الرأيكتاب الرأي

قيمة العقل الإنساني (2 ـ 3)

بقلم: خالص جلبي
الأخ (إحسان حنيوي) من مدينة الجديدة قرأ مقالتي حول السجون فأحدثت له قلقا عميقا، فكتب لي يقول: إذا كان الإنسان محكوما عليه من قبل بيئته البيولوجية والجغرافية، سواء في تصرفاته وأفعاله، أو في مأكله ومشربه، أو في كسائه وعرائه وما إلى ذلك حتى مماته، فما قيمة العقل الإنساني داخل هذه المنظومة البيولوجية والجغرافية، خصوصا وأن الله سبحانه وتعالى ميزنا عن بقية المخلوقات بالعقل؟ أين هي قيمة الإنساني أمام سلطة وديكتاتورية البيولوجيا وجغرافية الطبيعة؟ وبالتالي هل الإنسان أسير بيولوجيته وجغرافية طبيعته؟ هذا ما يقودنا إلى طرح التساؤل العريض هل الإنسان مسير أم مخير؟ وإذا كان الإنسان يزداد (يولد) بوذيا أو شيعيا أو مسيحيا بطبيعته، فما حكم الإسلام في ذلك؟
وجوابي في ثلاث حلقات وإليكم الجزء الثاني من العرض:
عندما يحضر زميل عمل إلى مؤسسة يبدأ تصنيفه هل هو علوي درزي؟ شيعي؟ مسيحي بوذي؟ من أي عشيرة وقبيلة وعرق وجنس؟ ويمضي التصنيف إلى الأسفل كما في تقسيم أنواع الحشرات عند علماء الطبيعة. فإذا كان سنيا هل هو سلفي أم خلفي؟ صوفي أم فقهي؟ وإذا كان من معسكر الصوفية فمن أي فرقة الرفاعية، أم الشاذلية؟ وإذا كان إسلاميا فمن أي حزب؟ هل هو من الإخوان المسلمين، أم حزب التحرير، أم جماعة الجهاد؟ هل هو من جماعتنا، أم منشق علينا؟ هل هو سليم العقيدة على منهج السنة والجماعة، أم متأثر بفكر العلمانيين والحداثيين، أم هو شيخ العصرانيين كما أطلق علي البعض هذا اللقب من شيوخ الوهابية؟ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.
إنها تساؤلات يخفيها الجميع علنا ويتحدثون بها سرا. وفي بلد عربي الكل يقول إن الجيش والحكم بيد طائفة معينة (كما في سوريا حيث الهيمنة للعلويين= النصيريين)، والكل يتهامس بها سرا، والكل لا ينطق بها علنا، في حالة نفاق مزمن ليس له إيمان. وخراج خفي ينفجر مثل انسمامات الدم في الحروب الأهلية (كما حصل في سوريا والعراق ورواندا). هذا السؤال الوجودي يفاجأ به كل طفل، ليكتشف نفسه ذكرا كان أو أنثى، مسلما أم مسيحيا. وأذكر من طفولتي هذا الاكتشاف عندما هرعت مع فريق من الأطفال النصارى إلى مخيم صيفي؛ فحرمت من شرب الماء حينما صاح أحدهم هذا (مسلمي) يقصد مسلم فلا تذيقوه الماء. وما زالت الكلمة ترن في أذني حتى اليوم، لأنني اكتشفت أنني مختلف عن الآخرين ومحروم من جنتهم.
وأتذكر من الجامعة عندما التقيت بأحدهم جلس أمامي وعيناه تفحصني مثل الرادار يتشمم أفكاري، كما تفعل الأرانب حين الاقتراب من أرنب غريب. فكنت إذا ذكرت فكرة استنكرها بكل الأدلة (النقلية والعقلية). وبعد أسبوع التقيت به، وإذا بالمعارضة تحولت إلى استسلام بدون أي فلترة للأفكار. تعجبت ولما عرفت السبب زال العجب، فقد أخذ (الأخ) التزكية ممن سلم عقله له. فحمدت الله على المصادفة.
وفي قرية عامودة من منطقة الجزيرة بسوريا رأيت فيها أربعة مساجد للمذاهب الأربعة كل يصلي بطريقته ووقته. وما زلت أذكر شيخ الحنفية وهو يستشهد بحاشية ابن عابدين في الفقه الحنفي المؤلفة من آلاف الصفحات، أن مذهبه هو الأعلى. والنقاش في مثل هذه الحالات غير مجد، والنصوص لا تخدم إلا في زيادة الانشقاق. وكما يقول الوردي إن كل فريق عنده استعداد أن يجند كل الأدلة (العقلية والنقلية) على صحة مذهبه. وفي حرب الخليج عام 1990م انعقد مؤتمران إسلاميان بمكة وبغداد حضرهما قادة الفكر الإسلامي. كل يؤكد بكافة الأدلة صحة ما ذهب إليه فريقه ومعها كل الفتاوى والكتب المقدسة، مما يذكر بالصراع القديم في صفين. والذي حسم الموقف لم يكن المفكرون الإسلاميون، بل أمريكا بصواريخ «كروز».
وفي حي الميدان بدمشق حضرتني صلاة العصر في مسجد، فرأيت أناسا يصلون وأناسا ينتظرون إمام مذهبهم، وبذلك قسمت المذاهب الناس شيعا وأحزابا، كل حزب بما لديهم فرحون.
وفي بعض كتب الفقهاء كلام لا يصدقه الإنسان، هل يجوز زواج الشافعية من الحنفي؟ وهو ما يذكر بصرخة فولتير عندما أرادت كاثوليكية الزواج من بروتستانتي، فهرع الكاثوليك لقتلهم فكتب فولتير مقالة نارية بعنوان: اسحقوا العار.
وفي طهران قدموني لأصلي بالناس صلاة العصر وكنت هناك بمناسبة الذكرى الثانية للثورة، فلم يصل خلفي إلا نفر قليل من الأتراك، حتى جاء إمام الشيعة فاحتشدت خلفه الجموع وبدأ التكبير.
وفي الجولان من سوريا جمع الحب بين فتاة شركسية وشاب درزي، فحصلت أزمة مخيفة ضد التقاليد والمذهب وكاد الحب أن يذوي الاثنين، حتى تغلب الحب فتزوجا وأنجبا.
هذا السؤال الوجودي يطرح نفسه ليس باتجاه الأسفل في اكتشاف تشقق الفصائل الإنسانية وتعدد الملل والنحل والمذاهب وفصائل الفصائل، بل صعودا في شجرة الفكر والعقائد إلى الأعلى. فإذا كانت الشجرة تتفرع ومن كل فرع تصدر فروعا جديدة، فإن رحلة العودة سواء في مستوى شجرة التفاح أو الخليقة والأفكار تتوحد تدريجيا.
ونحن نعلم من علم الأنثروبولوجيا أن مصدر الإنسان ليس القرد، ولكن القرود بأنواعها من الأورانج أوتان والشمبانزي والغوريلا تجتمع في فرع خاص بها، لتلتقي مع فرع الإنسانيات (الهومونيد) في ما يشبه الفرعين المستقلين ليشكلا غصنا جديدا في شجرة الخليقة، لينبثق الغصنان بدورهما من كائن أقدم من الاثنين هو (مفترس الحشرات) الذي ربما وجد قبل عشرة ملايين من السنين، ومن هذا الكائن انبثقت أنواع شتى منه فصائل منوعة للقرود بجانب فرع مستقل للإنسانيات، الذي أعطى ما لا يقل عن 11 نوعا في ما كشف عنه علم الأنثروبولوجيا حتى الآن. وهي نقلة نوعية استمرت أكثر من ستة ملايين من السنين وأنجبت أشكالا مختلفة من إنسان (جاوة) و(الكرومانون) و(الروبوست) و(أفارينيسس) و(أردبيثيكوس راميدوس)، ولعل أقدمهم هو إنسان (الملينيوم)، الذي عاش قبل أكثر من ستة ملايين من السنين. وفي نهاية السلسلة وقبل 150 ألف سنة جاء إنسان نياندرتال. وفي نهاية النهاية من الاشتقاق جاء نوعنا المسمى العاقل العاقل (الهومو سابينز سابينز)، الذي استقر شكله بين أربعين ومائتي ألف سنة، ولعله المقصود به آدم الذي نطق. وعلم الإنسان ما لم يعلم وكان فضل الله عليك عظيما.
ومن هذه المقارنة بين شجرة الخليقة وشجرة الأفكار والملل والنحل نعرف أن أحدنا لا يزيد عن ثمرة من شجرة عملاقة.، وهو يعلمنا التواضع والتسامح وتقبل الآخرين.
والسؤال المعكوس هو عندما يواجه الطفل أمه كما روى لي أحدهم، فيسألها عن نوعين من الدعاء تعلمهما من المدرسة. لماذا كان الدعاء دعاءين؟ يكون جواب الأم: الصيغة الأولى هي للمذهب الحنفي والثانية للشافعي ونحن على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة. ولكن الطفل يبدأ رحلة العودة تدريجيا، فيتخيل أن الأم الثانية ستقول بدورها لطفلها عن الدعاء الثاني إنه على مذهب (الإمام الأعظم) الشافعي. وبذلك ينطلق التفكير على نحو مسلسل انشطاري، لماذا اختلف الحنفي عن الشافعي؟ وما معنى وجود أكثر من أربعة مذاهب في الدين الواحد؟ وما معنى اختلاف الشيعي عن السني؟ في الوقت نفسه الذي تحكم الجدلية نفسها الفرع الآخر المتشعب من شجرة الاختلاف. فكما صدرت فروع مثل المالكي والحنبلي في المذهب السني، انشقت فروع لا نهاية لها من المذهب الشيعي بدءا من فروق بسيطة، كما يحدث في أول صدور فروع الانشقاق من الغصن الكبير فيبرز المذهب الزيدي والإمامي القريبان من السنة، ليصل إلى بعض الفرق التي تصل إلى حد تأليه الحاكم بأمر الله وعلي. وبينهما طيف واسع من العقائد تعرض لذكرها ابن خلدون في مقدمته بالتفصيل، فذكر فرقا كثيرة مثل الكيسانية والإسماعيلية والفاطمية والواقفية والهاشمية… الخ. والعلويون (النصيريون في سوريا) والدروز هما أيضا انشقاقات من الغصن الشيعي. فإذا صعدنا في شجرة الخلاف الفكري، اجتمع الغصن الشيعي والسني إلى دين واحد. ولكن الشجرة الإنسانية لا تكف عن التفرع، فنرى الخلاف المذهبي ليس ضمن الدين الواحد مثل الشيعي والسني والخارجي واليزيدي (وهو غير الزيدي ويعبدون الشيطان ويسمونه طاووسا وأنه مستخلف في حكم الأرض لمدة عشرة آلاف سنة، ويقدسون ابن معاوية يزيد ومنه اشتق اسمهم، ومعظمهم يعيش في جبل سنجار الممتد بين العراق وسوريا). بل نرى تدرجات الاختلاف تحت الشيعي مثل الزيدي والإمامي والإسماعيلي والعلوي والدرزي، وعند نقطة تفرع الأديان نرى المسلم والمسيحي. وفي الفرع الكبير عند المسيحي نرى الأغصان تتكاثر بنفس القانون العضوي، فتبرز فرق لا نهاية لها مثل الأرثوذكس والكاثوليك والمارون والأقباط والبروتستانت والأرمن والكلدان والمورمون وشهود يهوه والمعمدانيون. وينطبق هذا في أغصان الأديان فنرى البوذية والهندوسية، ومن كل فرع أغصان شتى فنرى من البوذية أتباع لاما وبوذية زن، ويسري القانون نفسه على اليهودية. ولكن شجرة الإنسانية تفاجئنا بتنوعات أكبر حجما من أعظم شجرة تين في الصيف، لنرى ليس أصحاب الأديان والمذاهب في الأديان والفرق في المذهب والجماعات في الفرقة، بل نرى من شجرة التفرع الكبيرة انشقاق فرع من يؤمن ومن يلحد. من يؤمن بدين ومن يعبد النار أو الأجداد، ومن يعتقد بالماركسية فيكفر بكل الأديان، ويقدس ماركس وإنجلز ويعتبرهما نور الإنسانية، ودين صراع الطبقات هو الأعلى، ويصلي إلى قبر لينين، ويفتل شواربه مثل ستالين، ويضع قبعة مثل كاسترو وغيفارا، ويعتقد أن الدين أفيون الشعوب. أو يعتقد بالقومية والنازية فيرى أنها ديانة جديدة. أو يتحول إلى مسخ في دين البعثية العبثية، أو يعلن موت الإله كما فعل الفيلسوف فريدريك نيتشه، قبل أن يصاب بالجنون. ولكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم. وهنا نصل إلى الجذع الكبير الذي تنشق منه كل الفروع، وكان الإنسان أكثر شيء جدلا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق