كنز الحياة

مريم كرودي

 

 

في خضم معارك الحياة اليومية التي تخطف البريق من أعيننا، تجدنا دوما في حاجة إلى كتف نستند عليه وقلب يؤوي قلوبنا المنهكة عله يخيط شروخ الزمن فيها ويداوي ندبات الجروح الدفينة.

تجدنا دوما نبحث عمن ينصت إلى أحاديث أرواحنا العميقة ويعانق الأحلام التي تخالجنا بين الفينة والأخرى.

ما أتفهنا ونحن نحلم بالمستحيل، وما أسعدنا والخليل يصدق الحلم الكاذب.

ما أتعسنا ونحن نتألم من لكمات الحياة وما أغبطنا ويد الخليل تبلسم الكدمات.

ثم؛ ما أروعنا ونحن نرمي بالضحكات خارجا ونطلق عنانها في الأرجاء رفقة الرفقة الصادقة التي اختارت أن تحتسي المر والحلو معنا.

وما مكسبنا من الحياة؟! غير صديق صدوق صادق نلجأ إليه في اللحظات العصيبة ونهرول نحوه كي نتقاسم الفرحة العابرة وإياه، لنهرب من الحياة كي نعيش الحياة مع من نحب ونسعى معا إلى ترسيخ الجمال في ذاكرة القلب.. لنكدس سويا ذكريات العمر في ألبوم لا ترى صوره بل تحس وتجعل الفؤاد ينبض عند كل ذكرى تسافر على متن الروح كالنسيم العليل. فجمال اللحظة لا يقاس برفعتها بل بمن شاركنا إياها ورسمها معنا لوحة باذخة تنطق حروف الحب.

أعمق علاقاتنا غالبا ما تبدأ بصدفة وأسرعها عمرا تلك التي نخطط لها، فعفوية اختياراتنا تبنى دوما على احتياجات داخلية لا نكاد نفهمها، لتجدنا وقد تسارع الزمن من حولنا وطدنا أواصرنا من الصدفة الجميلة التي لم ننتظر حدوثها ولم نتوقع..!

هو انجذاب لا إرادي نحو روح خلقت لتكملنا وتفهم ما يراودنا من هلوسات، هو انتقال من الوحدة القاتلة إلى التناغم الروحي، هو هروب من وحشة الأفكار والأحاسيس إلى الأنس فيهما معا، هو الصدق والصداقة والركن الأنصع من العالم الشاسع البارد.

أبسط وأنقى الجلسات التي نحظى بها هي حينما نجالس روحا طيبة صافية تحب ما نحن عليه وما يميزنا من شذرات خير وشر. وأصدق قول ننطق به هو حينما نكون بجانب الشخص الذي اختارنا من بين ملايين البشر كي يعلن أمامنا ضعفه وقوته ونواياه…

فمعرفتنا لأشخاص كثر أمر طبيعي جدا بحكم طبيعتنا الاجتماعية التي خلقنا عليها، في حين أن اقترابنا من أحدهم أو بعضهم هو الأمر الأقوى والأقرب إلى القلب مما يحيط به.

يقال إن العالم صار قرية صغيرة تضم أفرادا قريبين من بعضهم البعض رغم بعد المسافات بفضل وسائل التواصل الحديثة، ليظن البعض أن الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصدقاء هو علامة الغنى، وأن العائلة الصغيرة، وهي تكبر شيئا فشيئا داخل الكوكب الافتراضي، أعظم كنز ناله الشخص… ليصدم حين يبكي، بأن لا يد تمسح دمعه، بأن يصير طريح الفراش ولا يقدم أحد على زيارته، بأن يحتاج ولن تمد له يد العون، بأن يتمنى ولن يشاركه أحد الأمنيات… ثم بأن ينتقل إلى كنف الخالق ولن يفتقد ولن يدعى له…!

فالصداقة الحقيقة حياة نعيشها على أرض الواقع، دروب نسلكها مع الرفاق وأسرة نؤسسها خارج الدفتر العائلي تقوم على الصدق وأسمى معانيه.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.