GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

قراءة أخرى للحدث التركي (1/2)

قراءة أخرى للحدث التركي  (1/2)

رغم أن حقائق الانقلاب الفاشل في تركيا لم تتضح تماما، إلا أن ما جرى خلال الأسبوعين الماضيين يستدعي ملاحظات عدة جديرة بالتسجيل.
حين أشاع بعض الإعلاميين أن «أمينة» أصبحت الوحيدة التي لم يتم اعتقالها في تركيا، فقد كان ذلك من أصداء الأرقام الكبيرة التي باتت تُذاع كل يوم عن أعداد الموقوفين والمعتقلين بعد المحاولة الانقلابية التي جرت يوم 15 يوليوز الماضي. وكان اختيار اسم السيدة التي أفلتت من الاعتقال له دلالته، ذلك أن أمينة هي زوجة الرئيس رجب طيب أردوغان.
في أعقاب فشل المحاولة قيل إنه تم اعتقال ستة آلاف شخص. ثم ارتفع الرقم بعد ثلاثة أيام إلى تسعة، ووصل في نهاية الأسبوع الأول إلى اثني عشر ألفاً. وفي بداية الأسبوع الحالي أعلن وزير الداخلية أن عدد الموقوفين وصل إلى 18000 شخص. وتحدثت وكالات الأنباء عن تسريح 1684 عسكريا بينهم 149 جنرالا وأميرالا، وعن صدور قرارات بإغلاق 45 صحيفة و16 شبكة تليفزيونية و3 وكالات أنباء و23 إذاعة و15 مجلة و29 دارا للنشر، وشملت القرارات توقيف 89 إعلاميا اتهموا بالانتماء إلى جماعة فتح الله غولن التي قيل إنها وراء المحاولة الانقلابية. ومن أخبار يوم الجمعة الماضي أن 8113 شخصا وضعوا تحت الحبس الاحتياطي في حين أطلق سراح ثلاثة آلاف آخرين.
الصورة التي ترسمها الأرقام تبرر الشائعة التي أُطلقت موحية بأن الشعب التركي أصبح رهن الاعتقال، وهو ما عبرت عنه صراحة بعض التعليقات التي تناولتها مواقع التواصل الاجتماعي. وحين حاولت تحرى الأمر من الدوائر المعنية في أنقرة تلقيت الإيضاحات التالية:
ـ إن حملة تطهير مؤسسات الدولة من عناصر المحاولة الانقلابية لم تنته. والتوسع في الاشتباه في أجواء المفاجأة الصادمة مفهوم. وطبقا لما أعلنه الرئيس أردوغان فإن عدد الموقوفين خلال الأسبوعين الماضيين زاد قليلاً عن 18600 شخص، وهؤلاء مثارة حولهم شبهات ضعيفة ولكنهم محددو الإقامة في أقسام الشرطة احتياطيا. أما المعتقلون الذين نُسبت إليهم اتهامات قوية وأودعوا السجون فعددهم 10137 شخصا والتحقيقات الجارية ستحدد مصير الجميع.
ـ إن بعض الأرقام التي أعلنت أعطت انطباعات مغلوطة، فالقول بأنه تم إغلاق 45 صحيفة صحيح وغير دقيق. فالصحيح أن القرارات صدرت بالفعل، لكنها لم تذكر أن في تركيا 1860 صحيفة قومية ومحلية. وأغلب الصحف التي تم تعطيلها كانت إقليمية ومحلية بمعنى أنها لم تكن توزع على مستوى الجمهورية، والصحف الكبيرة التي جرى تعطيلها عددها سبع فقط. ولم تغلق لأنها معارضة، ولكن لأنها كانت ذات صلة بجماعة فتح الله غولن التي استثمرت الكثير في المجال الإعلامي. وفي رأي السلطات المختصة أن تلك الصحف كانت وراء تسريبات مغلوطة مهدت لمحاولة الانقلاب. والحاصل في قطاع الصحافة له نظيره في مجال النشر والبث التليفزيوني.
ـ إن توسيع نطاق التحقيقات صار من تقاليد المراحل التي تعقب المحاولات الانقلابية، وكنت قد أشرت في مقالتي عن دروس التجربة التركية أنه في أعقاب انقلاب العام 1980 تم اعتقال 650 ألف شخص، وصدرت أحكام بالإعدام على 517 آخرين وتم تنفيذ الحكم بحق خمسين منهم، كما فصل 30 ألفا من وظائفهم. وتم ترحيل 30 ألفا آخرين خارج البلاد وإسقاط الجنسية عن 14 ألفا، أما انقلاب العام 1960 الذي أفضى إلى إعدام الرئيس عدنان مندريس واثنين من الوزراء، فقد أقال 235 جنرالا من الجيش وفصل ثلاثة آلاف ضابط من وظائفهم، كما تم في ظله فصل 500 قاض و1400 أستاذ جامعي.
هذه الملاحظة الأولى تعني أن إجراءات مرحلة التطهير لها ملابساتها الخاصة والاستثنائية وهذه لا تصلح معيارا للحكم على أوضاع ما بعد محاولة الانقلاب. وغاية ما يمكن أن توصف به أنها تصنف ضمن جهود التثبت من إفشال المحاولة وإزالة آثارها. وقد عبرت عن ذلك المعنى في مقال سابق، الأسبوع الماضي، في ما نشر تحت عنوان اختزال الفكرة في كلمات ثلاث هي: راقبوا ولا تحاكموا.
وإذ نفهم مشاعر الذين سارعوا إلى الترحيب بفشل الانقلاب، وكنت واحدا منهم، إلا أني أزعم أن الذين باركوا كل الإجراءات اللاحقة على ذلك أوقعهم تسرعهم في الخطأ. ذلك أن الملف لايزال مفتوحا ولم يتأكد بعد ما إذا كان الذي جرى سيمهد الطريق أمام الانقلاب على الديموقراطية أم لا. لذلك قلت إن الترحيب بفشل الانقلاب واجب لأنه كان يستهدف استعادة حكم العسكر بظلاله الكئيبة وتاريخه الأسود، لكن الحذر من تداعيات فشل المحاولة أوجب كي لا تُتخذ المحاولة ذريعة لتبرير التراجع عن الديموقراطية. بالمثل فإن الذين سارعوا إلى تأييد الانقلاب ارتكبوا خطأ مضاعفا. من ناحية لأنهم راهنوا على حكم العسكر ومن ثم قبلوا بإجهاض المسيرة الديموقراطية والانتقال بتركيا من وضع تحفظوا عليه واعتبروه سيئا، إلى وضع آخر أسوأ وأتعس. ومن ناحية ثانية لأنهم قدموا حساباتهم وثاراتهم أيا كان مصدرها على مستقبل الوطن ومصير نهضته.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة