آخر الأخبار

كيري يوجه ضربة سياسية قوية للمعارضة السورية

انتظرنا أكثر من يومين كاملين أن يأتينا أي رد رسمي على طلب المعارضة السورية، الذي تقدم به الدكتور رياض نعسان الأغا إلى الإدارة الأمريكية، بإعطاء توضيحات لأقوال جون كيري وزير الخارجية الأمريكي «الصادمة»، التي أدلى بها على هامش مؤتمر لندن للمانحين وتوقع فيها «اجتثاث» هذه المعارضة في غضون ثلاثة أشهر، بسبب انسحابها من مفاوضات جنيف مع النظام تحت مظلة الأمم المتحدة، ولكن حتى كتابة هذه السطور لم تصدر مثل هذه التوضيحات لأسباب ما زلنا نجهلها، أو لعل الإدارة تواجه حرجا شديدا من جرائها، ولا تستطيع نفيها أو تأكيدها، واختارت فضيلتي الصمت والتجاهل.
أخطر ما قاله الوزير كيري في تلك التصريحات التي أوقعه فيها «استفزاز» ناشط سوري معارض «عاتبه» على عدم بذله وبلاده الجهود الكافية لإنقاذ المدنيين السوريين، هو تحميله المعارضة السورية مسؤولية انهيار محادثات جنيف بانسحابها منها، مما مهد الطريق لقصف مشترك للطائرات الروسية والسورية لمواقعها في ريف حلب، وتوقعه باستمرار هذا القصف «السجادي» طوال الأشهر المقبلة.
«الضربة القاضية»، وغير المتوقعة، في حديث كيري الذي عكس حالة من الانفعال والغضب، جاءت عندما قال متسائلا حول اتهامات هذا الناشط «هل تريدني أن أذهب إلى الحرب مع روسيا من أجلكم. هل هذا ما تريده».
ما يجعلنا نميل إلى صحة هذه التصريحات، غير المتوقعة في قوتها وصراحتها من قبل وزير في حجم ومكانة كيري، اصطدامه قبلها مع قيادة الهيأة العليا، للمفاوضات ورئيسها السيد رياض حجاب أثناء زيارته إلى الرياض التي سبقت انعقاد مؤتمر جنيف بأيام، وتهديدها بشكل حاد أنها ستخسر دعم أصدقائها إذا استمرت في التمسك بالمقاطعة، إذا لم تتم تلبية جميع شروطها في وقف إطلاق النار، وإنهاء الحصارات، والتأكيد على عدم وجود أي دور للرئيس بشار الأسد في مستقبل سورية.
الوزير كيري لم يكتف بإلقاء مسؤولية انهيار مفاوضات جنيف على عاتق المعارضة السورية فقط، وإنما أوحى بأن الجانب الآخر، أي النظام والإيرانيين، كانا على استعداد للقبول بوقف إطلاق النار، وأبلغوه بذلك رسميا عبر الروس، وهذا يعني تبرئتهما من أي لوم أو مسؤولية عن الفشل، وإظهارهما بموقف المتعاون للتوصل إلى حل سياسي على عكس المعارضة.
تحذيرات الوزير كيري وتنبؤاته تتحقق صحتها ميدانيا يوما بعد يوم، فالقصف الروسي الجوي مستمر وبكثافة، مما مكن القوات النظامية المدعومة بالإيرانيين، وعناصر حزب الله من فرض طوق شبه كامل على محافظة حلب، مما زاد من مخاوف المعارضة من سقوطها الوشيك، حيث غادرها أكثر من سبعين ألف شخص معظمهم من النساء والأطفال إلى الحدود التركية بحثا عن ملاذ آمن، وتجنبا لهذا السقوط. الدكتورة بسمة قضماني المتحدثة السابقة باسم المجلس الوطني السوري المعارض، أحد أبرز فصائل الائتلاف الوطني، توقعت بدورها استعادة القوات النظامية لمدينة حلب بطريقة غير مباشرة، عندما قالت أمس في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية «إنه مع القوات العسكرية السورية ندخل حربا غير متناسقة، فإذا استعاد النظام حلب بمساعدة الروس فستكون نهاية الحرب بمفهومها التقليدي، وستنتقل المقاومة إلى استراتيجية أخرى على الأرجح، حرب العصابات لمواجهة النظام».
هناك مؤشران ربما يؤكدان الانتقال فعلا إلى حرب العصابات التي تحدثت عنها الدكتورة قضماني:
الأول: هو ما ذكره بيان منسوب إلى تنظيم «أحرار الشام» تحدث عن قصفه مدينة القرداحة، مسقط رأس الرئيس الأسد أثناء تشييع جثمان والدته الراحلة أنيسة مخلوف، وسقوط قتلى وجرحى، ولم تصدر أي تأكيدات من مصادر مستقلة لهذا الإعلان.
الثاني: سقوط تسعة قتلى وعشرين جريحا في عملية انتحارية في سيارة مفخخة نفذها أحد عناصر «الدولة الاسلامية» ارتدى زي ضباط الشرطة، أمام نادي الضباط وسط العاصمة دمشق فجر اليوم.
تصريحات الوزير كيري، وهذه الهجمات التي تعكس نوعا من حرب العصابات توحي بأن المشهد السوري بشقيه الميداني العسكري والسياسي التفاوضي يقف أمام تطورات جديدة، أبرزها ضعف المعارضة السورية المسلحة عسكريا بسبب تخلي واشنطن وتردد حلفائها السعوديين والأتراك في دعمها بأسلحة نوعية متطورة، وكثافة التدخل العسكري الروسي وعمقه، وخسارتها لحلفائها، ولو جزئيا، في أي مفاوضات سياسية مقبلة لإصرارها على عدم فهم شروط اللعبة الروسية الأمريكية، والتفاهمات بين القوتين العظميين بالتالي.
وزير الخارجية الأمريكي لم يجانب الحقيقة عندما قال أن بلاده لن تخوض حربا مع روسيا، الدولة العظمى، من أجل المعارضة السورية، وهي التي لم تخض ما هو أهم منها في كرواتيا وشبه جزيرة القرم التي استولى عليها الروس وضموها رسميا إلى اتحادهم.
فإذا كانت الإدارة الأمريكية خذلت تركيا أردوغان، وتفاوضت مع أعدائه الأكراد من خلف ظهره في عين العرب (كوباني)، وطعنت السعودية في الظهر عندما تفاوضت مع إيران، ووقعت معها اتفاقا نوويا أدى إلى رفع الحصار عنها وعودتها إلى المجتمع الدولي كحليف وثيق، فهل ستعير «حرد» المعارضة السورية وعودتها إلى الرياض غضبا أي اهتمام؟
تصريحات الوزير كيري ليست رسالة إلى المعارضة السورية، وإنما إلى داعميها في الرياض وأنقرة أيضا، تقول مفرداتها، إنكم لستم الذين تقررون شروط «اللعبة» في سورية، وإنما نحن الأمريكان والروس، ومن لا يعجبه ذلك فليشرب من مياه البوسفور، أو البحر الأسود، أو الأحمر أو من أي بحر آخر يعجبه لونه.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي فلسطيني

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة