قفة ريو دي جانيرو

قفة ريو دي جانيرو

يسهر المغاربة إلى ساعات متأخرة من الليل، تشرئب أعناقهم إلى التلفاز أملا في حصول مغربي على نصف انتصار، بعد ساعات من الانتظار يغادر «الأبطال» ميدان التباري يعودون إلى القرية الأولمبية صاغرين، فيصبح اللجوء إلى «التيليكوموند» أهون من متابعة تصريح مسؤول من اللجنة الأولمبية الوطنية يردد على مسامع المشاهدين لازمة عفا عنها الدهر تقول: «المهم هو المشاركة».
ولأن المغاربة ينتظرون ميدالية تذهب عنهم الحزن، فإن طول الانتظار أعاد إلى الأذهان المشاركات السابقة في أولمبياد الكساد، وبات الجميع ينتظر انتهاء منافسات الأسوياء لينعم بإنجاز يصنعه أبطال في وضعية إعاقة.
لكن هذه الفئة لازالت تعاني من جحود المسؤولين، فالمنتخب المغربي للعميان وضعاف البصر، الحاصل على لقب بطل إفريقيا لازال يتفاوض مع اللجنة الأولمبية من أجل الموافقة على سفر طاقمه التقني والطبي، بعد أن قلصت حجم الوفد إلى الأدنى وارتأت بما أتاها الله من بعد نظر، أن يقتصر السفر على اللاعبين ومدرب دون الحاجة للممرض والطبيب والإداري، ولأن الأمر يتعلق بضعاف البصر فقد حرم الطاقم من منحة الفوز بكأس إفريقيا بدعوى اقتصار «البريم» على اللاعبين، الذين لا يعلمون كم مسكت أيديهم.
حين كان ممثل المغرب في رياضة رمي النبال يظهر على شاشة التلفزيون، قال زميلي إن المغاربة أشداء في الرمي، وأضاف بأن «التنياش» من شيم الرياضيين المغاربة، الذين نادرا ما يخطئون الهدف، لكن الفتى المغربي خسر الرهان وظلت نباله تضرب قلوبنا بلا رحمة إلى أن خلصتنا صافرة النهاية من الوخز.
نحمد الله ونشكره على نجاة سباحنا من الغرق، لقد كنت أنظر إلى سباح منقذ وهو يجلس القرفصاء غير بعيد عن حوض السباحة، تساءلت عن سر وجوده في تظاهرة يفترض أن يشارك فيها أبطال من ربوع العالم، لمن تبين أن وجود «الميتر ناجور» فرضه قانون البرازيل الذي لا يجيز العوم في حوض سباحة إلا بوجود منقذ معتمد من طرف الحكومة، خرج سباحنا من المسابقة سالما معافى ينفض أذنيه ويلف جسده بفوطة بعد أن كنا ننتظر لفه بالعلم الوطني.
منذ الوصول إلى ريو دي جانيرو ظل أعضاء البعثة المغربية للملاكمة يوزعون الأدوار في ما بينهم، منهم من يتابع المنافسات ويمسح دموع الخاسرين، ومنهم من ينهض صباحا ويقتني لوازم «القفة» ويتوجه إلى سجن بانغو غرب ريو، ويقف في طابور أهالي السجناء كي يمكن حسن سعادة من قفة السجين التي لا يميزها عن قفة عكاشة إلا وجود الأم ودموعها.
ذهب المنتخب المغربي للملاكمة إلى البرازيل للحصول على الذهب والفضة والبرونز، لكنه انشغل بالبحث عن نادلتين ابتغاء تنازل يخرج البطل سعادة من السجن ويعيده إلى القرية الأولمبية، لذا سيصدر بلاغ عن جامعة الملاكمة يتحدث عن إنجاز غير مسبوق إذا نجحت في فك أسر سعادة، وقد تسجله في تقريرها الأدبي إذا عم الكساد لا قدر الله.
حين يفشل الأسوياء ينهض المعاقون يرمون بكراسيهم المتحركة جانبا يعلنون أنفسهم حماة الوطن من الجفاف، ويزفون موسم الحصاد وجني الألقاب فيسمعون صوت النشيد الوطني لمن به صمم، ويلفون أجسادهم بالعلم المغربي ويتصدون لمن يسيء الفهم ويردد كل مساء «في جيبي وفي فمي هواك ثار نور ونار».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *