CAM – Campagne Mobile-Top

قراءة في تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول الجبايات المحلية

فيما يخص الجزء الثاني من التقرير المتعلق بتشخيص الجبايات المحلية، جاء فيه أنه لابد من إيجاد إطار قانوني مبسط، متناسق ومجتمع، فالجمع ما بين نظام جبائي محلي قائم على مبدأ الاستقلالية، وآخر يعتمد مبدأ التوزيع، الشيء الذي يؤدي إلى التكرار والرفع من الضغط الجبائي، مما يستوجب اتخاذ تدابير الدمج اللازمة لأجل التحكم في هذه المخاطر، ففي فرنسا مثلا بلغت نسبة الجبايات الذاتية 49 في المائة، بينما نسبة الجبايات المتقاسمة بلغت 6.5 في المائة، وفي السويد واللوكسمبرغ وهولندا وإيرلندا بلغت نسبة الجبايات الذاتية 100 في المائة، بينما استقرت نسبة الجبايات المتقاسمة في 0 في المائة. لذلك فنظامنا الجبائي المحلي حسب تقرير المجلس الأعلى للحسابات يفرز نظاما يتسم بتراكم أصناف الجبايات، وبمحدودية الوعاء الضريبي، مما يضفي عليه طابع التعقيد ويحد من مردوديته. وأيضا غياب دورية تطبيقية حول الجبايات المحلية، وخصوصا بالنسبة للرسم المهني ورسم السكن ورسم الخدمات الجماعية، مما يمثل عائقا جديا يحد من التطبيق الأمثل لهذه الرسوم. كما أن بعض مقتضيات القانون 47.06 المتعلقة بالرسوم الثلاث السابق الإشارة إليها تحتاج إلى توضيحات من أجل تفادي حالات الغموض التي يمكن أن تؤثر سلبا على مردودية هذه الرسوم.
كما يسجل التقرير انعدام وحدة الاتجاه بين السياسة الجبائية للدولة وتلك المتعلقة بالرسوم المحلية. ولبس في الأهداف، وشبه غياب لخارطة الطريق المتعلقة بمسلسل الإصلاح. وعلى خلاف ضرائب الدولة الثلاث (الضريبة على الشركات، الضريبة على الدخل، الضريبة على القيمة المضافة) التي يخضع ملزموها لمراقبات جبائية (مراقبة في عين المكان)، لا تفرض على الأشخاص الخاضعين للرسم المهني أية مراقبة من هذا النوع. كما أن النظام المعلوماتي للمديرية العامة للضرائب لا يخصص للجباية المحلية سوى برامج عادية تقتصر على تحيين وإحداث الملفات الضريبية، وكذا تصفية واحتساب الرسوم وإصدار الجداول، خلافا لضرائب الدولة التي تخضع لنظام معلوماتي حقيقي ومندمج للفرض الضريبي. كما تعرف الجبايات المحلية تشتتا بين عدد من الرسوم التي تتسم بضيق وعدم تجانس وعائها، وبأنماط إصدار وطرق تحصيل معقدة ومتباينة.
وقد ارتفع الضغط الجبائي المترتب عن الرسوم المحلية من سنة 2012 إلى سنة 2014 ب 0.9 نقطة مئوية، بانتقاله من 2.6 في المائة من الناتج الداخلي الخام إلى 3.5 في المائة (موزعة بين 1 في المائة فيما يخص الرسوم الذاتية والأتاوى، و2.5 في المائة برسم التحويلات من منتوج الضريبة على القيمة المضافة). وقد كان لعملية حذف 94.000 ملزم، أي ما يمثل 6 في المائة من التكفلات، أثر سلبي على مستوى الإصدارات التي سجلت انخفاضا بمبلغ 772 مليون درهم، أي ما يعادل 82 في المائة، وذلك بسبب إلغاء الضريبة الحضرية المهنية والتي يتأتى منتوجها بالأساس من المقاولات الكبرى والأشخاص المعنويين الآخرين. أما فيما يخص التحصيل، فقد سجل الباقي استخلاصه، خلال الفترة الممتدة ما بين 2009 و2013، ارتفاعا من 13 مليار درهم، إلى 16.8 مليار درهم، أي بزيادة بلغت نسبتها 29 في المائة وبارتفاع سنوي بلغ في المتوسط 7.3 في المائة، مما يدل على وجود عجز بنيوي على مستوى التحصيل. وخلال الفترة الممتدة ما بين 2009 و2013، سجل معدل نمو التحصيل الجبائي المحلي نسبة بلغت في المتوسط 4.7 في المائة، وهو مستوى غير كاف لتقليص الباقي استخلاصه، والذي يظل في تصاعد مستمر، مما يعكس ضعف التحكم في عملية التحصيل، ويؤثر على استمرار المنحى التصاعدي للمتأخرات. وقد سجل الباقي استخلاصه خلال الفترة ما بين 2009 و2013 فيما يخص الرسم المهني ارتفاعا بنسبة 48 في المائة، و19.3 في المائة بالنسبة لرسم السكن ورسم الخدمات الجماعية، و17 في المائة بالنسبة للرسوم المدبرة مباشرة من طرف الجماعات.
أما فيما يخص المنازعات فقد انتقلت عدد الشكايات المتعلقة بالرسوم المحلية المدبرة من طرف الدولة من 29.000 إلى 34.500، مسجلا زيادة بنسبة 19 في المائة، وبمعدل سنوي يقدر ب 4.7 في المائة. وفيما يخص الرسوم المحلية المدبرة من طرف الجماعات الترابية، بلغت التخفيضات وعمليات قبول إلغاء الديون غير القابلة للتحصيل أعلى مستويات لها خلال الفترة ما بين 2009 و2012 ما معدله 6 في المائة، أي ما يعادل ثمان مرات ونصف النسبة المسجلة على مستوى الجبايات المدبرة من طرف الدولة، مما يستدعي اليقظة في هذا الشأن. وعلى مستوى الإدارة الجماعية، فإنها ليست مهيأة لممارسة الصلاحيات المخولة لها بشكل كامل، ولا تتوفر على الخبرة الكافية والتأطير والوسائل البشرية والمادية الضرورية لتدبير الوعاء المتعلق ب21 رسما وإتاوة جماعية، وغياب تطبيقات معلوماتية من شأنها تيسير التدبير الجبائي، وعدم وجود ظروف ملائمة لممارسة الفعل الجبائي.
فيما يخص الجزء الثالث المتعلق بتوصيات ومقترحات الإصلاح، أكد التقرير الصادر عن المجلس الأعلى للحسابات ضرورة انسجام وفعالية النظام الجبائي المحلي، وفق مقاربة تدريجية تستدعي تقوية الموارد الجبائية الذاتية، وتوزيع ضرائب الدولة وفق معايير موضوعية، وتخصيص الموارد الجبائية المحولة وفق ضوابط تسمح بالحد من الفوارق بين الجماعات الترابية. وفي سياق الجهوية المتقدمة، فإن المجلس يوصي ببلورة منظور موحد للجبايات المحلية تتيح تنمية الموارد الجبائية اللازمة للجماعات الترابية، وتبسيط وتحقيق الانسجام والتركيز أكثر على النجاعة والعدالة والشفافية الجبائية التي من شأنها تسهيل انخراط الملزمين وتقوية تقبلهم للجبابات المحلية. كما أوصى التقرير بضرورة اعتماد منهجية تقوم على تدوين موحد للتشريع الجبائي، يضم في نفس الوقت تشريعا خاصا بالدولة وآخر بالجماعات الترابية، ومراجعة بعض المساطر الجبائية قصد جعلها أكثر مرونة وبساطة وانسجام، وإيلاء الأولوية لنشر دورية تطبيقية للجبايات المحلية. كما يوصي المجلس بضرورة إعداد تقرير سنوي حول الجبايات المحلية يتضمن على الخصوص الإصلاحات الجارية أو المرتقبة، وكذا إنجازات السنة المالية المعنية فيما يتعلق بالرسوم المحلية المدبرة من طرف الدولة، والمدبرة من طرف الجماعات المحلية والموارد المحولة، وإحداث لجنة مالية للجماعات الترابية تكون ذات بعد أفقي.
إن ما يعاب على هذا التقرير توصياته السردية الاستقرائية غير العملية، في حين أنه كان لابد من ضرورة إيجاد حلول بديلة للمشاكل والمعيقات التي تعتري المنظومة الجبائية المحلية تكون ذات طابع تقني عملي واقعي تطبيقي، فقد استعان المجلس بخبراء في الميدان الجبائي ومسؤولين سامين بالإدارة المركزية لوزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية، لدى كان من المفروض أن يقترحوا حلولا واقعية وعملية ملموسة بدل نقط سطحية عابرة، كما أن التقرير لم يتحدث عن إصلاح شامل للمنظومة الجبائية أو استبدال المنظومة القديمة التي تعتبر متجاوزة في ظل واقع ترابي جديد وجهوية متقدمة لا يفصلنا عن تطبيقها سوى أيام قليلة. لكن أهم ما يسجل لهذا التقرير هو استحضاره للتجارب المقارنة، والتي يجب الأخذ بها في باب إصلاح المنظومة الجبائية، فمقارنة مع فرنسا، التي عملت بالجهوية لسنوات، نجد بأن موارد جماعاتها الترابية ارتفعت سنة 2012 إلى حدود 227 مليار أورو، وهي موارد تستند بالخصوص على الجبايات المحلية، وهي مقسمة على النحو التالي؛ رسم السكن بمردودية ناهزت 19.4 مليار أورو؛ الرسم على الأراضي المبنية 27.3 مليار أورو؛ الرسم على الأراضي غير المبنية 1.0 مليار أورو؛ المساهمة العقارية للشركات 6.7 مليار أورو؛ المساهمة بالقيمة المضافة للشركات 15.2 مليار أورو؛ والرسم على جمع النفايات المنزلية 5.9 مليار أورو.
أما في إسبانيا، فقد حددت ضرائب ورسوم لفائدة وحداتها الترابية، كالضريبة على مبيعات تجزئة المواد الهيدروكربونية؛ والرسم على الأنشطة الاقتصادية؛ والرسم على صيد الأسماك والصيد؛ والرسم المحلي على الرقابة على النفايات المنزلية المرسبة؛ والرسم المحلي على مخلفات البناء؛ والرسم المحلي على حرق النفايات. وفي إيطاليا، التي تعمل كذلك بالنظام الجهوي، فقد خصصت مجموعة من الرسوم والضرائب كذلك من أجل ضمان عمل وحداتها الترابية على النحو المطلوب، من هذه الرسوم والضرائب نذكر كل من الضريبة على السيارات، والتي تتضمن رسوم للراديو ورسوم الدمغة على رخصة السياقة الإيطالية؛ والرسم على استخدام الدراجات النارية؛ والرسم على التلفزيون؛ والرسم على النفايات؛ والرسم على العقارات. هذه عبارة عن لمحة حول الرسوم والضرائب التي تطبقها هذه الدول لتنمية وحداتها الترابية ومساعدتها على لعب دورها كشريك في العملية التنموية وإعطائها استقلاليتها المالية بشكل فعلي.
نحن لا ندعو لتطبيق النموذج الجبائي الفرنسي والإسباني والإيطالي على الواقع المغربي، ولكن بإمكاننا الاستفادة والاستئناس بهذه التجارب، وذلك في إطار الدراسة وأخذ الإيجابيات وطرح السلبيات، مع الاحتفاظ بخصوصيتنا المغربية، واستحضار المرحلة التاريخية التي تمر منها البلاد، وواقع مؤسساتنا وجماعاتنا الترابية، واستثمار مثل هذه التقارير، في أفق بناء نموذج جبائي محلي مغربي يستجيب لإكراهات المرحلة ويلبي متطلباتها وطموحاتها.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث جامعي في العلوم والتقنيات الضريبية

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة