كم من حاجة قضيناها بخفضها

التقط صحفي المشهد بذكاء، وكتب أن البرلمان اعترف أخيرا بأن المعارضة اكتسحت الانتخابات. كانت كتابة الخواطر والمقالات تتدثر بمنطق الإسقاط والإحالة والرمزية. فالرقابة التي تخلو منها الرؤوس، أوجدت لنفسها قوات من الأمن ترابط أمام أبواب المطابع ومقرات الأحزاب، تطوق الحرم الجامعي وتسأل هل من مزيد؟
لا يختفي أصحابها بلباس مدني، وإنما يعلنون عن وجودهم بكل عنجهية واستفزاز. ثمة موظفون يحملون الجرائد ساخنة، بعد طبع أعداد قليلة، ويذهبون بها إلى حيث يرابط الرقيب الذي يأذن بإكمال الطبع، بعد أن يضع خطا أحمر على الفقرات والأنباء التي يجب حذفها. وإلا فلن تصدر الجريدة في يومها، وستكتفي في طبعة الغد بالإشارة إلى أن عدد أمس حجزته الرقابة. أما إذا استمرت الصحيفة على عنادها في الاقتراب من المحظور، فستضطر إلى الإعلان حين إجازة صدورها عن أن أعداد الأيام الثلاثة أو الأربعة الماضية أو كامل الأسبوع الفائت تعرضت للحجز.
تلك أيام كنا نتداولها، إلا أن الصحفي الذي كتب عن بناية البرلمان أنها تحولت إلى «مجلس النو» أي «قول لا»، الكلمة التي كانت صيغة الاحتماء المفضلة في مواجهة القمع ومناهضة الاستبداد.. كان رمى ببصره في اتجاه مقر البرلمان في شارع محمد الخامس في الرباط، فلاحَ له عمال تعلقوا إلى سقف بوابة البرلمان وواجهته، لاستكمال كتابة كلمتي مجلس النواب.. توقف أمام حروف الكلمة الثانية التي كانت عبارة عن «النو» وقرأها مترجمة إلى الفرنسية. فإذا بها تقول: لا.
في اليوم الموالي استيقظت العاصمة الرباط على مشهد آخر، فقد دعي العمال على عجل للانتهاء بكل سرعة من ترصيع كلمة النواب، كي لا يتم تأويلها إلى غير ما وضعت له. وعندما توجه مصور الجريدة لأخذ صورة عن «مجلس النو» لم يجد للكلمة أي أثر. فقد كانت الصحافة مخيفة ومزعجة، إلى درجة أن أصحاب الحال لا يبعثون ببيانات حقيقة، بل برجال أشداء يكسرون المطابع، كي لا تعاود الدوران.
غير أن «مجلس النو» حمل في ذاته فيروس عدم القابلية للحياة. وشاءت أقدار أن ترهن نهايته برحيل مهندسه وزير الداخلية الجنرال محمد أوفقير، الذي صنع برلمان العام 1970 على معيار ما كان يريده. من يدري فالذي خطط لإطاحة النظام بقوة مفرطة في العنف والقسوة، لاشك أنه خطط كذلك لصنع برلمان طيع لا يعاكس مشروعه الانقلابي خوفا واستسلاما. ليس الأمر مستغربا، فقد أسر لي مسؤول اشتغل إلى جانب أوفقير أنه حضر مرة إلى بيته، وكانت المفاجأة أنه وجد الجنرال «مهذبا» يتقمص شخصية تلميذ يجلس في الصف ويصغي إلى دروس في العلوم السياسية والقانونية والعلاقات الدولية. وحكى أن الجنرال طلب إليه الجلوس إلى أريكة إلى جانبه وهو يردد: «ما لم نتعلمه في القتال في حرب الهند – الصينية، سندبر أمر استيعابه بدروس إضافية».
هل كان حقا يرغب في أن يتعلم، أم يريد إعطاء الانطباع بأنه رجل سياسة، يستخدم عقله وليس مسدسه؟ في أي حال، فقد تعمد يوما أن يصحب المسؤول نفسه إلى إدارة للتقاعد، كي يشهده عند الاقتضاء، أنه استعمل تعويضاته، بعد أن أضاف إليها قرضا من مؤسسة بنكية، لاقتناء مسكن، كي لا يتهم بأنه كان يبذر المال العام.
تلك تفاصيل مغيبة سعى الجنرال لإماطة اللثام عنها، فقد كان وحده يعرف ماذا يفعل ولماذا وكيف؟ وما يعنينا من الاسترسال في حكاية «مجلس النو» أنه كان يضم ثلثيه، قادمين من اقتراع غير مباشر، كان يسهل تمرير أسمائه ووجوهه بعناء أقل، ولو أن المشرع أطلق على هذه المجموعة اسم «الناخبين الكبار». والحقيقة أن جزءا منهم كان كبيرا في ابتداع طرائق المرور السالك إلى قبة البرلمان. أما الثلث المتبقي فقد كان يأتي عبر انتخابات مباشرة، ضمن نمط المواجهات المباشرة بين المتنافسين.
بيد أن الثلث انبثق من انتخابات جرت بلا منافسات، في ضوء مقاطعة أحزاب المعارضة الرئيسية. وكان الأمر أشد بساطة بالنسبة للناخبين الكبار، مادام أن عمليات شراء الذمم تستبيح الأصوات والمواقف، كما في أسواق مزايدات العرض والطلب. لكن تطورا دستوريا وقع في العام 1972 أعاد إلى المشهد السياسي بعضا من نضارته المنقوصة. ورأى زعماء في المعارضة آنذاك أن خفض نصاب الثلثين الآتيين من الاقتراع غير المباشر إلى الثلث فقط، يقلل بعض الشيء من منسوب الاستحواذ والاستئثار اللذين لا يستندان إلى قاعدة شعبية.
مجرد القيام بعملية حسابية أشاع بعض الأمل، من حيث المنطق السياسي لا يوجد ما يربط بين ثلث المنتخبين وحدوث تجاوزات، فالخلل قائم في الشكل، أي في أسلوب تدبير الانتخابات. ومنذ انطلاق المسلسل الانتخابي، عبر نظام الغرفتين في مرحلة أولى، ثم الغرفة الواحدة، قبل العودة إلى النظام القديم، شكلت قضية الثلثين ثم الثلث محاور جدل سياسي وقانوني لم ينقطع.
ثمة واقعة مشهودة بهذا الصدد، قوامها أن الزعيم السابق للاتحاد الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي حمل حقيبته وغادر البلاد احتجاجا على ظروف اقتراع ثلث غير مباشر في برلمان سابق. وثمة شواهد على أن الراغبين في حيازة ثقة الناخبين في الاقتراعات المباشرة، كثيرا ما كانوا يعودون إلى قبة البرلمان على ظهور الثلث غير المباشر الذي كان يوصف بأنه «الثلث الناجي» نسبة إلى احتمالات مد المترشحين بطوق النجاة من فوق، أو من ذات اليمين والشمال.
المسألة تدعو إلى فيض من النباهة، للوقوف على حقيقة أن بندا واحدا في دستور العام 1972، انبعثت معه الكثير من الآمال، وكان محور خفض الثلثين إلى الثلث. غير أن الانتخابات لم تنظم في موعدها، وتطلب الأمر ما لا يقل عن خمس سنوات لتجريب حظوظ العودة إلى المسلسل الانتخابي. ومن قال بفكرة المسلسل لاشك أنه توقع أن يحفل بمفاجآت، ليس أقلها أن الأحزاب الناشئة كانت تحقق «غالبيات كاسحة» في الزمن الذي مضى.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة