الرئيسيةالملف التاريخيتاريخ

قانون النقابات..هل انتهى زمن «زعماء» الإضرابات؟

تفاصيل سرية مُسحت من ذاكرة تأسيسها

يونس جنوحي
نحن في العام 1953. عرفت الدار البيضاء خلال شهر أكتوبر، إقامة ندوة شبه «صحفية» جمعت فيها الإدارة الفرنسية صحفا تابعة لها وعرضت عليهم طاولة محجوزات بأسلحة بيضاء وهراوات وأدوات استُعملت لكسر أقفال محلات تجارية على طول شارع محمد الخامس الذي يخترق المدينة.
كان هناك مُعتقلون واقفون إلى الجدار، وأعينهم إلى الأرض بأمر من أفراد البوليس الفرنسي. لم يكن مسموحا لهم بالكلام ولا حتى النظر إلى الصحفيين الفرنسيين الذين شرعوا في تدوين الأسلحة التي يقول البوليس إنه حجزها مع «المُخربين» المغاربة الذين اتُهموا فورا بالعمل لصالح المنظمات السرية.
كانت التهمة كبيرة تصدرت الصحف، بتعليمات بعدم عرض صور المحجوزات حتى لا ينتشر الرعب في صفوف الرعايا الفرنسيين في الدار البيضاء على وجه الخصوص. لكن مؤسسة الأرشيف البريطاني صورت مقاطع فيديو تسجيلية للعرض في نشرتها العالمية التي كان البريطانيون يشاهدونها في دور السينما، وعُرض مؤخرا في قسم الأرشيف بعد أزيد من ستين سنة على توثيقه، وقُدم على أساس أنه وثيقة أرشيفية تؤرخ لأحداث عنف بالدار البيضاء بسبب نفي الملك الراحل محمد الخامس.
الحقيقة أن وجه المحجوب بن الصديق كان واضحا بشكل جلي وهو يوزع بصره بحذر كبير بين الكاميرا التي تركز على ملامحه وآثار التعذيب والضرب البادية بوضوح على وجهه، وبين المحجوزات التي تقول محاضر الشرطة إنها حجزت مع فريقه وهم يخططون لضرب مصالح إدارية وتجارية فرنسية في الدار البيضاء.

هل ستولد المركزيات النقابية من جديد؟
يروج هذه الأيام أن مشروع قانون النقابات، سيضع حدا للزعامات الأبدية على رأس المركزيات النقابية في المغرب.
خلال السنة الماضية، كانت هناك تخوفات من تعليق مواعيد لقاءات سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، مع المركزيات النقابية في إطار التواصل بخصوص مطالب النقابات لملف الحوار الاجتماعي الذي شهد خلال فترة الحكومة السابقة أسوأ فترة «بلوكاج» اجتماعي حقيقي في المغرب، ربما لم تشهد البلاد له مثيلا حتى في سنوات حالة الاستثناء التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1965 وأغلق على إثرها البرلمان وحلّ الحكومة.
كيف بدأ العمل النقابي في المغرب؟ ولماذا تفرقت «حقوق» الفئة العاملة في المغرب بين مكاتب المركزيات النقابية؟ انتقادات كثيرة طالت المركزيات النقابية وتلميحات إلى الزعامات الأبدية وأضرارها على صعود كفاءات جديدة إلى الواجهة، كلها نقط لم يكن ممكنا مناقشتها في وقت سابق من تاريخ البلاد.
نتحدث هنا عن زمن المحجوب بن الصديق الذي وصل إلى قمة أكثر التمثيليات النقابية شعبية في تاريخ البلاد. سوف نعرج إلى كواليس انفصال الاتحاد العام للشغالين بالمغرب عن المحجوب بن الصديق الذي فضل سنة 1959 الميل بالنقابة يسارا ليتبع المهدي بن بركة وتياره الذي ترأس الحكومة على عهد عبد الله إبراهيم، في وقت كان الاستقلاليون وعلى رأسهم علال الفاسي يتابعون كيف أن النقابة الأولى في المغرب، أي نقابة الاتحاد المغربي للشغل، قد انفلتت من بين يديه بعد انفصال تيار المهدي بن بركة عن الاستقلال.
وقبل ذلك، أي سنة 1955 سوف نعود إلى كواليس تأسيس أول نقابة في المغرب، والحيثيات التي أحاطت بالموضوع وكيف قفزت أسماء كبيرة ووازنة أثناء تدوين المذكرات على تلك الفترة الفارقة من التاريخ، وفضلوا المرور رأسا إلى ما بعد تأسيس النقابة وملاحقة أفرادها بتهم المساس بأمن الدولة في بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني، بناء على تقارير أمنية اتهمت نقابيين بارزين وقدماء المقاومة بترويج السلاح والتخطيط لعمليات مسلحة هدفها الاستيلاء على السلطة وقلب النظام في المغرب.
كانت السنوات الخمس الأخيرة، فترة انتكاسة حقيقية للنقابات والحركات العمالية عموما في المغرب. والدليل أن عهد الحكومة السابقة، عرف مقاطعة النقابات للاحتفال بذكرى فاتح ماي التي تعد مناسبة نقابية عالمية تحتفل بها كل دول العالم. عدم الاحتفال كان رسالة تنذر بالجمود الذي أصبح مخيما بين الحكومة والنقابات، خصوصا أثناء فترة تأجيل الحوار الاجتماعي وتواصل الإضرابات في عدد من القطاعات وتنفيذ الحكومة لقرار الاقتطاع للمضربين، وهو ما كان بمثابة المسمار الأخير في نعش النقابات. ومع آخر استحقاقات انتخابية كانت هناك وعود بإعادة فتح الحوار الاجتماعي والاستماع للتمثيليات النقابية وتنزيل عدد من الالتزامات السابقة التي بقيت معلقة وعلى رأسها الزيادة في الأجور وإصلاح نظام التقاعد والتغطية الصحية حتى يشمل بعض المهن الحرة. هل سيكون إذن ميلاد قانون النقابات الجديد فترة لإحياء النقابات؟

أيام سوداء من زمن النقابة مع شبح داخلية البصري
في سنة 1993، كان عبد الرحمن اليوسفي قد غادر المغرب غاضبا نحو «كان» حيث كان يقيم مع زوجته، احتجاجا على الطريقة التي تم بها تدبير الانتخابات.
وفي سنة 1996، كان مخططا إنشاء حكومة تناوب بمشاركة بين حزبي الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال، لكن نوبير الأموي، الاسم النقابي الأكثر شغبا في تلك الفترة، نسف ميلاد الحكومة في منزل الاستقلالي امحمد بوستة. إذ لام الحاضرين من الحزبين في منزل بوستة على تداولهم في أمر الحقائب الوزارية المفترضة التي سيرفعونها إلى الملك الراحل الحسن الثاني، واعترض الأموي ملقيا اللوم على الاتحاديين الحاضرين لأنهم، حسب رأيه الشخصي، كانوا يتداولون في أمر الوزارات بدون حضور عبد الرحمن اليوسفي الذي كان في تلك الأثناء يراقب الوضع من بعيد خارج المغرب.
سُرّ إدريس البصري كثيرا عندما علم بما وقع مع نوبير الأموي في إقامة امحمد بوستة. كان وزير الداخلية يعلم جيدا أن النقابة بإمكانها أن تنسف كل شيء، لذلك كان في حرب ضروس مع كل الأسماء النقابية في المغرب وعلى رأسهم المحجوب بن الصديق. فمنذ الستينيات التي كان خلالها إدريس البصري يعمل في الإدارة العامة للأمن الوطني، كانت قناعته لا تتزحزح بخصوص المتاعب التي يمثلها النقابيون لأمثاله. وصراعه مع بن الصديق استمر حتى مع وصول البصري إلى وزارة الداخلية وسيطرته على دواليب القرار أكثر خلال التسعينيات عندما أمسك بحقيبة وزارة الإعلام أيضا.
كان المحجوب بن الصديق يمثل تهديدا حقيقيا للوزير القوي. إذ أن مكالمة واحدة فقط من زعيم الاتحاد المغربي للشغل كانت كافية لشل معامل أي مدينة مغربية تتوفر فيها النقابة على مكتب قوي. كان إدريس البصري كلما تكرر هذا السيناريو يرفع سماعة الهاتف غاضبا ويطلب من العامل أن يحل المشكل في أقرب وقت وألا تتطور الأمور إلى مضاعفة خسائر المستثمرين الذين كان بعضهم أجانب يستثمرون في قطاعات صناعية خصوصا النسيج وتصبير السمك. وفي نهاية الثمانينيات، خصوصا مع موجات الغلاء، كانت النقابة تضغط على الداخلية من خلال إضرابات متلاحقة في قطاعات النقل والمصانع لإجبار وزير الداخلية القوي على الجلوس مع النقابات. كان يحدث هذا في زمن كان فيه الجلوس مع إدريس البصري يُغني تماما عن الجلوس مع الوزير الأول.
محطات سوداء كثيرة مرت بها النقابة في زمن إدريس البصري، إذ كان هذا الوزير يؤمن أن لعبة السياسة لا يُمكن أن تمارس إلا بالضغط لإضعاف المفاوضات، معتمدا على تقارير وزارته التي كانت تحصي أنفاس النقابيين وتجعلهم موضوع ملاحقة يومية من طرف أعوان السلطة. لقد كانت أوامر إدريس البصري واضحة في تلك الفترة. حتى أن نوبير الأموي الذي كان يمتاز بشعبية كبيرة، ليس كاتحادي فقط وإنما كنقابي مشاغب يُحسن نسف الاجتماعات النقابية والمراوغات، كان يضفي لمسة على لقاءاته مع إدريس البصري عندما يفتح الوزير باب الحوار مع النقابة. ولأن الرجلين كانا يشتركان في خصلة هي الوفاء لبعض التقاليد المتعقلة بالقبيلة، فإن «العروبي» الأول في البلاد، أي إدريس البصري كما كان يحب أن يلقب نفسه، كان يجد في نوبير الأموي مؤهلات لأخذ النقاش داخل المفاوضات إلى تراشق على الطريقة التي كان يحبها الوزير.
كان البصري يؤمن أن النقابة سلاح يمكن أن ينسف مخططاته في الوزارة والحكومة، لذلك كان يشدد الخناق على اشتغال النقابات، خصوصا وأن الرجل تأثر بأجواء سنة 1963، التي سنأتي إلى تفاصيلها في هذا الملف، وكان يراقب أجواءها من موقعه كرجل أمن في الاستخبارات العامة، برؤية ألقت اللوم على النقابيين وحملتهم مشاكل المغرب في فترة من الفترات.

عندما اعتُقل المحجوب بن الصديق بتهمة تخريب الممتلكات العامة
نحن في العام 1953. عرفت الدار البيضاء، خلال شهر أكتوبر، إقامة ندوة شبه «صحفية» جمعت فيها الإدارة الفرنسية صحفا تابعة لها وعرضت عليهم طاولة محجوزات بأسلحة بيضاء وهراوات وأدوات استُعملت لكسر أقفال محلات تجارية على طول شارع محمد الخامس الذي يخترق المدينة.
كان هناك مُعتقلون واقفون إلى الجدار، وأعينهم إلى الأرض بأمر من أفراد البوليس الفرنسي. لم يكن مسموحا لهم بالكلام ولا حتى النظر إلى الصحفيين الفرنسيين الذين شرعوا في تدوين الأسلحة التي يقول البوليس إنه حجزها مع «المُخربين» المغاربة الذين اتُهموا فورا بالعمل لصالح المنظمات السرية.
كانت التهمة كبيرة تصدرت الصحف، بتعليمات بعدم عرض صور المحجوزات حتى لا ينتشر الرعب في صفوف الرعايا الفرنسيين في الدار البيضاء على وجه الخصوص. لكن مؤسسة الأرشيف البريطاني صورت مقاطع فيديو تسجيلية للعرض في نشرتها العالمية التي كان البريطانيون يشاهدونها في دور السينما، وعُرض مؤخرا في قسم الأرشيف بعد أزيد من ستين سنة على توثيقه، وقُدم على أساس أنه وثيقة أرشيفية تؤرخ لأحداث عنف بالدار البيضاء بسبب نفي الملك الراحل محمد الخامس.
الحقيقة أن وجه المحجوب بن الصديق كان واضحا بشكل جلي وهو يوزع بصره بحذر كبير بين الكاميرا التي تركز على ملامحه وآثار التعذيب والضرب البادية بوضوح على وجهه، وبين المحجوزات التي تقول محاضر الشرطة إنها حجزت مع فريقه وهم يخططون لضرب مصالح إدارية وتجارية فرنسية في الدار البيضاء.
الأكيد أن الصحفيين الذين حضروا اللقاء وقتها لم يكونوا واعين أنهم أمام النواة الأولى التي ستشكل النقابة المغربية الأولى بعد حصول المغرب على الاستقلال، وأن تلك النقابة سوف تصبح سنة 1959 موضوع نقاش كبير بين حزب الاستقلال، وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنشق عنه في تلك السنة، والتجاذب الذي وقع حول تبعية النقابة للاتحاديين واتهامات الاستقلاليين للمحجوب بن الصديق باستعمال القوة العددية على الأرض لأنصار الاتحاد المغربي للشغل الذي تأسس أساسا سنة 1955 وترأسه المحجوب بن الصديق وكان المهدي بن بركة يُقربه منه لأنه كان يعلم أن عدد المنخرطين به بلغ الآلاف منذ الأسابيع الأولى لتأسيسه. بينما الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذي لم يتأسس إلا في سنة 1960، كان هو الذراع النقابي لحزب الاستقلال.
لقد كان علال الفاسي مؤسس حزب الاستقلال، بلا شك، يحس بالمرارة بعد انسحاب تيار المهدي بركة من الحزب وتعاطف المحجوب بن الصديق معه لتذهب النقابة التي تأسست خمس سنوات قبل تلك السنة، وتترك حزب الاستقلال بل وتمارس المعارضة ضده. لقد كان انقلابا ناعما نتج عنه وجود نقابتين عماليتين في المغرب. الأولى التي جمع فيها المحجوب بن الصديق أسماء كثيرة من عالم المقاومة ولعبوا دور تجييش الجماهير على الأرض منذ 1955، والثانية التي أسسها حزب الاستقلال لسد الفراغ الذي تركه انسحاب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وبقيت تهمة استقطاب المحجوب بن الصديق و»صفقة سرية» معه، تلاحق المهدي بن بركة، حتى بعد اختطافه واختفائه الغامض في نهاية أكتوبر 1965.

زوبعة اغتيال فرحات حشاد.. تفاصيل لا يريد أحد ذكرها
في عز قوة نقابة المحجوب بن الصديق، أي الاتحاد المغربي للشغل الذي تأسس سنة 1955، لم يكن الكثيرون يفضلون الحديث عما وقع يوم 5 دجنبر 1952 بالرباط. أي ثلاث سنوات قبل التأسيس الفعلي لأول نقابة عمالية في تاريخ المغرب.
كان الخامس من دجنبر يوما غير عادي في الدار البيضاء، إذ وصل خبر اغتيال النقابي التونسي فرحات حشاد وخرجت الحشود إلى الشوارع يومي 7 و8، أي بعد يومين على خبر الاغتيال الذي وصل إلى المغرب متأخرا، بسبب ظروف انتشار الجرائد التي تداولت الخبر بعد أزيد من 24 ساعة على وقوعه، علما أن جل المغاربة علموا الخبر من أجهزة الراديو ولم تفلح الخطة الأمنية الفرنسية في تأخير وصول الخبر إلى الوطنيين المغاربة، ووقع ما أرادت فرنسا تجنبه أمنيا.
خرجت جحافل إلى الشوارع بقيادة وطنيين مغاربة أغلبهم لم يُكتب لهم البقاء على قيد الحياة لجني ثمار ذلك الإنزال في ما بعدُ. لقد كان يوم اغتيال فرحات حشاد، دافعا كبيرا لجعل الوطنيين المغاربة، في الحركة الوطنية وحزب الاستقلال، يفكرون جديا في استنساخ تجربة مغربية في النقابة، خصوصا وأن آلاف العمال المغاربة في المعامل الفرنسية والضيعات كانوا يشتغلون في ظروف حرجة، بالإضافة إلى العمال المغاربة في الخارج، والذين أخذتهم الإدارة الفرنسية في المغرب بعقود عمل طويلة الأمد للاشتغال في المهن الشاقة ومعامل السيارات في بداية الخمسينيات، وكان ممثلو جل هؤلاء العمال على اتصال بقيادات من حزب الاستقلال على رأسهم عبد الكبير الفاسي الذي كان مقيما في إسبانيا وينتقل إلى فرنسا للقاء تمثيليات أولئك العمال المغاربة لجمع المال للمقاومة، وكانوا يضعون بين يديه رسائل لإيصالها إلى قيادات الحزب يتحدثون فيها عن وضعية اشتغالهم في الشركات الفرنسية خصوصا المناجم والأنفاق ومعامل السيارات.
وهكذا كان اغتيال النقابي التونسي فرحات حشاد مناسبة مغربية للتفكير في خلق نسخة نقابية مغربية. لكن ظروف الحماية ونفي الملك الراحل محمد الخامس والتضييق على قيادات الحركة الوطنية المرتبطة أساسا بحزبي الاستقلال ثم الشورى والاستقلال، كلها أخرت تأسيس النقابة المغربية الأولى إلى أواخر سنة 1955، أشهرا قليلة بعد عودة الملك الراحل محمد الخامس من المنفى.
ما تجاوز الكثيرون الحديث عنه في مذكراتهم، خصوصا القيادات التي واكبت تلك الكواليس أمثال محمد الفقيه البصري وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي الذي أصدر مذكراته السنة الماضية وأفرد فيها حيزا لظروف مشاركته في الأنشطة النقابية بالدار البيضاء نهاية الخمسينيات وتأطيره لجماهير الاتحاد العام للشغل بالمغرب، لكنه كآخرين غيره، لم يتحدث عن الأجواء الأولى لتأسيس النقابة في تاريخ المغرب، خصوصا وأن قيادات في حزب الاستقلال كانوا ينتمون إلى قدماء المقاومة حرصوا على جمع التبرعات الأولى لتأسيس الاتحاد. عملية جمع المال عرفت العديد من التجاوزات، حتى أن بعض المقربين من الملك الراحل محمد الخامس رفعوا إليه تقارير سرية ومعلومات عن تجاوزات فوق القانون مارسها بعض قدماء المقاومة لكي يجبروا فلاحين وعمال بسطاء وأرباب محلات تجارية خصوصا الحرفيين منهم، على أداء تبرعات إجبارية لتأسيس المكتب النقابي الأول في المغرب. وكان وقتها الملك الراحل محمد الخامس قد بادر إلى استدعاء بعض رموز المقاومة لكي يستفسر منهم صحة تلك الادعاءات، لكن وجود الغزاوي على رأس الإدارة العامة للأمن الوطني، جعله ينتصر لحزبه، أي حزب الاستقلال، ويغض الطرف عن التجاوزات والتهديدات واعمال العنف التي طالت محلات الحرفيين الذين رفضوا الأداء. وبما أن كل الذين أشرفوا على العملية كانوا من قدماء المقاومة، فإن مسألة فتح تحقيق في الموضوع سنوات 1955 و1956، ومعاقبة المتورطين في حرق محلات الرافضين للأداء، كان مستحيلا تماما. وسرعان ما أبعدت تلك الوقائع من الذاكرة، خصوصا عندما أصبح الاتحاد المغربي للشغل مؤسسة عملاقة بعشرات آلاف المنخرطين في عموم التراب المغربي. كيف وصل المحجوب بن الصديق إلى الزعامة ومن أين أتى؟ والأهم، كيف انشق الاستقلاليون من النقابة لتأسيس الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، بعد تأسيس المهدي بن بركة وآخرين لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية واستقطاب المحجوب بن الصديق معهم؟

عندما كانت بطاقة عضوية «النقابة» تؤدي إلى السجن
في بداية الستينيات، وخلال أول دورة برلمانية يحضرها مؤسس حزب الاستقلال، علال الفاسي، ما بين سنوات 1963 و1965، لمّح بحضور وزراء من الحكومة إلى أن المسألة النقابية تستدعي تدخلا حكوميا عاجلا.
والحقيقة أن علال الفاسي في تلك السنوات، بحكم قربه من القصر، لم يكن يحتاج نهائيا إلى المرور من قبة البرلمان لرفع ملتمس من هذا النوع إلى الحكومة. فضّل علال الفاسي أن يُحرج من كان يراهم خصوما سياسيين، أو بالأحرى مسؤولين عن انفلات النقابة عن ظل حزب الاستقلال حتى يخرج منها تيار الاتحاد العام للشغالين، الذراع التابع لحزب الاستقلال سنة 1960.
كان علال الفاسي في تلك المداخلات البرلمانية المتكررة يحاول إلقاء اللوم على نقابة المحجوب بن الصديق خصوصا وأن نقابيين كانوا متابعين في تلك الفترة بتهم تتعلق بالمساس بأمن الدولة وترويج السلاح. وكان هؤلاء المُتابعون إلى حدود سنة 1964، معروفين بتعاطفهم مع حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ومنهم من أطلق سراحهم عقب أحداث يوليوز 1963، وعاد الأمن إلى متابعتهم بتهم في نفس السياق، وكانوا معروفين بولائهم لحزب المهدي بن بركة، وتعاطفهم مع النقابة.
حتى أن اعتقالات سنة 1963 لعدد من الاتحاديين كانت اعتمادا على توفرهم على بطاقة الانخراط في نقابة الاتحاد المغربي للشغل، وتم اعتقال آلاف المواطنين المغاربة ممن كانوا منخرطين في النقابة ويمارسون أنشطة نقابية وسط العمال وتوبعوا بنشر الفوضى وشلّ العمل في المصانع، وتوبعوا في محاكمات شبيهة بمحاكمة يوليوز 1963 الشهيرة ومحاكمة مراكش 1970 أيضا. بالإضافة إلى أن طريقة اعتقالهم كانت خارج القانون خصوصا وأن آلاف المنتمين للنقابة تم اختطافهم من اجتماعات نقابية أو من منازلهم واقتيدوا إلى مقرات سرية من مختلف مناطق المغرب للتحقيق معهم، وتحدث المعتقلون في تلك الأحداث عن التعذيب ونزع الاعترافات بالقوة ومحاولة ربط النقابة بالتخطيط لزعزعة استقرار المغرب.
حدث هذا في وقت كان فيه المحجوب بن الصديق يراقب الأوضاع في صمت، وجل قيادات حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كانوا إما في انتظار المحاكمة سنة 1963، وإما خارج المغرب لتتم محاكمتهم غيابيا، والنتيجة كانت أحكام ثقيلة بالسجن ووصلت حد توزيع عقوبة الإعدام على عدد من القياديين.
كان علال الفاسي إذن يراقب كيف أن أوضاع النقابة التي ولدت من رحم حزب الاستقلال، أصبحت وسط زوبعة كبيرة وساءت علاقة قيادييها بالدولة، واقترن اسمها ليس فقط بمعارضة النظام وإنما التخطيط للإطاحة به، وهو ما جعلها في مهب الرياح.
بينما كان الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، يتمتع بشعبية كبيرة في أوساط الاستقلاليين، وتم استثمار رصيد المناضلين الاستقلاليين الذين لم ينساقوا وراء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أثناء الانشقاق سنة 1959، بينما تحدث إعلام حزب الاستقلال، بالضبط جريدة العلم، عن تلك الأحداث بتجرد في محاولات واضحة لعدم تجريم نقابة الحزب التي أعلن عنها سنة 1960، ولم يكن مضى على تأسيسها عقب تلك الأحداث سوى ثلاث سنوات.

«السي جي تي».. عندما كانت للفرنسيين نقابة بالمغرب
قبل أن تولد النقابة في صيغتها المغربية، كان هناك امتداد في المغرب للنقابة الفرنسية المسماة اختصارا CGT. لكن هذه النقابة كانت تدافع أساسا عن مصالح الفرنسيين في المغرب والعمال الفرنسيين الذين جاؤوا إلى البلاد بناء على إغراءات وتسهيلات الحكومة الفرنسية لمواطنيها على الانتقال إلى المغرب إما للعمل في المشاريع والموانئ أو للاستثمار.
كانت هناك نخبة فرنسية من العمال الأجانب، ساهموا في تكريس الحماية الفرنسية وصنعوا نواة الاقتصاد المغربي الحديث عن طريق استغلال المؤهلات المغربية لإنعاش الاقتصاد الفرنسي في أكثر كبواته عنفا، عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية.
لم يتعلم المغاربة أصول العمل النقابي الفرنسي، لكن نسخة النقابة الفرنسية في المغرب كانت نموذجا قائم الذات أمام الطموحين الأوائل في المغرب لتأسيس عمل سياسي ونقابي.
كانت القاعدة الشعبية الأولى لحزب الاستقلال تعتمد على القضية المغربية وليس على حقوق العمال المغاربة في أربعينيات القرن الماضي، والذين كانوا أساسا يشتغلون في قطاعات بسيطة وغير مهيكلة، ولم يكن هناك أي مجال للحديث عن نسخة نقابية مغربية يمكن مثلا أن تولد من رحم النقابة الفرنسية التي كانت واسعة الانتشار في أوساط الرعايا الفرنسيين في المغرب.
لم يكن السياسيون المغاربة متهمين بتلك النسخة الفرنسية حتى مع مجيء أحداث 1952 التي حولت الدار البيضاء إلى ساحة معركة أحرقت فيها السيارات والشوارع. ولا تزال محاضر البوليس الفرنسي في مؤسسة الأرشيف الفرنسي تحتفظ بتفاصيل الخسائر في ذلك اليوم.
وقتها طلب المقيم العام الفرنسي تقارير دقيقة عن إمكانية وصول المد النقابي إلى المغرب على الطريقة التونسية، لكن التقارير نفسها استبعدت الأمر بحكم أن حزبي الاستقلال والشورى، كانا منهمكين في تحديات الحركة الوطنية التي كانت في صراع كبير مع الإقامة العامة الفرنسية، وأيضا بحكم أن جل المغاربة لم يكونوا يشتغلون في القطاعات التي يمكن أن تؤسس على إثرها تجربة نقابية. لقد كانت النقابة الفرنسية الأولى تكريسا للاستعمار الفرنسي في المغرب، لا أقل ولا أكثر.
وحتى عندما دعا بعض رموز الحركة الوطنية سنة 1952 إلى النزول إلى الشارع احتجاجا على مقتل فرحات حشاد النقابي التونسي الشهير، فقد كان الأمر استعراضا لقوة الحركة الوطنية المغربي وقدرتها على إثارة الشارع أمام البوليس الفرنسي لنسف المقاربة الأمنية التي كان يتحدث عنها المقيم العام الفرنسي بكثير من الفخر. كان يحاول تقديم المغرب كجبهة مهادنة تسيطر عليها فرنسا، وكان النزول إلى الشارع وإحراق السيارات الفرنسية وحصار بنايات إدارات فرنسية أيضا، هو «لا» الكبيرة التي وضعتها الحركة الوطنية في أذن المقيم العام والجهاز الإعلامي التابع له.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق