تقارير سياسية

كشف أسرار صرف 25 مليار درهم في أربع سنوات دون جدوى

الأخبار

كشف إدريس جطو، رئيس المجلس الأعلى للحسابات، عن اختلالات بالغة الخطورة تتعلق بخلاصات التقرير الأسود الذي رفعه للملك محمد السادس حول البرنامج الاستعجالي لوزارة التربية الوطنية، الذي قامت بتنزيله خلال الفترة الممتدة بين 2009 و2012، من أجل إصلاح منظومة التربية والتكوين.

وأكد إدريس جطو، خلال عرضه المثير الذي شد إليه أنظار نواب الأمة في ندوة وطنية نظمت، أول أمس الثلاثاء، بمقر البرلمان حول التعليم في المغرب، وتحديدا حول مشروع القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، أن المجلس الأعلى، خلال برمجة أشغاله، يولي أهمية خاصة لقطاع التعليم، نظرا لصبغته الاستراتيجية في بلورة المشروع المجتمعي الذي نطمح إليه، ولما يحظى به هذا القطاع من أولوية لدى السلطات العمومية ومختلف مكونات المجتمع لتكوين الأجيال والاستثمار في العنصر البشري، فضلا عن حجم الموارد المالية التي ترصد لفائدته.

وفي هذا الإطار، قال جطو إن المجلس أنجز، على مستوى التعليم الجامعي، مهمتين تقييميتين لكل من التكوين الأساسي والتكوين المستمر المقدم من طرف الجامعات، في حين عرف التعليم الأساسي والثانوي مراقبة أربع أكاديميات جهوية للتربية والتكوين، بشراكة مع المجالس الجهوية للحسابات. مؤكدا أنه خلص، من خلال مختلف هذه المهام الرقابية، إضافة إلى المهام السابقة والبحث التمهيدي الذي أجراه حول ظروف إعداد وسير الدخول المدرسي 2016/2017، إلى أن هناك اختلالات بنيوية في حكامة وتنزيل مضامين الإصلاحات المتتالية وافتقادها للاستمرارية ولمراكمة الممارسات والتدابير الجيدة في هذا المجال.

وعن مرحلة تقييم البرنامج الاستعجالي للفترة الممتدة من 2009 إلى 2012، وهي مهمة عاقتها عدة إكراهات ترجع إلى غياب المعلومات الدقيقة والمضبوطة حول هذا البرنامج، حسب إدريس جطو، فقد توصل إلى خلاصات غير مرضية تتعلق بعدم ضبط الحاجيات وغياب رؤية مؤطرة لتنزيل الإصلاح..، حيث اعتمدت الوزارة، في البداية، على خدمات مكتب للدراسات، وحددت مدة إنجاز الدراسة في 210 أيام والكلفة المالية في 18 مليون درهم، مؤكدا أن مكتب الدراسات قدم تقريرا يتضمن أربعة مجالات لتسريع وتيرة الإصلاح مع تحديد كلفة كل مجال والإجراءات الواجب اتخاذها لتنزيله، وتم حصر مبلغ الموارد الواجب تعبئتها في 33,96 مليار درهم. وأضاف جطو أنه بعد التقديم الرسمي للبرنامج أمام جلالة الملك بتاريخ 11 شتنبر 2008، ومباشرة عند الشروع في تنفيذه، عمدت الوزارة إلى إعادة النظر في مكوناته ووضعت هيكلة جديدة للبرنامج، وذلك بالرفع من أهدافه الكمية ومن الغلاف المالي الواجب تخصيصه إلى ما يفوق 45,3 مليار درهم. واستغرقت عملية المراجعة هذه سنة ونصف تم خصمها من الأربع سنوات المحددة أصلا لإنجاز البرنامج.

وتحدث جطو عن أن مرحلة البرمجة وتنزيل مشاريع البرنامج الاستعجالي عرفت عدة اختلالات من بينها الاستعجال في برمجة المشاريع وضيق الجدول الزمني المحدد لإنجازها، وتضمين البرنامج لعدد مهم من الدراسات، يشترط إنجازها قبل انطلاق المشاريع، حيث وصل عددها إلى 57 دراسة؛ عدم اللجوء في كافة مراحل الإعداد والإنجاز والمتابعة إلى التعاقد بين الدولة والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين من أجل تنزيل البرنامج الاستعجالي على المستوى الجهوي، الشيء الذي انعكس سلبا على تحديد المسؤوليات وتوزيع الأدوار.

وواصل جطو فضح اختلالات تنزيل مشاريع البرنامج، بالتأكيد أنه تم التخلي عن عدة مشاريع بعد الشروع في تنفيذها، ويتعلق الأمر، على الخصوص، بتوقيف مشروع بيداغوجية الإدماج بعد تجريبها وتكوين جميع الأطر التربوية قصد تعميمها على السلكين الابتدائي والإعدادي، وكلفت هذه العملية ما يفوق 71 مليون درهم . كما تم فسخ مجموعة من الصفقات المتعلقة بإنجاز الدراسات بعد الشروع في تنفيذها، بعدما تبين عدم ملاءمتها لحاجيات المنظومة، وذلك بعد تحمل تكاليف مالية تناهز 21,96 مليون درهم. إضافة إلى عدم تناسب القدرات التدبيرية لكل من الوزارة الوصية والأكاديميات مع حجم الأنشطة المبرمجة، وذلك بالنظر إلى الآجال القصيرة للإنجاز.

وتحدث جطو، في تقريره الذي عرض تفاصيله الدقيقة أمام نواب الأمة ومسؤولي الوزارة، عن التأخر في وضع نظام مندمج للتتبع والتقييم وصعوبة تتبع عدد كبير من المؤشرات وصل تعدادها إلى ما يقارب 513 مؤشرا، وغياب مؤشرات متعلقة بالجانب المالي وتقدير التكلفة؛ كما تطرق لعدم التزام جميع الشركاء من إدارات ومؤسسات عمومية بتعهداتهم من أجل تمويل البرنامج الاستعجالي.

وخصص جطو، في تقريره، حيزا مهما للحديث عن كلفة البرنامج الاستعجالي، حيث أكد أنه نظرا لعدم توفر الوزارة على معطيات مالية مضبوطة، وعدم تنزيل الميزانية المخصصة للبرنامج الاستعجالي على حدة بمعزل عن النفقات العادية للوزارة ضمن بنود ميزانيتها، فإن التكلفة الحقيقية للبرنامج الاستعجالي تبقى تقديرية. وتبين للمجلس، انطلاقا من اعتمادات الأداء التي رصدت لوزارة التربية الوطنية من سنة 2009 إلى سنة 2012، أن حجم الموارد المعبئة من طرف الدولة خلال هذه الفترة بلغ 43,12 مليار درهم دون احتساب نفقات الموظفين، وتم الالتزام من خلال هذه الاعتمادات بمبلغ 35,05 مليار درهم وصرف منها مبلغ 25,16 مليار درهم، موزعة إلى619,7 مليار درهم على صعيد الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين و5,40 مليار درهم على صعيد الوزارة، علما أن نسبة الإنفاق الإجمالية بقيت في حدود 58,2 في المائة .

وفي ما يرتبط بتقييم المنجزات، يقول جطو، فقد أعدت وزارة التربية الوطنية ثلاثة تقارير حول هذا البرنامج، تبين للمجلس من خلال افتحاصها العديد من النقائص التي تحد من صدقية المعطيات التي تضمنتها ومن تقييم شامل للمنجزات، وبالتالي، فإن المجلس يسجل عدم توفر حصيلة شاملة ودقيقة في شقيها المالي والكمي لجميع مشاريع وتدابير البرنامج الاستعجالي، سواء على مستوى الوزارة أو على مستوى الأكاديميات الجهوية.

وتساءل جطو عن التطورات التي حققها نظام التعليم بعد انقضاء مرحلة البرنامج الاستعجالي وصرف ميزانية الدولة لأزيد من 25 مليار درهم دون احتساب نفقات الموظفين، حيث أكد أنه بالرجوع إلى نتائج البحث التمهيدي الذي أجراه المجلس عن ظروف إعداد وسير الدخول المدرسي 2016 / 2017، نلاحظ أن هناك تطورا ملموسا في المؤشرات الكمية، كعدد المؤسسات التعليمية التي انتقلت من 9.400 مؤسسة سنة 2009 إلى 10.700 مؤسسة سنة 2017، وعدد التلاميذ الذي انتقل من 5.666.000 تلميذ سنة 2009 إلى 6.040.000 تلميذ سنة 2017. لكن، من جانب آخر، تبقى وضعية التعليم جد مقلقة على مستوى الجودة، وهو ما تؤكده مجموعة من المؤشرات التي تبين أن تنفيذ البرنامج الاستعجالي لم يحقق ما كان ينتظره المغاربة. ومن بين هذه المؤشرات عدم تعميم التعليم الأولي، فقد حدد البرنامج الاستعجالي هدف إدخال التعليم الأولي في 80 في المائة من المدارس الابتدائية في أفق تعميمه سنة 2015، إلا أنه من خلال الوضعية للموسم الدراسي 2016 – 2017، تبين أن 24 في المائة فقط من المدارس الابتدائية تتوفر على التعليم الأولي؛ وكذلك عدم تغطية كافة الجماعات القروية بالتعليم الإعدادي، حيث، وإلى حدود سنة 2017، لم تتجاوز نسبة تغطية هذه الجماعات 66,7 في المائة؛ وسجل اكتظاظ الأقسام تفاقما ملحوظا حيث ارتفعت نسبة الأقسام المكتظة بين 2008 و2017 لتصل إلى 21,2 في المائة بالتعليم الابتدائي و42 في المائة بالتعليم الإعدادي و22,3 في المائة بالمستوى التأهيلي.

وتحدث جطو، كذلك، عن مؤشرات الارتفاع المهول لنسب الهدر المدرسي، حيث عرفت انخفاضا ما بين 2008 و2012، إلا أنها بقيت في مستويات مرتفعة، إذ بلغ عدد التلاميذ الذين غادروا المدرسة دون استكمال تعليمهم خلال الموسم الدراسي 2016 / 2017، ما مجموعه 279.000 تلميذ؛ كما نبه إلى استغلال مؤسسات تعليمية في وضعية متردية، إذ لا يزال بعضها غير مرتبط بشبكة الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير، بالإضافة إلى استغلال قاعات لا تصلح وضعيتها للتدريس؛ وكذا عدم ضبط حاجيات النظام التعليمي من الموارد البشرية، ويتضح ذلك من خلال تحديد البرنامج الاستعجالي للحاجيات في 20.441 منصبا في حين وصلت أعداد التوظيفات الفعلية والعادية الى 24.272 منصبا. كما أن الوزارة عمدت، خلال الفترة 2016 – 2018، إلى تغطية الخصاص عن طريق التوظيف بالتعاقد، حيث بلغ عدد المتعاقدين حوالي 55.000 تم تعيينهم بالأقسام التعليمية دون استفادتهم من التكوين اللازم، مما يؤثر بصفة مباشرة على جودة العملية التربوية. ويتبين، من خلال هذه المعطيات، أن نقص الموارد البشرية أصبح ظاهرة بنيوية يتميز بها نظامنا التعليمي.

وتحدث جطو عن محدودية فعالية الدعم الاجتماعي، لتشجيع التمدرس بالنسبة للتلاميذ المتحدرين من أسر معوزة، وعدم إرساء نظام مندمج للاستهداف ونقص في الموارد المالية، مشيرا إلى أن الحزمة الجديدة من التدابير التي وضعت بمبادرة ملكية سامية بداية من الموسم الدراسي الحالي، من أجل تدارك النقص الحاصل في مجالات الدعم الاجتماعي ومواجهة المعيقات السوسيو-اقتصادية للتمدرس، من خلال العمل على تعزيز برنامج “تيسير” للدعم المالي المشروط والرفع من مستوى خدمات الإيواء والإطعام المدرسية والنقل المدرسي، وتحسين الخدمات الاجتماعية لفائدة طلاب التعليم العالي. وبالإضافة إلى برامج الدعم المدرسي، ركزت هذه التدابير على تعميم التمدرس وتقليص نسب الهدر ونشر التعليم الأولي بصفة تدريجية في أفق إلزاميته على المدى المتوسط، والرفع من مستوى الموارد المالية المرصودة لهذه الأهداف، فضلا عن البرامج التي تروم الارتقاء بجودة التكوين والربط بين المسالك الدراسية والمهنية بشراكة مع المهنيين. ونأمل أن تجد كافة هذه التدابير طريقها الى التنفيذ في الآجال المحددة بتضافر جهود جميع الأطراف المعنية، تفعيلا للمبادئ السامية التي تحملها المدرسة في تكافؤ الفرص، حسب تقرير جطو دائما.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق