CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

كنوز القرآن الروحية

بهذه المقالة نختتم ما بدأناه في مشروع رمضان لعام 2015م (1436هـ)، وهي قبس من النور يفيد القارئ، إلى أين أتجه في مشروعي، حول وضع تفسير جديد للقرآن الكريم، وإن أعطاني الله من القوة والجلد والعمر فربما وصلت إلى أعظم هدفي في الحياة، في وضع فهم جديد للقرآن الكريم، ماأطلقت عليه آيات مفتاحية وأجنة قرآنية.
أخوتي المغاربة انتبهوا إلى هذه الآية من سورة العنكبوت (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق؟) نحن هنا لسنا في مجال السير في الكتاب، بل (الأرض)، وكل من سار في الأرض تقريبا كان من الغربيين؟ تأملوا سيرة دارون في سفينة البيجل، والألماني الذي عس في غابات الأمازون، ومن وصل إلى القطب الجنوبي فمات، ومن عس على ظهر القمر، وكشف المحيط، وعرف خارطة العالم، وشرح الجسم، ونزل إلى الذرة، ورست مراكبه على سطح المريخ والكود الوراثي؟ كلهم من أحفاد وجيران ريتشارد قلب الأسد أليس كذلك؟ وهو عكس الاتجاه الذي يلعب به من يلعب بألفاظ القرآن؛ فيقول هذا ما يريده الله، فهذا تضييع للوقت لمن يعمل عليه أو من يستمع إليه، فالروس والأمريكيون استطاعوا أن يطيروا الصواريخ إلى الفضاء من خلال استعمال الألمنيوم كوقود جامد، بحيث تخلصت الصورايخ من سحب جاذبية الأرض، كما أن العودة كانت على نحو عجيب باستخدام الأنف المدور وليس الحاد، خلاف من يتصور أن الدخول في مجال الأرض بزاوية حادة أفضل، والسبب هو الحرارة التي تصل إلى 5500 درجة، مما ينذر باحتراق المكوك الفضائي.
أخوتي الكرام إن كل هذا وصل إليه الباحثون من خلال السير في الأرض، وليس البحث في نصوص القرآن والزبور والإنجيل، فعلينا أن نستوعب الدرس إن أردنا النهوض حضاريا.
كما أن السياسة يمارسها الكذابون في العادة، فعلينا الاحتراس منهم واعتبارهم الكهنة والعرافين الجدد الذين يزعمون الاتصال بالجن، وأن مشاكلنا هي عندنا وليس في إسرائيل والسويد، ومقدار الصراع وسفك الدماء في الشرق الأوسط، يقول لنا إن الصراع الجوهري والتناقض المفصلي هو الصراع العربي العربي؟ تأملوا مثلا الحدود بين المغرب والجزائر حتى نعرف عظم التناقض؟ وهنا ليس ثمة إسرائيل؟ إنه يذكرنا بما كان غاندي يزمع القيام به قبل مقتله على يد الهندوس المتعصبين، حين قال سوف أذهب لمقابلة المسؤولين في باكستان؛ لأثبت لهم أن الشيطان الموجود في قلوبنا موجود أيضا في قلوبهم وأنه واحد.
هذا المشروع من أجل وضع أسس (فهم جديد) أو (رياضيات جديدة) أو (لوغاريتم جديد) للدخول إلى النصوص القرآنية، باستخدام العلوم الإنسانية المساعدة، هو ما أطمح إليه، وأتمنى أن أكتبه خطيا وأدرسه شباب الجيل الجديد، وربما سيكون ذلك في إقامتي الحالية في المغرب، حيث لا يفوق جمال المناخ هنا إلا جمال أخلاق المغاربة، الذين عشقت بلدهم وشعبهم، وكلي أمل أن يكون لهذا البلد مستقبل مشرق تحت ضوء الشمس، ولو نظرنا إلى نماذج مختلفة من شرق الأرض ووسطها، مثل تركيا وسنغافورة؛ فلسوف تطالعنا سيرة أمم قفزت من العالم الثالث إلى الأول، كما فعل (لي كوان يو) في سنغافورة، وكما تم في ماليزيا وتركيا، حيث تحقق ذلك بدخول المستقبل بساقين من التعليم والقضاء على الفساد، كما يقول (كوان يو) والقضاء على الفساد هو مثل غسل الدرج، من فوق لتحت، وليس العكس، بلاغ فهل يهلك إلا القوم الظالمون؟
أخوتي من القراء في المغرب أقول لكم: إن القرآن كنز روحي لا ينضب وما عندكم ينفد وما عند الله باق. ولكن المشكلة هي في تحرير (العقل) من (النقل) فيستفيد من النصوص. وحشرة العت تعيش كل الوقت بين الأسطر فلا تقرأ شيئا. والحمار يحمل أسفارا من الكتب، ولكن ليس بإمكانه فك سطر واحد؟
وفي المقابلة التي تمت بين (محمد إقبال) و(موسوليني)، اعتبر إقبال أن القرآن منبع للطاقة لم يستهلك في ما يشبه العناصر النادرة المشعة في الطبيعة، مقابل استهلاك الطاقة الفكرية في الغرب كما حدث مع الفاشية والنازية والشيوعية. وهذا يعني أن الإسلام سوف يبقى يمد البشرية بأفكار رائدة. والمؤرخ البريطاني، توينبي، اعتبر أن فكرة تحريم الخمر التي حاولتها أمريكا فلم تنجح ترميز لإحياء العقل، وأنها فكرة وممارسة تمثل دواءً لأمراض الحضارة.
وفي القرآن (نظم) خاص أو (كوانتوم) قرآني أو نوع من (اللوغاريتم) حوّم حوله الكثيرون في محاولة استنطاق منطقه الخاص، واطلعت أنا على الكثير ممن كتب حول الموضوع، ولعل كتاب (محمد شحرور) الأخير عن القرآن والكتاب محاولة لاكتشاف هذا النظم الداخلي، ولكن مشكلته أنه يولد المعاني من الألفاظ مثل حاوي السيرك الذي يخرج أرانب بيضاء من قبعات سوداء، واللفظ يعطيك ما تشاء من المعاني. وفي مجلة إسلامية تعب باحث على كلمة (فاضربوهن) بعشرين صفحة، ليخرج بمعنى أنه الاعتزال خارج الفراش ففسر الماء بعد الجهد بالماء. ومن كلمة (يضربن) بأرجلهن يمكن توليد معنى (الستربتيز). كما أن ابن نوح يمكن أن يقال عنه إنه ابن زنا حينما نقع في قبضة الكلمة (إنه ليس من أهلك). ولعبة اللغة لا تنتهي كما يقول الفيلسوف (فيتجنشتاين). وما لم ندخل حزمة من (الأدوات المعرفية) فإن لعبة اللغة مضللة أكثر من لعبة (غو) على لوحة الشطرنج الصيني بـ361 مربعا و52 حجرا لكل طرف؟ وكل اللغة لا يمكن أن تدلنا على مكان عاد لولا الستاليت الفضائي. كما أن كل علوم اللغة لا يمكن أن تعطينا فكرة عن آدم لولا علم الأنثروبولوجيا؟ ولم يكن فهم دلالة كلمة (الملك) في قصة يوسف، لولا المعرفة التاريخية عن الهكسوس. فهذا هو الفرق بين (لعبة) اللغة والعلم.
واتصل بي أخ يخبرني عن عمل انتهى بعد جهد دام 13 سنة بإشراف لجنة، في محاولة كتاب تفسير جديد للقرآن أخذ منهم جهد خرافي مصبوب في 700 ألف صفحة، وهو عمل فلكي، ولكن السؤال هو: هل سيكرر عمل الأقدمين، أم أن هناك اختراقا نوعيا؟ والعبرة ليس أن تكتب ولكن ماذا تكتب وعلينا الانتظار حتى يطبع ويوزع؟
والقرآن يمتاز بأنه كتاب (قوانين) التي يسميها (كلمات الله) وانظر إلى تعبيراته كيف يدخل الحدث فينزع منه الاسم والمكان والزمان ويدخله إلى (معمل المطلق). تأمل قوله (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت؟)، أو قوله تعالى (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها؟) فنحن هنا لا نعرف الشخص ولا المكان ولا الزمان. والعبرة أنه حدث يمكن أن يتكرر كقانون تاريخي. وفهم القرآن على هذه الصورة يعطيه صمودا تاريخيا وعلوا فوق الزمن.
ويجب أن نقوم بعمل إبداعي فلا يشترط أن يأخذ عنوان (التفسير)، فهذه كلها علوم أبدعها علماؤنا من قبل ولا يشترط أن نتقيد بها، بل نستأنس بها ونبدع الجديد. وكلمة (عقيدة) مثلاً التي أسس عليها علم كامل ليس لها وجود في القرآن ومع ذلك طور علماءنا كتبا لا تنتهي حول العقيدة. وهذا يفتح أعيننا على مشكلة تطوير الفكر الديني برمته.
بمعنى أن علوما مثل (التفسير) و(مصطلح علم الحديث) و(الفقه) و(أصول الفقه) كلها علوم ابتكروها من العدم وطورها من سبقنا، ويجب أن نطور نحن علوما جديدة مثل الدراسات القرآنية التاريخية المقارنة أو البنيوية في القرآن. أو ما سميته (الكوانتوم) القرآني، وهو مصطلح من ميكانيكا الكم يعطي مفهوم هبات أو كمات من الطاقة.
و(التصوف) أمر تم تطويره من خلال الاحتكاك بالثقافات الأخرى. والحركة (البكتاشية) كانت العمود الفقري للجيش الانكشاري الذي قامت الدولة العثمانية على أكتافه. ويشبه في هذا الحركة السنوسية أو المهدية أو الحركات الصوفية المسلحة التي رافقت ولادة دولة الزنكيين في الشرق الأوسط أثناء مواجهة الصليبيين.
ومن قبل كتب سيد قطب (في ظلال القرآن) ولكنه ضمَّن الأجزاء الأولى الأحد عشر أكثر أفكاره تطرفا، وهي مفاهيم تحتاج إلى أن تعدل مثل تعديل السموم، وهذا يوحي بعمل الإيديولوجيا وتلبيس القرآن ثوبا لا يخصه. فيجب أن يكتب شيء جديد له علاقة بالعلوم الإنسانية المساعدة. وكما كان لكل فن أدوات للدخول على الحقل مثل المطرقة للحداد والمشرط للطبيب، كذلك الحال بالنسبة للمعرفة الإنسانية فلا يعقل أن نفتح الجمجمة بأدوات فرعونية، كما لا يمكن أن نفهم القرآن بتفاسير تعود 600 سنة للخلف. وهذا المفهوم يقلب التصور السلفي رأسا على عقب، فهم يرون الصواب في الرجوع إلى الخلف وطبيعة العلم أنه يمشي للأمام. ولا يمشي أحد للخلف ما لم يكن خائفا من وحش كاسر؟
وهناك ما لا يقل عن عشرين ألف تفسير كتب حول القرآن، ولكن الحاجة الآن قائمة لأفكار جديدة تشكل (مفاتيح) دخول لفهم القرآن. وفي مكتبتي الخاصة ما لا يقل عن عشرة كتب تفسير، ولكن كتب التفسير القديمة تكرر بعضها بعضا ولا تشبه كتب التفسير الحديثة مثل القاسمي ورشيد رضا، والنظر في تفسير كلمة (السائحات) تعطيك فكرة عن الفوارق؟ فكل الفكر القديم لم يكن في مقدوره أو عنده تصور أن المرأة تمارس السياحة. فهو أمر حديث معاصر؟
وهذه الآيات (المفتاحية) تتناثر في القرآن، مثل قل سيروا في الأرض فانظروا (كيف بدأ الخلق؟)، أو (يزيد في الخلق ما يشاء)، أو (ويخلق ما لا تعلمون)، أو (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبن لهم أنه الحق)، أو (وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال: إني أعلم ما لا تعلمون؟) فما هو علم الله مقابل ظن الملائكة؟ فكلها آيات مفتاحية تدخلنا إلى عالم القرآن الداخلي ومصطلحاته الخاصة وأسلوب قصصه المتفرد.
و(تجديد التفكير الديني) هو كتاب وضعه الفيلسوف محمد إقبال من القارة الهندية قبل أكثر من نصف قرن ويمتاز بصمود علمي وأفكار في غاية الجرأة مثل فكرة ختم النبوة. فهو يرى أن النبوة ختمت لأن العقل الإنساني تجاوز مرحلة الأحكام المسبقة وأصبح بإمكانه أن يمشي بدون عكاز؟ وهذه قفزة في التفكير تجتمع مع آية (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) فهذا هو الوحي الجديد. والوحي كما يراه إقبال ظاهرة كونية يمارسها النحل والشجر والبشر في درجات. وأوحى ربك إلى النحل. وآيات الآفاق والأنفس هي الوحي الجديد.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

1 تعليقات

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة