كوارث طبيعية وأخرى بشرية (2/1)

كوارث طبيعية وأخرى بشرية (2/1)

أعادت الهزة الأرضية التي ضربت شواطئ الحسيمة والناظور وأخرجت المواطنين إلى الشوارع، وما يرافقها من ارتدادات، هواجس ومخاوف زلزال الحسيمة المدمر الذي ما زالت جراحة طرية.
وبالإضافة إلى تراخي الإعلام العمومي في تغطية الحدث وإخبار الرأي العام في حينه بتطورات الوضع على الأرض، فإن الحكومة لم يصدر عنها ما يفيد أن زلزالا بست درجات على سلم ريشتر قد أفلح في إيقاظها من النوم.
وهكذا فبالإضافة إلى كارثة الجفاف ها نحن نعيش على هاجس الخوف من كارثة الزلزال.
ولا حديث للمغاربة اليوم بمختلف طبقاتهم الاجتماعية سوى عن تأخر وصول الأمطار. الناس في المدن يتعايشون مع الفيروسات التي تكاثرت بسبب انحسار المطر، ويحاربونها بأدوية غير فعالة تبيعهم إياها الصيدليات، والناس في القرى يتأملون بأسف دوابهم وهي لا تجد ما تأكله بعدما وصل سعر «بالة» العلف إلى عنان السماء، ومنهم من بدأ يبيع بهائمه في الأسواق لسداد الديون وشراء الأكل للأبناء.
والظاهر أن العالم دخل مرحلة جفاف عام، ستتلوه بلا شك سلسلة فيضانات مدمرة، خصوصا في المناطق المهددة، ومنها المغرب للأسف.
فماذا فعلت الحكومة لتفادي الكوارث المدمرة كالفيضانات والزلازل، والتي ذاق المغاربة منها خلال السنوات الماضية؟
أول شيء فكر فيه رئيس الحكومة هو اقتراض قرض جديد من البنك الدولي بقيمة 200 مليون دولار أمريكي، من أجل تمويل مشاريع تخص تدبير مخاطر الكوارث الطبيعية.
لدينا اليوم تقرير دولي لمنظمة «جيرمان ووتش» يقول إن المغرب سيواجه الأسوأ في مجال المناخ، وإن المغرب يوجد ضمن الدول الأكثر عرضة لتأثيرات التغيرات المناخية، حيث يسجل 3345 وفاة ومليار و800 مليون درهم خسائر مادية سنويا.
إن هذه التوقعات المخيفة المبنية على دراسات علمية ووقائع ملموسة تستدعي من وزارة الداخلية أن تعالج الفساد الذي ينخر جسم مؤسسة حيوية وضرورية لمواجهة آثار الكوارث الطبيعية، ونقصد بذلك مؤسسة الوقاية المدنية.
لكن وعوض أن تنكب هذه المؤسسة على معالجة أعطابها شرعت في محاكمة أفراد من الوقاية المدنية بتهمة مد جريدة «الأخبار» بالمعلومات والوثائق حول مشاكل الجهاز.
وبعدما اندلعت فضيحة الدبلومات المزورة داخل هذا الجهاز وتمت متابعة كولونيلات وأطر في حالة اعتقال، تسرب الحديث عن إعفاء الجنرال اليعكوبي من مهامه وإلحاقه بالمصالح الاجتماعية للجيش، في محاولة لإرساله إلى الظل حتى لا تبقى أضواء الإعلام مسلطة عليه.
واليوم يتضح أن حكاية إبعاد الجنرال اليعكوبي من سلك الوقاية المدنية لم يكن سوى تكتيك لإبعاد الأضواء الكاشفة عنه، خصوصا بعد الزلزال الذي ضرب أركان هذه المؤسسة، والذي كان من تردداته القوية إعفاء الكولونيل عمومو.
والواقع أن اﻷسباب الحقيقية التي أدت إلى إعفاء الكولونيل عمومو من الوقاية المدنية كانت غامضة جدا، وما زادها غموضا الطريقة التي تخلص بها الجنرال اليعكوبي من معاونه القوي باﻹدارة العامة، حيث جرده مباشرة من كل الامتيازات ورمى به بشكل مهين في سلة المهملات.
وبحكم العلاقة المتينة التي كانت تجمع بين الرجلين، والحذر الشديد الذي كان يتعامل به الكولونيل عمومو عندما كان مديرا لمدرسة الوقاية المدنية، حتى لا يتم الزج به في متاهات الفضائح والتي غالبا ما كان هو نفسه يثيرها أمام اليعكوبي لتلطيخ سمعة بنزيان واﻹطاحة به، فقد كان معروفا منذ البداية أنه من المستبعد أن تكون لإعفاء عمومو علاقة بملف تزوير الشهادات، وأن إزاحته جاءت بإيعاز من جهة أخرى نافذة.
وحسب البعض فسبب الإعفاء يعود إلى أن مقاولا كبيرا في الدار البيضاء يتداول اسمه من طرف المهندسين المعماريين بهيئة الدار البيضاء، اشتكى لدى مسؤول كبير في الداخلية من المماطلة التي عرفها الترخيص والتأشير من طرف الوقاية المدنية بدار الخدمات على مشروعه.
المقاول المعروف في أوساط المال واﻷعمال بالدار البيضاء تجمعه علاقة صداقة بالمسؤول الكبير في الداخلية، وقد تم اللقاء بين المقاول والكولونيل عمومو بالدار البيضاء، وبعدها تم التوثيق لعملية ابتزاز ومحاولة ارتشاء، عجلت بإعطاء أوامر صارمة للجنرال اليعكوبي بإعفاء الكولونيل عمومو.
الكولونيل عمومو الذي كان حريصا على إظهار نفسه على أنه رجل نزيه، كانت بادية عليه آثار نعمة غير مبررة بأجرته الزهيدة، خاصة أن ثلاثة من أبنائه يدرسون بـ «winnipec university-Canada»، وله بنت رابعة تدرس في البعثة الفرنسية بالدار البيضاء، إضافة إلى شقق وأراض في الرباط والدار البيضاء.
والجميع يتحدث عن توقيف واعتقال أطر الوقاية المدنية، لكن لا أحد يتحدث عن وضعية رجال الوقاية المدنية من ضباط وضباط الصف الذين يستمر الكولونيل السمغولي في احتجازهم بثكنة الوقاية المدنية بالرباط، هؤلاء يتم استدعاؤهم للمثول أمام المجلس التأديبي لسبب من اﻷسباب، وبعدها يتم الاحتفاظ بهم لمدد تتراوح بين 3 أشهر و6 أشهر بعيدا عن ذويهم، بحيث يقضون النهار بمقصف اﻹدارة العامة في انتظار استدعائهم، وفي المساء يتم اقتيادهم من طرف أحد الضباط المتعاونين مع اليوتنان كولونيل السمغولي إلى ثكنة الوقاية المدنية بالرباط للمبيت، ولا يحق لهم الخروج من الثكنة.
وكل من حاول الاحتجاج يكون مصيره عقوبة زجرية قاسية، نسوق منها حالة الضابط الذي كان يعمل بدار الخدمات بالدار البيضاء، والذي رفض التأشير على بعض المشاريع التي تحوم حولها شبهة الرشوة، ما أثار حفيظة الكولونيل عمومو الذي استدعاه إلى المجلس التأديبي، وبعد رفضه الامتثال لقرار الاحتفاظ به أشهرا في ثكنة الرباط، تم تنقيله تعسفيا إلى الرشيدية، ومنذ ذلك الحين وهو يعيش في الجحيم حيث يتم استدعاؤه بشكل دوري إلى القيادة الجهوية بمكناس، وإلى الرباط، ﻷسباب واهية، وفي 10 شتنبر تم استدعاؤه إلى القيادة الجهوية بمكناس وأحضر معه محاميا من هيئة مكناس، لمحاولة ردع السمغولي وعمومو ولو إلى حين.
وبعد إثارة زوبعة اعتقالات المديرين السابقين وإعفاء المدير الحالي ظن المحتجزون أنه سيتم الإفراج عنهم وعددهم يفوق اﻷربعين، لكن السمغولي ما زال يتعنت في الاحتفاظ بهم ﻹعطاء الانطباع على أن اﻹدارة العامة لم تتأثر بسلسلة الفضائح التي نشرتها الصحافة، وأن اﻹدارة ماضية في نهج سياستها الصارمة والظالمة ضدا على احترام القانون وكرامة اﻹنسان.
بعد نشر خبر اعتقال الكونونيل عمومو زين الدين، انتشرت معلومات غير مضبوطة حوله، والحال أن عمومو ليس مديرا للموارد البشرية، بل هو مدير لمديرية اﻹغاثة والتخطيط، أما مدير الموارد البشرية فهو السلامي محمد الإطار المدني والدكتور في القانون، والذي عين في هذا المنصب سنة 2013 خلفا للكونونيل الغربي الحسين المعتقل حاليا بسجن الزاكي.
عندما اندلعت فضائح الدبلومات المزورة في الوقاية المدنية وانطلق مسلسل الاعتقالات، ظهرت مقالات في بعض الصحف في محاولة لتلميع صورة الجنرال اليعكوبي، الذي جعل منه أصحاب هذه المقالات الرجل النزيه الذي حرك المتابعات، وعين اللجان للسهر على تحديد المسؤوليات، وأعفى وأقال، وكأنه المنقذ الذي أعاد الاعتبار للمهمشين وعاقب المعتدين، والحال أن مسؤولية اليعكوبي ثابتة في كل ما يجري من ظلم وتعسف وتجبر واغتناء فاحش داخل هذا الجهاز المفروض فيه التدخل لإنقاذ المغاربة في حالة حدوث كوارث.
فعندما كان الكولونيل بنزيان الرجل القوي في الوقاية المدنية سابقا، مسؤولا عن كل ما يقع داخل هذا الجهاز، كان اليعكوبي على علم بكل تجاوزاته، وكان يتفادى الاصطدام به، لأنه كان مدعوما آنذاك من طرف سعد حصار، الوزير الكاتب السابق للدولة لدى وزارة الداخلية، والذي انتهى به المطاف موظفا في شركة للتبغ.
كما كان بنزيان يتفاخر بعلاقاته مع بعض البرلمانيين النافذين أمثال الراحلين الزايدي وعكاشة، رئيس مجلس المستشارين سابقا.
والحقيقة أن اليعكوبي لم يكن وراء تحريك المتابعة ضد بنزيان، بل كان ذلك نتيجة الصراع بين الكولونيلين عمومو وبنزيان، وتسارعت اﻷحداث بعد توقيف الموظفة النميلي، التي كشفت المستور، وكان اليعكوبي آنذاك يعمل جاهدا من أجل طمس الفضيحة لكن اﻷمور بدأت تتجاوزه.
لقد خلف الجنرال اليعكوبي وزبانيته ضحايا وتركة ثقيلة سيكون على من سيأتي مكانه أن يعيد للمظلومين حقوقهم، والأهم كرامتهم.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة