كيف تحولت أحياء فاس الفقيرة إلى مشاتل لتفريخ المتطرفين

كيف تحولت أحياء فاس الفقيرة إلى مشاتل لتفريخ المتطرفين

فاس: محمد الزوهري
غادروا بيوتهم في الأحياء الفقيرة بهوامش مدينة فاس بين عشية وضحاها، قبل أن يعلم ذووهم أنهم متواجدون فوق الأراضي السورية، أو ينتظرون الدخول إليها انطلاقا من تركيا، بعد أن تم تهجيرهم إلى هناك في ظروف غامضة، فقرروا الانضمام إلى «داعش» وحمل أسلحته طمعاً في «الشهادة في سبيل الله»… لا يُعرف عددهم على وجه التحديد، لكن عددهم كبير، أغلبهم ينتمون إلى أوساط اجتماعية محتاجة، أو نزحوا من البوادي المجاورة واستوطنوا الأحياء البائسة، وفي جبهة القتال صُنفوا بـ «أكثر المقاتلين شراسة». التقارير الاستخباراتية تؤكد أن عددا مهما من مقاتلي تنظيم «داعش» وبعض قيادييه ينتمون إلى مدينة فاس، وسبق لبعض هؤلاء المتطرفين أن أُعلن عن مصرعهم بسوريا، عن طريق ما نُشر بمواقع التواصل الاجتماعي.

يعلن المكتب المركزي للأبحاث القضائية، بين الفينة والأخرى، عن تفكيك خلايا إرهابية تنشط بفاس، أو على علاقة بخلايا وشبكات مماثلة متخصصة في استقطاب وتهجير عناصر متطرفة للقتال مع «داعش» بمدن أخرى. ولهذه الغاية تمكن «البسيج»، خلال العامين الأخيرين، من اعتقال ما لا يقل عن 40 عنصرا على صلة مباشرة بتيارات متطرفة بفاس والنواحي، عن طريق مداهمة مساكنهم، خاصة بأحياء (بنسودة والمسيرة و«الشيشان» والمصلى وبندباب وعوينة الحجاج)، وإخضاعهم لعمليات تفتيش دقيقة أفضت إلى حجز عدد من الأغراض التقنية والمواد المحظورة والمنشورات توضح سبل الالتحاق بـ «داعش». وتبيّن أن أغلب هؤلاء يزاولون مهنا هامشية وتجارة معيشية، وتتراوح أعمارهم ما بين 22 و55 سنة.
وبحسب معلومات من التحقيق مع متطرفين موقوفين، فإن الخلايا التي تنشط في مجال تجنيد وإرسال مقاتلين مغاربة للقتال في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، تعمد إلى استقطاب أرباب الأسر الفقيرة، وتمنحهم وعودا مغرية لأجل دفعهم بسرعة للإقبال على عمليات تهجيرهم إلى «الدولة الإسلامية».

تطرف يتغذى على الإحباط
يؤكد متتبعون للتطرف الديني أن استدراج الأشخاص لتهجيرهم إلى الشام يتغذى من الشعور بالإحباط والبطالة بالمناطق الشعبية المكتظة والفقيرة، والتي تشكل البيئة الملائمة للتجنيد وحشد الأنصار والمتعاطفين، فضلا عن الخلفيات الإيديولوجية والصلات الشبكية بأنصار السلفية الجهادية العالمية، والتي تقود العمل المسلح في كل من سوريا والعراق، وكذا الدعاية الإعلامية المكثفة والمضللة أحيانا التي تحيط بتفاصيل الأزمة السورية، وتساهم في شحن الأنفس وتعبئتها للقتال بسوريا.
وكان استطلاع أنجزته مؤسسة «أصداء بيرسون- مارستيلر»، قبل حوالي سنة، قد كشف أن البطالة تعد السبب الأول الذي يشجع الشباب على الانضمام إلى صفوف «داعش»، حيث أكد أغلب شباب الأحياء الشعبية والفقيرة، المشمولون بالاستطلاع، أن البطالة تدفع إلى الارتماء في أحضان تنظيم أبي بكر البغدادي.
وأظهر الاستطلاع ذاته أن الآلة الدعائية لتنظيم «داعش» فقدت الكثير من تأثيرها على الشباب، بعدما بات أغلبهم ينبذون تنظيم «داعش» ويتوقعون إخفاقه في إقامة دولته المزعومة، حيث أبدى 76 في المائة من الشباب قناعتهم بأن التنظيم غير قادر على تأسيس دولة إسلامية، بينما عبّر 15 في المائة فقط عن ترجيحهم لقدرته على ذلك.

«الشيشان».. اسم على مسمى
في حي «الشيشان» الذي اقترن بالإهمال والتطرف بضواحي فاس، تستقبل الزائر صور البؤس والإهمال. مساكن هذا الحي مشوهة وغير مكتملة البنيان، وأزقته محفرة، والكثير من مصابيح الإنارة به معطلة، وقنوات الصرف الصحي مهدمة أو مفقودة… الكثير من أطفاله حفاة يلعبون الكرة فوق مساحات مليئة بالأحجار البارزة والزجاج المهشم، وعجزة بوجوههم الشاحبة غارقين في أحاديث مملة، إلى جانب شباب عاطلين أسندوا ظهورهم إلى جدران مساكنهم وهم يستلذون بهواتفهم «الذكية»، في حين يتراءى أصوليون يجوبون هذه الأحياء بلحاهم الكثة وخلفهم تمشي نسوة بلباسهن الأفغاني.
سكان هذا الحي لا يكفون باستمرار عن توجيه شكايات حول الإهمال والخصاص، لعل المسؤولين يلتفتون إلى معاناتهم ويُمكنونهم من بعض المطالب البسيطة، من قبيل جمع الأزبال وإصلاح الإنارة وقنوات الصرف الصحي ومحاربة الكلاب الضالة وتعبيد الأزقة… لكن لا حياة لمن تنادي.
من الصعوبة تحديد الطبيعة المورفولوجية لهذا الحي الفقير الذي فرخته الهجرة القروية طوال ثلاثة أو أربعة عقود، فيبدو لا هو مجال قروي ولا مجال حضري، بل هو مزيج هجين من هذا وذاك، لأنه فقد بعض سمات البداوة، وفي الآن نفسه لا يمت لفاس بأية صلة، ومع ذلك تم إدماجه تعسفا داخل المدار الحضري للمدينة. ومنذ عدة سنوات بات هذا الحي من أكثر الأحياء الفقيرة بفاس التي تؤوي الأصوليين المتطرفين، بعدما نزحوا إليه من القرى المجاورة.

اختفاء بائع متجول
بأحد أزقة هذا الحي، تستقر أسرة عبد الواحد الجامعي، البالغ من العمر 32 عاماً، متزوج وأب لطفلين، كان يعمل بائعا متجولا قبل أن يختفي فجأة في ظروف غامضة، إلى أن تم إخبار بعض معارفه أنه متواجد بسوريا، من دون أن يعرف أحد كيف هاجر إلى هناك.
لم يكن عبد الواحد يخفي تشدده وتزمته في علاقته بأسرته وأصدقائه بالحي منذ أن حل للاستقرار به، قادما من ضواحي مولاي يعقوب قبل حوالي عقد من الزمن. ظل يعيش طوال الوقت منعزلا عن الآخرين، أما المقربون منه فلم يكن يخفي عنهم تعاطفه مع من كان يسميهم «المجاهدين»، إذ كثيرا ما كان يمجد حروبهم ضد نظام بشار الأسد، إلا أنه لم يفصح يوما عن رغبته في الانضمام إلى تنظيم الدولة في العراق والشام.
وعن الظروف التي قادته إلى سوريا، يحكي أحد أفراد عائلته أن عبد الواحد كان قبل أيام عن اختفائه يتأخر ليلا في العودة إلى بيته، وكان يتواصل هاتفيا مع غرباء بكثير من الحيطة والحذر، دون أن يطلع أشد المقربين منه على مضمون مكالماته الكثيرة، قبل أن يفاجئ زوجته بمطالبتها بالعودة إلى منزل والديها، بدعوى أنه سيسافر إلى البيضاء لتحسين تجارته. إلا أن الزوجة شكت في الأمر، وأصرت على البقاء ببيتها، ما دفعه إلى تعنيفها، قبل أن تضطر للعودة مرغمة إلى بيت أسرتها رفقة ابنيها الصغيرين، أكبرهما يبلغ ست سنوات والثاني لا يتجاوز عمره أربع سنوات. ولحظة توديعها دسّ في حقيبتها اليدوية مبلغ ألف درهم، قبل أن يختفي في بداية سنة 2015.

إيقاع متواتر بالخلايا
أطاح المكتب المركزي للأبحاث القضائية، التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، خلال الأشهر الأخيرة، وفي إطار المجهودات المبذولة للتصدي للخطر الإرهابي المرتبط بما يسمى تنظيم «الدولة الإسلامية»، (أطاح) بالعديد من الخلايا الإرهابية، الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام، سواء المتمركزة بمدينة فاس ولها علاقة بخلايا مماثلة بمدن أخرى، أو التي يتواجد بعض عناصرها المتطرفة بفاس ولهم علاقات مباشرة بشبكات منظمة.
وقبل أسابيع قليلة، جرى تفكيك خلية إرهابية جديدة موالية لـ «داعش»، مكونة من سبعة أفراد، تنشط على مستوى الأحياء الفقيرة بهوامش مدينة فاس والمناطق القروية المتاخمة لها. وأثبتت التحريات أن الخلية ذاتها على علاقة بشبكة متطرفة ظلت تعمل على دعم صفوف تنظيم الدولة الإسلامية عن طريق تجنيد مقاتلين مغاربة ضمن تنظيمات إرهابية من قبيل «داعش»، و«جبهة النصرة»، و«فتح الشام»، و«شام الإسلام»، ثم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».
واقتحمت العناصر الأمنية مساكن أفراد الخلية الإرهابية في ساعات مبكرة من الصباح، وألقت القبض عليهم في فترات متزامنة، قبل أن يتم اقتيادهم، تحت حراسة أمنية مشددة، لمواصلة إجراءات التحقيق معهم. واتضح بعد البحث الأولي أن أغلب الموقوفين دون الأربعين سنة، وذوو مستويات تعليمية بسيطة، فضلا عن امتهانهم حرفا معيشية.
ووفق بلاغ لوزارة الداخلية، فإن الأبحاث الأولية بيّنت أن أعضاء هذه الخلية كثّفوا من نشاطهم في استقطاب وإرسال مجموعة من المتطوعين المغاربة إلى الساحة السورية- العراقية بتنسيق مع عناصر ميدانية مكلفة بالعمليات الخارجية لـ«داعش»، حيث يخضعون لتداريب عسكرية بمعاقل هذا التنظيم، علما أن زعيم هذه الخلية قام أخيرا بتمويل التحاق ثلاثة متطرفين مغاربة بصفوف هذا التنظيم لاكتساب الخبرات القتالية.
وأفاد البلاغ أن شقيق أحد أعضاء هذه المجموعة مُدان في إطار تفكيك خلية إرهابية خططت لشن عمليات تخريبية نوعية بكل من المملكة وإحدى الدول الأوروبية، في حين أن باقي العناصر لهم أقارب يقاتلون بصفوف «داعش» بالساحة السورية- العراقية.
وذكر المصدر ذاته أن عملية التفتيش التي أعقبت اعتقال الأفراد السبعة للخلية، أسفرت عن حجز أسلحة بيضاء وبدل عسكرية ومبالغ مالية، بالإضافة إلى أجهزة إلكترونية، مضيفا أن إيقاف هذه العناصر المتطرفة يأتي في إطار الجهود المبذولة من لدن المصالح الأمنية المغربية من أجل التصدي لتنامي التهديدات الإرهابية ضد المملكة من لدن «داعش» وإفشال مخططاته التوسعية.

من الإمامة إلى الجبهة
سبق لسكان دوار «زياينة» بالعجاجرة ضواحي فاس، أن أصيبوا بالذهول، بعدما تبين لهم أن أحد أبناء المنطقة، التحق فجأة رفقة أفراد أسرته بتنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام.
واختفى المعني بالأمر، وهو إمام سابق بأحد المساجد، عن سكان الدوار مباشرة بعد عيد الأضحى الأخير، قبل أن يتوصلوا بمعلومات عن طريق «الفايسبوك» بأنه متواجد بسوريا، بعدما رحل رفقة زوجته وأبنائه إلى هناك في ظروف غامضة. ونُقل عن أحد معارف الشخص المعني أنه «لم يكن يظهر عليه ما يوحي بالتطرف أو التزمت، إلى أن قرر الانعزال في الأشهر الأخيرة وحدّ من علاقاته الاجتماعية، ولم يخبر أحدا برغبته في الرحيل إلى سوريا، ولا بما كان يخطط له، إلى حين علمت أسرته بأنه «بعث برسالة عبر شريط فيديو في موقع الفايسبوك يؤكد فيها أنه متواجد بسوريا».
وليست هذه حالة معزولة ضمن حالات الانضمام إلى «داعش»، إذ سبق لعدد من الأشخاص المتحدرين من المنطقة ذاتها، خاصة الذين اضطروا، في الآونة الأخيرة، للإقامة بالأحياء الفقيرة بفاس، أن تم استقطابهم في ظروف ملتبسة من قبل جهات متطرفة، لأجل تهجيرهم إلى العراق والشام.
وتبين أن عددا من مقاتلي تنظيم «داعش» وبعض قيادييه ينتمون إلى مدينة فاس، وسبق أن أُعلن عن مصرع بعض هؤلاء المتطرفين بالعراق وسوريا، عن طريق ما نُشر بمواقع التواصل الاجتماعي.
هذا ويتم استعمال كل أشكال استمالة المرشحين للتهجير سراً، ومنها القبول باصطحاب أبنائهم معهم، وطمأنتهم بالإقامة هناك في ظروف جيدة، وضمان عائدات مالية مهمة، فضلا عن وعود أخرى مرتبطة بـ «الشهادة في سبيل الله، والجنة والحور العين»…

من «البيجيدي» إلى «داعش»
الحكاية تعود إلى صيف سنة 2014، وبطلها شاب قرر أن يلتحق بـ«داعش» في العراق، قبل أن يتم تنصيبه قاضيا شرعيا في تنظيم الدولة الإسلامية. لم يكن شابا عاديا، بل هو ناشط ووجه معروف في صفوف حزب العدالة والتنمية بإقليم مولاي يعقوب، وبالتحديد في الحي الصفيحي «الزليليك».
عرف «ي. أ» بتزعمه لاحتجاجات السكان ضد السلطات التي اعتمدت برنامجا لإعادة إيواء قاطني الحي، وترأس لمدة طويلة جمعية اعتُبرت من أذرع العمل الإنساني والاجتماعي لحزب «المصباح».
وقبل ذلك، عُرف، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية «ظهر المهراز»، بشراسته في محاربة اليساريين، ودفاعه عن الخطاب الديني بشدة، رغم أنه كان يبدي ظاهريا نوعا من المرونة، لكن التحاقه بالتنظيم الإرهابي في سوريا والعراق كشف عن قناعاته الحقيقية.
قاد هذا الشاب عددا من الحملات الانتخابية لحزب «المصباح» في إقليم مولاي يعقوب، وهو الإقليم الذي اشتهر بكونه «دائرة موت» انتخابية بين حزبي «المصباح» و«الميزان».
حصل على الإجازة في شعبة الإنجليزية، ثم عاش عطالة قاتلة، وخلال ذلك أشعل توترا بالحي الصفيحي «الزليليك» ضواحي فاس، لتزعمه احتجاجات السكان للمطالبة بسكن لائق وخدمات اجتماعية أساسية، وفي تلك المرحلة استقطب عددا من شباب الحي، عبر تنظيم أنشطة «إشعاعية». وعندما فشل في تحقيق أهدافه، قرر حجز تذكرة سفر نحو تركيا، ومنها انضم إلى جبهة القتال بسوريا، بعدما أوهم بعض أبناء الحي بأنه ينوي السفر إلى قطر، بداعي أنه تلقى عرضا مغريا للعمل مدرسا للإنجليزية.
وعندما نجح في الالتحاق بـ «داعش»، كشف عن عدوانيته وتطرفه، حيث نشر بصفحته على «الفايسبوك» صورا يفتخر فيها بركوب مقاتلات «داعش» وحمل رشاشاتها، استعدادا للمشاركة في القتال.
ظل هذا المتشدد يعاني من إعاقة حركية منذ الصغر، لكن ذلك لم يمنعه من معانقة خطاب مغالٍ في التطرف، إذ ظل لا يجيد سوى لغة التكفير والتدمير والتفجير.
وحاول حزب العدالة والتنمية أن يتكتم على الموضوع، ولم يصدر أي بلاغ صحفي يتبرأ فيه من هذا «الناشط»، إلى أن وصل الخبر إلى بعض وسائل الإعلام. وعندما سُئل كاتب محلي لحزب «المصباح» عن رأيه في هذه النازلة، أجاب بأن حزب العدالة والتنمية قرر إقالة هذا العضو بسبب «الأعمال التي قام بها».
وتصنف منطقة «الزليلك» التي يتبع لها هذا المتشدد، بأنها خزان لتفريخ الخلايا الإرهابية، ويظهر ذلك من خلال حجم التدخلات الأمنية وعدد المعتقلين، حيث كانت المنطقة قبل ضربات 16 ماي من عام 2003 تعج بالمتطرفين الذين اختاروا الأحراش ومقالع الرمال والكهوف المتواجدة بالمنطقة، للسكن وتلقي التدريبات، غير أن السلطات الأمنية والاستخباراتية نجحت في استئصال مجموعة من الخلايا، واعتقال العشرات من الشباب الذين غالبا ما كانوا عرضة للاختراق من طرف تنظيمات سياسية تتبنى في إيديولوجيتها العنف والتطرف.

خطر وداديات الأحياء
تتعامل السلطات المحلية بفاس، في الوقت الحالي، بحذر شديد في الترخيص لإحداث وداديات الأحياء السكنية، خشية أن تحيد هذه الوداديات عن غايتها، وتصبح في يد متشددين ومتطرفين، خاصة وأن لسلطات المدينة ذكريات سيئة مع هذا النوع من التنظيمات، حيث سبق لها أن رخصت قانونيا – قبل بضع سنوات – لإنشاء بعض الوداديات السكنية، قبل أن يهمين عليها أصوليون متشددون سرعان ما حولوها إلى أداة لبسط هيمنتهم على تلك الأحياء والقيام بدور الأمن فيها و«المحافظة» على الأخلاق العامة، وفق تصوراتهم المتزمتة، عن طريق «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» والتصدي لكل أشكال «الانحلال» وبيع الخمور والمخدرات… ووصل الأمر بتلك الوداديات إلى حد قيام عناصرها بتنظيم دوريات أمنية في الليل وجمع إتاوات من السكان وإصدار أحكام وفتاوى في حق من اعتبروهم «عصاة» و«مجرمين»، بل ووصل الأمر إلى حد بتر اليد، كما حصل مع بائع خمر وسارق بحي «بندباب… واعترف العديد منهم، بعد اعتقالهم، بما اقترفوه باسم انتظامهم في وداديات كانت لبعضها صفة قانونية، كما حصل في حي «عوينات الحجاج» وحي «ظهر الخميس».
واضطر سكان العديد من الأحياء الشعبية إلى تأسيس وداديات سكنية، من اختصاصاتها الأساسية ضمان الأمن وحماية المواطنين وتحسين المظهر العام للأحياء المعنية، بضمان النظافة والتشجير، والمساهمة بأنشطة تطوعية وثقافية، والقيام بدور الحراسة وتوفير الطمأنينة للسكان، غير أن مجموعة من تلك الوداديات سرعان ما زاغت عن أهدافها.
وأمام تصاعد نشاط بعض الوداديات السكنية وتنامي الشكوك حولها، بدأت السلطات المحلية تمارس مضايقات على بعض الوداديات غير المرغوب فيها، بعد أن أحست بأنها تجاوزت اختصاصاتها، كما هو الحال سابقا مع ودادية بحي بن دباب التي تم سحب الترخيص منها، وأخرى بسهب الورد التي تمت تنحية رئيسها.
وتنفي السلطات أن تكون بعض الوداديات السكنية «تقوم بعمل الأمن»، بينما أدوارها محددة في «الحراسة وتأطير السكان على مستوى النظافة والتواصل معهم، في إطار القانون ومراقبة السلطات المحلية»، على اعتبار أن مجهودات مصالح الأمن «متواصلة ومكثفة في مختلف أحياء المدينة لاستتباب الأمن ومحاربة الجريمة بمختلف أشكالها دون الاعتماد على أحد».

مدرسون وتجار في الواجهة
ليس الشباب الفقراء وحدهم من غُرّر بهم للالتحاق بـ «داعش»، بل نجد تجارا ورجال تعليم يتحدرون من فاس ونواحيها استطاعوا الوصول إلى سوريا، أو شجعوا ماديا على تجنيد آخرين للهجرة إلى هناك، بحيث سبق أن لقي أستاذ لمادة التربية الإسلامية يدعى «عبد الرحيم الكساكس» حتفه بسوريا خلال قتاله مع التنظيم، بعدما كان يشتغل بالثانوية الإعدادية «بوهودة» بتاونات، إلا أنه استقال من التعليم قبل سنتين من التحاقه بتنظيم «داعش»، ليتفرغ لتجارة حرة بمدينة فاس، إلى أن أعلن مقتله في ظروف غامضة بسوريا.
كما لقي أستاذ آخر سابق بإعدادية «20 غشت» بغفساي، مصرعه في مواجهة مع الجيش النظام السوري قرب مدينة حلب، بعد أن قرر القتال في صفوف «داعش». وكان الأخير قد اختفى عن الأنظار منذ سنة 2013 ، ليتأكد بعد ذلك التحاقه بتنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام في ظروف غامضة ومفاجئة. ونعى وفاته بعض زملائه في العمل بقولهم: «لم نتفق يوما مع قناعاته الشخصية، ولكن كان أستاذا متمكنا وفصيحا بليغا، محبا للرياضة وللنكتة… ومغادرته للتراب الوطني شكلت لنا جميعا كأصدقاء العمل فاجعة حقيقية وصدمة لم نكن نتوقعها».
وبحسب مصدر مقرب، فمن خلال المنشورات والصور التي كان المعني يعممها على صفحته على «الفايسبوك»، فإن الهالك (عبد الله المسكيني) كان مكلفا بمهمة التواصل وتعميم صور وأسماء قتلى تنظيم الدولة بالعراق والشام.
وفي عملية مثيرة وُصفت بـ «النوعية»، داهمت عناصر المكتب المركزي للأبحاث القضائية، في بداية يونيو 2015، أحد أكبر مخازن المواد الاستهلاكية بمدينة فاس، يقع بالمنطقة الصناعية «سيدي إبراهيم»، وهو متخصص في بيع المواد الغذائية والمنزلية والصحية، بالجملة ونصف الجملة لفائدة تجار التقسيط بفاس والأقاليم المجاورة، بعدما تبين أن صاحب هذا المخزن متهم «في تمويل حركات مشبوهة، ومساعدة آخرين على الالتحاق بتنظيمات متطرفة»، إذ أفاد بلاغ رسمي لوزارة الداخلية، حينها، أن المتهم الرئيسي الموقوف (س.أ) «متشبع بالفكر المتطرف»، وظل «يقوم باقتناء كميات كبيرة من مواد استهلاكية منتهية الصلاحية وغير قابلة للاستهلاك بأثمنة بخسة، قبل أن يعمد إلى تخزينها بطريقة غير سليمة بمخزن تابع لشركته بغية تغيير تواريخ صلاحية استهلاكها وعرضها للبيع». وأردف بلاغ وزارة الداخلية أن «المشتبه فيه قام بتمويل سفر مواطنة مغربية وأبنائها إلى تركيا، قصد الالتحاق بصفوف التنظيمات الإرهابية بالساحة السورية- العراقية».

زغاريد في وجه التطرف
أطلقت مجموعة من النسوة العنان للزغاريد فرحا بتدخل عناصر المكتب المركزي للأبحاث القضائية لاعتقال اثنين من المشتبه فيهما بالانتماء إلى «داعش» في ساعة مبكرة من الصباح، في وقت سابق، بكل من حي المصلى بباب الفتوح، وحي ليراك بمقاطعة سايس.
وأظهر شريط فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي احتشاد عدد كبير من المواطنين بالزقاقين اللذين جرى بهما اعتقال المشتبه فيهما، حيث اغتنم عدد من المواطنين الفرصة لرفع هتافاتهم لتحية رجال «البسيج»، وتثمين تدخلاتهم لمطاردة الموالين للتنظيمات المتطرفة.
وتمكن المكتب المركزي للأبحاث القضائية، حينها، من اعتقال ثلاثة أشخاص آخرين ينتمون إلى «خلية إرهابية»، أحدهم شقيق مقاتل سابق بالساحة السورية- العراقية يقضي حاليا عقوبة سجنية بمقتضى قانون مكافحة الإرهاب. وتبين أن أفراد هذه الخلية الإرهابية كانوا بصدد التخطيط للالتحاق بمعاقل فرع «داعش» في ليبيا، عبر الحدود الشرقية للمملكة.
وتتحدث بلاغات رسمية لوزارة الداخلية، بشكل دوري، عن قيام أجهزة الأمن بتفكيك خلايا مرتبطة فكريا وتنظيميا بالجماعات المتطرفة، تتحدر من «العاصمة العلمية» والضواحي، كما كشف تقرير أمني، صدر في دجنبر من السنة الماضية، أن مدينة فاس تعتبر من بين المصدرين الرئيسيين للمقاتلين إلى الجماعات الإرهابية إلى جانب مدن سبتة وطنجة وتطوان… ورغم ذلك، لا توجد معطيات دقيقة عن عدد المتطرفين الذين تم تهجيرهم للالتحاق بتنظيم الدولة، انطلاقا من فاس ونواحيها، إلا أن بعض المؤشرات تقدر عددهم بالعشرات، يتحدرون من هذه المنطقة التي تعتبر بؤرة حقيقية لتفريخ المتطرفين والمتعاطفين مع «داعش»، بعدما وجدوا في الفقر والجهل والتعصب بالأحياء الهامشية تربة خصبة للظهور والتكاثر.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة