قصة شاب احتجز قاصرا وهتك عرضه بضواحي تمارة

قصة شاب احتجز قاصرا وهتك عرضه بضواحي تمارة

كريم أمزيان
لم يكن (م.أ.ب)، الذي رأى النور عام 1969، بالحوز، وترعرع في دوار أيت سيدي داود أيت فاسكة بأيت أورير، ضواحي مراكش، يعتقد أنه بعد مرور 47 سنة على ولادته، سيصبح فجأة مشرداَ ينام في الأحراش والبراري، ويقتات على ما يجود به عليه السكان الذين يطوف عليهم طيلة النهار، يتسول المأكل والمشرب، وبعض الدريهمات التي يقتني بها السجائر بالتقسيط وفي بعض الأحيان، كميات قليلة من مخدر الشيرا الذي يجعله يحتفل بنفسه كلما دخنه. ابتعد (م.أ.ب) عن الأهل وساكنة الدوار منذ سنوات، وأصبح يعيش منعزلا بعيدا عن أعين معارفه في مراكش وضواحيها، بعدما تبين له أنه فشل في حياته، لم يتزوج ولم يكون أسرة، وفقد الأمل في كل شيء، فاختار له مكانا قصيا في غابة مجاورة للطريق السيار، بضواحي مدينة تمارة، إلى أن تحول إلى قاطع طريق، قاده شذوذه بعد ذلك إلى ارتكاب جريمة، يوجد بسببها الآن في سجن سلا، بعد الحكم عليه ابتدائيا بقضاء ست سنوات سجنا نافذا.
ساكنة أيت سيدي داود أيت فاسكة بأيت أورير في مراكش، لم تعد تعرف شيئا عن ابن الدوار (م.أ.ب)، الذي غادره وهو لم يكمل بعد العشرين. الكل يعلم أنه انتقل في البداية للعمل بمراكش، وكان يعود بانتظام، خصوصا خلال عيدي الفطر والأضحى، قبل أن تنقطع أخباره كليا.
«أيت سيدي داود»، دوار مرمي على قارعة طريق تحيط به غابات أشجار الزيتون من كل جهة. الوصول إليه يفرض المرور عبر طريق ترابي غير معبد، يمر ببعض حقول الخضروات، فالفلاحة بعد تربية المواشي أولى أنشطة الساكنة.
سألَت «الأخبار» شابا فوق عربة (كارو) يجرها بغل هدَّه التعب، عن الطريق نحو «أيت سيدي داود»، قال إننا نسير في الاتجاه الصحيح. حمير وماعز وخراف ودجاج تقطع الطريق الترابي، فنضطر للتوقف من حين لآخر، بعد دقائق من المسير، بدأت تظهر بيوت متفرقة هنا وهناك، مؤشرات تشي بالفقر والبؤس وقصر ذات اليد..
صادفت «الأخبار» شابا يعمل في حقل بجوار بئر، قال بعد أن سألناه عن الشاب المختفي، إنه ابن الدوار، «هنا كبر وعاش سنواته الأولى، كان معروفا بين الجميع، بدماثة أخلاقه، طيب للغاية، والظروف الاجتماعية هي التي قادته إلى مغادرة البلاد، بحثا عن شغل»، مضيفا «في اعتقادي، إنه يشتغل في مدينة الدار البيضاء، ومستقر هناك»، فيما البعض من ساكنة الدوار، أكدوا «أنهم يعرفون المعني بالأمر، ويعرفون قوته وشجاعته»، والكل يجمع على أنه «ولد الناس، ويعمل بعضلاته، من أجل توفير قوته، فضلا عن أنه يعمل على بعث حوالات مالية إلى أسرته التي تعيش هي الأخرى، على ما تنتجه حقول الخضروات التي يرعاها أهله، وقطيع ماشية مكون من خراف وماعز…».
غير بعيد عن المكان الذي صادفنا فيه (حسن)، التقينا امرأة تبدو مرهقة من قساوة الزمن، جالسة على عتبة المنزل برفقة عدد من النساء، سألناها هي الأخرى عن (م.أ.ب)، فقالت: «جل الناس هنا يعرفونه، فقد كان خدوما طيبا، إلا أنه لم يعد إلى الدوار منذ وقت طويل، والجميع هنا يعتقد أنه هاجر إلى أحد بلدان المهجر». بدا سكان الدوار وكأنهم لا يعرفون شيئا عن (م.أ.ب)، ولا عن حياته بعد مغادرته الدوار، وعما يجري معه الآن. فبعدما غادرهم انقطعت أخباره قبل أزيد من عشر سنوات، حتى الاتصالات الهاتفية التي كان يجريها بعائلته، بدأت وتيرتها تتناقص مع مرور الأيام، إلى أن تراجعت ثم انقطعت بشكل كلي. أسرته، هي الأخرى، تعتقد أنه هاجر إلى بلد أوربي، وتنتظر أن يعود إليها يوما، غير أن بعضا من أفرادها يدركون أنه بعدما انقطعت أخباره، قد يكون أصابه مكروه، وأكدوا أنهم بحثوا عنه مرارا، وسألوا عنه بعض أبناء البلدة، الذين كان قد التقاهم في الدار البيضاء قبل مدة، إلا أنهم لا يعلمون عنه شيئا.

هجرة غير محسوبة العواقب
لما كان (م.أ.ب)، في سنوات المراهقة، كان معجبا ببعض أبناء الدوار، الذين هاجروا إلى المدن، خصوصا الدار البيضاء، من أجل العمل، كانوا كلما عادوا إلى الدوار في أحد العيدين، يرجعون بملابس تبدو له فاخرة، وبأنواع هاتفية لم يرها بعد، وهدايا كثيرة إلى أسرهم. كان قد حدث أحدا منهم، من مقربيه، عن أنه يريد مرافقته للعمل في المدينة. كانت البداية بمراكش، حيث عمل لبضعة أشهر، إلا أن عائق اللغات عرقل مساره فيها، أمام زحف الأجانب عليها، والذين لا يحدثون إلا من يتكلم لغاتهم، ما جعله يغير وجهته إلى مدينة الدار البيضاء، حيث كانت بدايته الفعلية مع العمل، إذ لم تنفعه سوى عضلاته من أجل توفير ما تتطلبه الحياة من مصاريف، ويوفر ما يرجع به إلى أهله الذين ينتظرون عودته كل عيد بشوق وحنين كبيرين، غير أنه اكتشف أن كل ما كان يبدو له، ظاهرا على أبناء الدوار مزيف، بعدما اصطدم بقساوة الحياة والزمن اللذين علماه الكثير. استمر طويلا على الحال ذاته، يعمل ويجتهد ويكد، ويوفر قدرا من المال يضعه بين أيدي والديه ورهن إشارتهم، يكون هو مصروفهم السنوي الذي يعودون إليه في حالة الشدائد، غير أن ذلك لم يستمر طويلا كما كان يعتقد، فانقطعت أخباره، بعدما انتظرته أسرته مرة أولى وثانية وثالثة، لكن دون جدوى.
صادف (م.أ.ب) مشاكل عدة في حياته، ما جعله لم يستمر في كل المهن التي اشتغل فيها، إلى أن قرر في أحد الأيام، بعدما لم يعد يستطيع أداء واجبات كراء الغرفة التي كان يكتريها في حي شعبي بالدار البيضاء، الانتقال إلى ضواحي مدينة تمارة، لكن ليس إلى شقة أو بيت، بل إلى غابة مجاورة، مكث فيها وجعلها مسكنه الجديد.
وبالرجوع إلى تفاصيل الملف، ففي أحد الأيام، سيتبين أن طفلا قاصرا غادر المؤسسة الخيرية «دار سيدي البرنوصي»، الطريق 17 الموجودة في الدار البيضاء، بسبب خلاف مع بعض الأطفال المقيمين في المؤسسة ذاتها، فاستقل حافلة لنقل المسافرين من محطة «أولاد زيان»، في حوالي الخامسة مساء، قبل أن ينزل من عليها بالقرب من قنطرة بمدينة تمارة، كما اتفق مع سائق الحافلة، فتابع سيره مشيا على الأقدام، في اتجاه مدينة الرباط، إلا أنه في غضون ذلك، اعترض سبيله شخص لم يكن سوى ابن ضواحي مدينة مراكش، فأرغمه على الدخول معه إلى داخل غابة الحزام الأخضر، في زاوية يتخذها مأوى له، مستعملا في ذلك تهديده بالسلاح الأبيض، ومارس عليه الجنس مرتين إلى أن أشبع غريزته، وأرغمه على قضاء الليلة معه، قبل أن يتركه يغادر في الصباح الباكر.

من مشرد إلى سجين
في 26 يناير الماضي، تقدم الطفل بمعيّة مساعدة اجتماعية تدعى (ع.ص)، إلى الدائرة الـ 11 بحي الفتح بالنيابة بمنطقة يعقوب المنصور، التابعة لولاية أمن الرباط، فصرح بأنه في الـ 17 من الشهر ذاته، تعرض لعملية اعتداء جنسي ويريد تقديم شكاية ضد من يتهمه بالقيام بذلك في حقه.
استمعت عناصر الشرطة القضائية إلى إفادات الضحية، الذي أورد خلال ذلك، لما تقدم إلى دائرة الشرطة لوضع شكايته المرفقة بشهادة طبية تثبت تعرضه لاعتداء جنسي في دبره، أنه توسل إلى المشرد المعتدي عليه، غير أن هذا الأخير لم يرفق به، ولم يعر طلبه تركه وشأنه أي اعتبار، مشددا على «أنه استمر في ما سماه «بطشه الجنسي»، على الرغم من محاولاته الهرب من قبضة يديه، غير أن «المشرد» قاومه، وعمل على اللحاق به، وتعقبه بين الأشجار، وأوقفه ودخلا في شجار على الرغم من فارق السن بينهما، ما جعل المعتدي يهدده بطعنه في بطنه في حال تحرك من مكانه.
وكشف الطفل الضحية، من خلال تصريحاته أمام الضابطة القضائية، أن المعتدي أرغمه على قضاء الليلة معه في الغابة، وفي تمام حوالي السادسة صباحا، أيقظه من النوم ومارس عليه الجنس بالطريقة ذاتها، موضحا أنه أحس بسائله المنوي في دبره، بعدما عمل على عضه في يديه، وهي العضة التي مازالت آثارها بادية في يد الطفل، بحسب ما عاينه ضابط الشرطة الممتاز الذي استمع إلى تصريحاته، وعاين الثياب التي كان يرتديها حينئذ، بعدما قدم أوصافا دقيقة للمتهم، مبديا رغبته وإصراره الكاملين على متابعته، بعدما أخلى سبيله، في الصباح، وأوقف شاحنة من الحجم الكبير، قادمة من مدينة الرباط ومتجهة نحو الدار البيضاء، طلب من سائقها إيصاله إلى وجهته، فرجع إلى المؤسسة التي كان يعيش فيها منذ أزيد من 12 سنة، وأخبر المساعدة الاجتماعية، التي بمجرد ما أن أعلمها بالواقعة، حتى نقلته إلى المستشفى وأجرى له طبيب فحصا، استنتج بعده أن الطفل ضحية اعتداء جنسي حديث، ثم رافقته بعد ذلك إلى الشرطة.

معاينة وتعقب وإدانة
بالرجوع إلى حيثيات الملف، سيتضح أن فرقة أمنية انتقلت بمعيّة الطفل والمساعدة الاجتماعية المرافقة له، إلى المكان حيث تعرض للاغتصاب وهتك العرض، بأوامر من الوكيل العام للملك، بمحكمة الاستئناف بالرباط، ورافقته بالضبط إلى الطريق السيار بمحاذاة الحزام الأخضر؛ المدار الحضاري لمدينة تمارة. وفي الطريق المجاورة، لمح الضحية صدفة شخصا يسير بالقرب من سُور، وبسرعة تعرف من بعيد على ملامحه، وتذكر جيدا أن الذي يوجد أمامه ليس إلا الشخص الذي كان قد اعتدى عليه، بعدما تعرف عليه بسهولة تامة، ما جعل عناصر الشرطة القضائية توقفه، وترافقه إلى حيث ينام فوق الحشائش، فاتضح لها أن المكان الذي كانت تتواجد فيه، بالمواصفات ذاتها، التي كان قد أدلى بها الضحية لحظة تقديمه شكاية في الموضوع، ما جعلها تعاود الاتصال بالنيابة العامة التي أعطت تعليماتها، بوضع المشتبه فيه تحت تدابير الحراسة النظرية، وإجراء بحث تمهيدي معه، قبل إحالته عليها وتقديمه أمامها.
لم ينف المتهم ابن ضواحي مدينة مراكش التهم المنسوبة إليه، بعدما تبين له أن كل القرائن التي أدلى بها الطفل الضحية، ضده، فما كان منه سوى أن اعترف بما اقترفه في حق الطفل، وأنه لم يشعر بذلك، نافيا أن يكون هدده بالسلاح الأبيض، ومؤكدا أن الفقر هو الذي دفعه إلى ذلك، بعدما غادر عمله بميناء البيضاء، وهي الأقوال التي جرى تسجيلها في محضر أقواله، قبل إحالته على الوكيل العام للملك، الذي استمع إليه، ثم أحاله بدوره، منتصف الشهر الماضي، على الهيأة القضائية بغرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالرباط، بعد تعيين جلسة محاكمته، فتم تأجيل الجلسة الأولى لإعطاء مهلة للدفاع من أجل الاطلاع وإعداد الدفاع، قبل أن يناقش ملفه، وتقرر المحكمة إدانته والحكم عليه بست سنوات سجنا نافذا، بعد متابعته بتهمة «هتك عرض قاصر، تحت التهديد بالسلاح الأبيض»، وبذلك تكون المحكمة قد طوت الملف 9/2642/2016، في ثاني جلسة مخصصة له، بعد الأولى التي اطلعت فيها عليه، خصوصا أن الضحية، البالغ من العمر 16 سنة، أدلى بجميع الوثائق والأدلة التي تورط المتهم، وتثبت ضلوعه في ارتكاب المنسوب إليه.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *