MGPAP_Top

قصة مهرجان لا يشبه غيره

إنما المبادرات درجات وقناعات، بعضها يتحقق بعد إجهاد وعناء، وبعضها يتلون على قياس مقاصد العباد.. وبعضها يظل حبيس الصدور والرفوف. غير أن الباحث فوزي الصقلي لم يستسلم للدراسات والأبحاث الأكاديمية، وراح يبحث عن آفاق روحية تمنح حوار الحضارات بعدا فنيا وإبداعيا، يقفز على حواجز الصراعات وأنواع الأحقاد والعصبيات.
عندما كتب المفكر الراحل المهدي المنجرة عن حروب الحضارة، تأسيسا على الوقائع المأساوية لحرب الخليج الثانية، فتح على نفسه أبواب جهنم، وصنفت كتاباته لدى مناوئين أنها معادية للحضارة الغربية. ووضع اسمه ضمن قوائم سوداء تحظر نشر كتاباته، بعد أن كان «طفلا مدللا» يتم الاستشهاد بآرائه وتوقعاته في كبريات المعاهد الدولية في الدراسات المستقبلية. وفي مقابل ذلك نزع المفكر المتحرر إلى ذاته وأقفل عن نفسه، في غير ما اعتقده تبشيرا بمخاطر الحرب الحضارية.
كل الحروب تنبثق منها مذاهب وأفكار وتيارات جديدة، فقد سادت الرمزية الأدبية والسريالية الفنية ومدارس الرفض وتكسير الأبعاد، على أنقاض صراعات إيديولوجية وعسكرية، وبقي الإبداع الإنساني وحده مطهرا للنفوس والعقول من شوائب التعصب والطائفية ومظاهر الاستعلاء والاستعباد. ولم تكن حرب الخليج الثانية لتمر من دون مضاعفات. ولعل الالتفاتة الصادرة عن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وقتذاك، لدى وضعه شعار «الله أكبر» على علم بلده، وهو القائد البعثي الذي فتنته وحدة القومية العربية، أرخت لتحول جذري في إيقاع الأحداث التي تلاحقت من رحم مجابهة غير متكافئة، نجمت عن سوء تقدير واستهتار بمعنى شطب دولة قائمة الذات من خريطة الوجود.
لم يترك الباحث فوزي الصقلي رحاب الجامعة. كانت تؤرقه فكرة أن الحضارات أصلها التفاعل، وأن عصاراتها في الفكر الإنساني والعلوم التي غيرت وجه العالم، إنما توخت تكريس قيم التعايش والتسامح والحوار. وليس مثل الموسيقى، لغة الكون الخالدة، ما يجسد خلجات الوجدان. لذلك حمل مشروعه في عقله وبين ثنايا أوراقه ومخزونه الإلكتروني. وبدأ في البحث عمن تستهويه السباحة ضد تيار الانغلاق والجمود.
في مرجعيات أن احتفالات الطرق الصوفية في المواسم والأفراح تزخر بمظاهر احتفالية تهيمن على طقوس الأدعية والابتهالات والسمو بالروح، خارج عقال الماديات. وفي أناشيد بأريحية دينية لم يكن المنتسبون إلى الطائفة اليهودية في فاس والمغرب عموما، بعيدين عن الانغمار في هذه الأجواء. لكن تاريخ المغرب في قديمه، وإن لم يعرف عصبية طائفية، فقد مرت عليه حقب وديانات. وفي ذروة الانغلاق أقامت الإمبراطورية المغربية علاقات دبلوماسية مع النصارى في غير ديار الإسلام، بل إن أسرى الحروب التي ارتدت طابعا صليبيا كانوا يعاملون باحترام ورأفة، بعيدا عن القسوة والإكراه والانتقام.
ليس صدفة أن كنيسا في فاس كان فتح أبوابه أمام شباب مغاربة من تلاميذ مدرسة مولاي إدريس، للتدريب على عروض مسرحية وموسيقية. ومنه انطلق شاب يدعى أحمد الخمليشي يشق طريقه نحو المسارح الباريسية، لولا أن حادث سير أقعده عن مواصلة الرحلة. ليس صدفة أيضا أن منظمة «اليونسكو» أقرت خطة للحفاظ على مآثر فاس وعمرانها باعتبارها تراثا إنسانيا خالدا. وروى المختار أمبو، المدير العام الأسبق للمنظمة العالمية، أنه فتن بمظاهر التسامح والعراقة في فاس منذ أول زيارة قام بها إلى أقدم مدينة في العالم. لكن المفكر علال سيناصر، الذي عمل بعض الوقت محرر أخبار في الإذاعة المغربية على عهد الراحل الدبلوماسي قاسم الزهيري، اهتدى بحدسه، عندما اشتغل في «اليونسكو»، إلى نفض الغبار عن طلبات توخت إدراج فاس في الموروث الثقافي العالمي.
من وحي هذه الوقائع وغيرها، تسلح الباحث فوزي الصقلي بفكرة رائعة تمثلت لديه في المزاوجة بين حوار الحضارات وتناغم الموسيقى الروحية التي تحلق بالإنسان فوق الأجناس والمعتقدات والألوان. طاف طويلا على كثير من الأبواب المغلقة، كان يتلقى الترحيب بالفكرة، مع إبداء الأسف عن عدم وجود الإمكانات، وأحيانا كانت تصده نزعات لا ترغب في الانفتاح على كل ما له صلة بعالم الثقافة والإبداع. واستمر في عناده ومغامراته، مثل الصوفي القائل في الأمجاد: «لا محبة إلا بوصول، ولا وصول إلا عالي، ولا مقام إلا عالي»، فقد كان وصوله رهن إنجاز أول مهرجان للموسيقى الروحية الأصيلة.
اقتبس من مهرجان مراكش للفنون والثقافة الشعبية طابعه الاحتفالي الذي انطلق من جمع الفرق الغنائية في تظاهرة تشي بثراء الموروث الشعبي. وأضفى عليه بعدا عالميا، من خلال مشاركة فرق غنائية مشهودة، القاسم المشترك بينها أنها تناجي الروح وترتفع بالذوق وتمجد تلاقح الحضارات والثقافات.
مرة أبدى مسؤول رفيع المستوى في دولة خليجية رغبته في «إنبات» مهرجان بنفس المواصفات، وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي تحدث فيها إلى الباحث فوزي الصقلي. وخذلتني التزامات وصعوبات في أن أحجز مقعدا وسط الحضور عند ساحة «باب الماكينة»، مع أني درجت على افتراش أرضها، يوم كانت تستضيف مهرجانات مسرحية كبيرة، غاب روادها وجمهورها أيضا.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة