قبة السيرك المباركة

kermah

ذات زمن مضى كنت أغيِّر القناة التلفزية كلما رمقت تراشق وسخافة «قبة السيرك». كان هناك شيء غيبي يحذرني من متابعة تلك التمثيلية التي تخفي في طياتها عالما من الكمائن والأسرار الخبيثة. كانت هناك قوى تنصحنا بالنأي عن هذه المشاهد حتى لا نصاب بالغثيان والاكتئاب في سن الزهور، تمثيلية لم يكن ينصحنا الأستاذ ولا خطيب الجمعة ولا الأقرباء بمشاهدتها بوعي نقدي أو بالنأي عنها تلافيا للانهيارات العصبية، لأنهم كانوا يخشون من الحيطان أكثر من الحب أو الحرب. واليوم لما اشتد عودي وتفتقت ذهنيتي، أخذت على عاتقي متابعتها ومسايرة لعبتها بسخرية في انتظار البشرى أو النكسة التي يبدو أنها ستظل تلازمنا. فلقد علمتنا حكمة المقالب معرفة العدو قبل مواجهته، لكشف أغوار ضعفه، لكن للأسف، فهذا العدو الذي يقرر في مصيرنا يعرف فشله جيدا كما يعرف جوعه إلى الترف والغنى، والناس يعرفون أنه في وضعية تحت الصفر ولكنهم لا يستطيعون فعل شيء. فهؤلاء الجوعى يعرفون من أين تؤكل الفخذ، وموقنون بأنه ليس بيدنا فعل شيء لكبح نهمهم، فيتركوننا نعوي ككلاب جائعة في صحراء قاحلة حتى تجف حلوقنا ونرتكن لحالنا.
لقد كان الراحل الحسن الثاني ذكيا حين شبه ركح البرلمان بالسيرك. فهو المحنك الذي خبر لعبة السياسة، أدرى بخبايا المهرجين الذين كانوا يرتجلون أدوارا تراجيدية ويلطفونها بحكايات من الملهاة الإغريقية، وتظل تلك الأدوار تُرتجل وكأنها حديث عابر بين جارات ثرثارات؛ اتهامات بروتوكولية تخفي تحت طاولتها تصافح أيدٍ وعناقا وصفقات مربحة. نوم في واضحة النهار والشمس حارقة تبزغ من النوافذ المشرعة وأضواء الشاشة والكاميرات تنقل فسادنا وأمراضنا المزمنة، وكلٌّ يهون داخل قبة البرلمان. عبث بالهواتف الذكية والانتشاء بالأفلام الخليعة ولعب الورق وضرب مواعد مع عشيقات معجبات في مواقع التواصل الاجتماعي، وطلب الإجابة عن الأسئلة كما لو كانوا في امتحان الباكالوريا. وكل يهون في قبة البرلمان، ناهيك عن وزيرات وبرلمانيات تجاسرن أكثر فلبسن تنورة شفافة ووضعن رجلا فوق أخرى وعرين عن سيقانهن المشحمة التي تثير فوهة النواب المكبوتين، وانشغلن بترميم تجاعيد وجوههن المنكمشة، أو انشغلن بثرثرة سوقية ماجنة مع برلماني مراهق زار القبة مرة واحدة وسيتقاعد بمبلغ خيالي.. اقتراحات بمثابة تصفية حسابات أكثر منها دعما للمشاريع السياسية كما لو كانت حرب عصابات كولومبية.. تعاليق نشاز تَعِدُ بأحلام كلها أوهام، خطابات إنشائية مريضة مبهمة وهذا الأمر مقصود «لا تقضي حاجة ولا تكسر خاطرا»، رد على التعقيبات بعامية الأسواق وألفاظ البذاءة، والإجابة المجانية الجاهزة من قبيل «إن شاء الله، سيكون كل شيء بخير، نحتاج إلى بعض الوقت…»، كل الذين تعاقبوا على قبة السرك قالوا نفس الكلام. وكل الذين زاروا هذه القبة عابرين أو مخيمين للأبد قدموا وعودا بحجم الأهرامات وتركوها معلقة للملتحقين لأنهم نشؤوا على الأنانية «وراسي يا راسي»، وكل يهون في البرلمان.
وتستمر اللعبة على هذا المنوال. ننتف ريش الدراويش ونبهرج به الميسورين. نترك كل شيء معلقا ونفر في يُخُوتنا وطائراتنا الخاصة، وننعم في ضيعاتنا الفسيحة رفقة عشيقاتنا الفارعات. إلى متى؟ العلم عند الله. لا أحد يدري إلى متى ستظل هذه البلاد تعيش في المستنقعات الآسنة وتتبجح كأمريكي نرجسي بمهرجانات البساط الأحمر ومنصات الأضواء المبهرجة، وعائدات الطماطم والحوامض المحرجة، والمسكين يكدح ليدفع لمرضى السياسة ولمهووسي الترف والغنج.
ففي الوقت الذي تجتهد الدول الذكية لفك لغز الجماعات الإرهابية وما يسمى التطرف الإسلامي والنزاعات التي لا علاقة لها بالإيديولوجيا ولا بالإشكالات العقائدية، وإنما العلاقة البارزة والتي يتم تغليفها بالأسود والأحمر القاني تروم إشغال هذه الجماعات بالحروب ومدها بالعتاد الحربي للاقتتال في ما بينها كثيران برية في موسم التزاوج، وتتم السيطرة على الموارد الطاقية والتصرف في الثروات الباطنية، والأمر واضح بجلاء، فالدول المستهدفة غنية بالمواد الطاقية، وقد خططت لها هذه الدول الاستيطانية منذ زمان. هؤلاء يفكرون في مصلحتهم على بعد نصف قرن، ليسوا مثلنا، لا يرون أبعد من أظافرهم. بل حتى براثنهم العطنة لا يرونها أحيانا، لأنها منشغلة بكمش الفرائس الكادحة.
وفي الوقت الذي ينشغل العالم الذكي بنتائج حرب عالمية ثالثة في الطريق، وكيفية الإطباق على الخصوم من خصيتيهم، وكيفية إثارة كثير من النزاعات والحروب الطائفية للاستفادة من عائدات الأسلحة المدمرة التي ارتفعت أسهمها إلى السماء، وإبراز مكامن القوة والسيادة، ما نزال نحن منشغلين بصناعة الأواني الفخارية والإسفنج، في عالم مجبول على الصراع والحرب والتدمير في مقابل السلام والبناء.
وفي الوقت الذي تجتهد الدول الذكية لبسط سيطرتها على الكون والسمو نحو عوالم فضائية، بعدما تشغل السذج بالحروب الطائفية وتهم الإرهاب وخدع الاستيطان الصامت، ما نزال نحن ننام في قبة البرلمان ونتلهى بالهواتف الذكية. وما نزال منشغلين بمعاشات البرلمانيين والوزراء الأنانيين دون محاسبتهم والخدش في حساباتهم البنكية، وما نزال في قنواتنا الإخبارية نروج للخطابات التضليلية والوصفات الجنسية والمراهم الغالية والمسلسلات الفضائحية، وأن ارتفاع الأسعار واجب وطني يجب أن نكد من أجله.
هناك سخط كبير على هذه القبة المشؤومة بمن فيها، والتي لا تقدم اقتراحات ولا حلولا، عدا تكريسها لطابع ساخر يجعلنا مدعاة للسخرية في البث العالمي، ومن الأفضل لو تم تحويل هذه القبة إلى متحف أو قاعة رياضة أو مكتبة كبيرة أو أي شيء يعود علينا بالنفع، ونخصص رواتب ساكنيها لإعالة الأرامل والمجانين والفلاحين لأن السنة على ما يبدو مكفهرة، وتلك الميزانية التي تحتار الحكومة في صرفها لا مجال لمناقشتها ولا مجال لتضليلنا بصرفها في بناء الطرقات وزرع النخيل والزيادة في الأجور، فالمساكين لن يعيشوا من النخيل وتجديد الأرصفة، فالميزانيات من حق الكادحين لأنهم يعرقون من أجل ضرائبها، وليست من حق البرلماني والوزير وأصحاب السعادة والفخامة ولا أصحاب النفوذ الذين لم يصابوا بالتخمة بعد.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *