيك عديمة الصلاحية، وامتلاكها من عدمه سيان، لكونها لا توفر لحاملها أي نوع من الحماية حتى أدنى مستوياتها.
والأكيد أنه حين سيتاح للمعنيين بالأمر الاطلاع على النص الكامل لقانون الفنان المعدل، فإنهم سيجزمون بأن هذا النص التشريعي قد وضع لبلد آخر، أو لفنانين من كوكب بعيد، فما ينص عليه من تشريعات يصعب تنزيلها على أرض الميدان، الذي يتحكم فيه أشخاص يعتبرون أنفسهم فوق القانون وغير معنيين بالردع أو الزجر المنصوص عليهما في باب «المخالفات والجزاءات»، ولا يصح عليهم ما يصح على باقي المواطنين من مقتضيات المساءلة والمحاسبة.
ولا شك أن ترسانة القوانين لا تمتلك نجاعتها التأطيرية والتنظيمية إلا في قطاعات مهنية رتبت بيتها وحضنت مواقعها بثقافة التضامن والتكافل، وبقواعد مهنية راسخة تكون القوانين والتشريعات، مجرد تكملة لها واعترافا بما هو قائم لديها من أعراف وتقاليد وسلوكات.
أما حين نريد للقانون أن يزكي أرضا خلاء تعصف فيها رياح التشرذم والزبونية والتطفل والاحتكار، فكأنما نطلب أن يكون للفراغ قانونا وللتسيب تشريعات تحميه وتدعم عبثيته، وتبارك تسلط من يريدون للفنان المغربي أن يحمل إلى الأبد لافتة تقول: «شوف وسكت».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة