كيف تنشأ المعرفة؟

كيف تنشأ المعرفة أو بكلمة أدق كيف نبني المعرفة؟
الجواب: كما كان تركيب الدماغ، كذلك هي طبيعة المعرفة، أي بالأبعاد الثلاثية، أو لنقل إنها بالعمق والسطح، وهذه تحتاج إلى دورات بحيث تخرج في النهاية نسيجا معرفيا؛ فكما تفعل النساء مع نسج الصوف بإبرتين، بحيث يخرجن في النهاية (الكنزة) أو القميص من صوف يغطي الصدر، فإن المعامل عملت نفس الشيء من أجل إنتاج القماش؛ فثوب القماش هو خيطان متضافرة بالطول والعرض، ولو تمعن أحدنا في القماش للاحظ وجود مثل هذا التضافر من الخيطان.
الآن لنتصور نفس الشيء مع خيطان المعرفة، ولله المثل الأعلى. هذه هي الثقافة، فهي خيطان من معرفة موسوعية، وهذا هو الفرق بين الثقافة والاختصاص، فالطبيب لو بقي في حقل الطب ما أدرك العمق الفلسفي في الطب.
ولكن الاشتغال بحقول معرفية أخرى ـ كما حصل معي ـ جعلني أضع كتابي حوار الطب والفلسفة، أو الوصايا العشر في الجراحة، أو التقدم العلمي والإيمان، أو العصر الجديد للطب فكله جاء من بركة الدراسات الموسوعية المعمقة.
وكما كان الإنسان خليطا من (الغرائز) و(العواطف) و(الأفكار) كذلك كان النسيج الفكري فوجب رفده دوما بما يجعله في أبهى حلة ويحافظ على لمعانه تحت الضوء.
ينقل عن آينشتاين قوله (سلسلة ROROالألمانية): (إن كشف الحقيقة مرة واحدة غير كاف. إنها تشبه تمثال الرخام المنصوب في صحراء تضرب فيها الرياح وتسف الغبار مهددة تمثال الحقيقة بالاختفاء في كثبان رملية لا تنتهي. الأيدي الصبورة الدؤوبة التي تنفض عنه الغبار دوما هي التي تبقيه يلتمع ببهاء تحت ضوء الشمس).
كذلك فإن الحياة ليست طبا وفيزياء فقط بل هي تضافر لكم هائل من الأشياء.
والقرآن يقول عن علم الله أن (عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) ثم ينطلق في الوصف فيقول؛ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.
وهنا نرى تباينات وانطلاقات معرفية منوعة، تنقل الفكر في سباحة من الخيال اللانهائي، دليلا على مصدر الكتاب. وفي هذا جاء شرح جميل ينصح بقراءته في ظلال القرآن عند شرح هذه الآية وإدخال عنصر ميكانيكا الكم في مفهوم العقلية الغيبية والعقلية العلمية.
وهو بحث يحتاج أن تكتب فيه مقالة مستقلة.
ثم إن متعة العلم هي بهذا التشابك المعرفي، وأنا أتفهم ملل الأطباء وأصحاب المهن من عملهم لفقدهم هذا العمق الموسوعي، ولذا جرت عادتي في الاجتماع بصاحب أي فرع معرفي أن أسأله عن فنه؟ فيتعجب ويسترسل، وكان قبل ذلك عييا، بل إنني أحرص على إنطاق كل العقول في المجلس، وتحرير الأتباع من سيطرة قوادهم، فينطلق لسانهم من عقاله.
وهو ما حدث معي في جلسة فكرية في مدينة (بركان) في المغرب، عندما اجتمعنا مع رجل علم فاضل، ولكن لو تركنا له الحبل على الغارب، لاستولى على البحث والحديث والمجلس، وهو مضرة له ولمن جلس معه، كما أن من حسن الضيافة الاستماع للضيف؛ فهذا من الكرم غير المباشر. وهذه أمور تحدث من غير قصد وبنية ممتازة سليمة.
والرجل كما يقول الجاحظ عن (أبي شمرة) أنه كان قد اعتاد على التحدث لقوم لا يناقشونه حتى فاجأه النظّام، فكان إذا تحدث (آلة مسجلة) يتحدث بكلام يخرج من صدع صخرة، ذلك أن فلسفته كانت تقوم على أن الفكرة تؤثر بما فيها من كلمات ومعاني بدون استخدام مؤثرات جانبية بارتفاع طبقة الصوت والانفعال، وحركات الرأس، واليدين، ونبرة الحديث، وقسمات الوجه، فلما بدأ النظام في نقاشه قفز من مجلسه وبدأ يخبط على فخذي النظام، والتلامذة مذهولين من تصرف الشيخ.
وهناك قوم ليس عندهم قدرة الإصغاء، والاستفادة من الآخرين، فوجب إنطاق المجلس، وتحويله إلى نقاش جماعي مفيد، وكان درسا عمليا للجميع.
إذن يجب تأسيس (طبيعة المعرفة) بشكل شامل، مؤسس بالعمق والسطح، فيجب تلقيح الدماغ كما هو في إدخال المواد الأساسية للجسم؛ وهي ستة؛ (الماء) و(البروتينات) و(النشويات) و(الدسم) و(الأملاح والعناصر المعدنية) و(الفيتامينات)، ذلك أن الجسم معظمه ماء، وفي القرآن وجعلنا من الماء كل شيء حي.
أما البروتينات فهي لبناء العضلات، والدسم للشحم في الدماغ، والمعادن للدم، والكربوهيدرات للطاقة مثل السكر والخبز، هذا في العموم.
أما الفيتامينات فهي عناصر بكميات جدا ضئيلة، ولكنها تمنح التوازن للجسم بفعالياته المختلفة، وهي أكثر من عشرة مثل (A,B,C,D,E) ولسنا هنا في شرح درس طبي، أو محاضرة في البيولوجيا، ولكنه تسخير العلوم للعمق الفلسفي للأشياء، فهكذا بنيت الحياة.
وهذا الموضوع شغل عقول فلاسفة اليونان قديما عن طبيعة العالم، ومما يتركب فذهبت مذاهب أن أصل كل شيء هو الماء كما قال به (تاليس B.C 624 – 546)، أو أن أصل كل شيء هو الهواء على مذهب (اناكسامينيس B.C 585 – 528) وكلاهما عاش في القرن الخامس والسادس قبل الميلاد، أما (أناكسيماندر 610 – 546 B.C) فقال إن هناك حقيقة أولية يتشكل منها كل شيء، ويعود كل شيء في النهاية إليها!
أما (Pythagoras فيثاغورس) فهو «أبو الدقة الرياضية» وأن الكون لا يزيد عن لغة أرقام علينا أن نستوعبها بما فيها الشعر والحب والموسيقى! إلا أنه تزلزل حين قال له تلميذه فأين الدقة في الرقم (3.1414141) في العلاقة بين محيط الدائرة والقطر؟ ويقال أن هذا كلف التلميذ حياته!
وهناك من قال بالعناصر الأربعة، أي أن الوجود ـ أي موجود ـ هو في النهاية مزيج من أربعة عناصر هي (الهواء) و(الماء) و(التراب) و(النار) ولكن ديموقريطس قال بالمبدأ الذري فكان سبّاقا في رحلة العقل أكثر من ألفي سنة، حتى أثبت أوتو هان نظريته بإمكانية انشطار الذرة، ومنها جاءت الطاقة والسلاح النووي، إن هذا رزقنا ما له من نفاد.
وذهب (هرقليطس) صاحب مبدأي (الصيرورة) و(الحرب) إلى «أن النار هي الشيء الوحيد الذي لا يتغير»، وعليه فقد ألقى نفسه في النهاية في بركان إتنا وأنهى حياته بشكل درامي ليثبت آرائه بهذه الطريقة الفاجعة.
وبالنسبة لموارد الجسم من الفيتامينات؛ فقد وجد مثلا أن الفيتامين سي (C) يؤدي فقده إلى داء الإسقربوط لدى البحارة الذين لا يأكلون الخضار الطازجة، فتهرّ (تتساقط) الأسنان وتتقرح اللثة، أما الفيتامين دال (D) فهو درع العظام، ونقصه يؤدي لداء الخرع (Rachitis) فتلتوي عظام الصبي بعد استقامة، أما الفيتامين ألف (A) فهو وقاية للعيون ونقصه يؤدي للعمى الليلي، ذلك أننا إذا دخلنا الظلام كما في دخول السينما، اشتغلت آليات جديدة فنرى في الظلام ولكن بعد حوالي ثلاثين أو أربعين ثانية.
ومثل المعادن للجسم هو في الحديد ((Fe فهو للدم مثل الخرسانة المسلحة، حيث توجد ذرة حديد في كل 574 حمضا أمينيا لبناء الهيموغلوبين (خضاب الدم) الذي يحمل الأكسجين لأنسجة البدن وهكذا…
وكذلك حال البناء المعرفي فيجب تغذية النسيج المعرفي بمواد غذائية منوعة. بإدخال الأفكار إلى الدماغ؛ من عشرين حقلا معرفيا ويزيد؛ كما هو في إدخال عشرين حامضا أمينيا يحتاجها البدن لتركيب وبناء نفسه وترميمها، فكما احتاج الجسم إلى الليزين والأرجينين والغوانين والثيمين والسيتوزين والأدنين، كذلك هو بحاجة لفكر التجديد الديني بإشباعه بعلوم شتى ـ وهو منهاج يجب تطبيقه في تعليم طلاب المدارس طبقا عن طبق ـ من الكوسمولوجيا (علم الفلك والفيزياء الكونية) و(التاريخ مع رسم بانوراما عريضة ومختصرة لكل التاريخ البشري) و(الأنثروبولوجيا = علم الأناسة ) وعلم (الألسنيات) وعلم (النفس) و(الفلسفة) و(الفيزياء الذرية) و(قوانين السياسة) و(الاجتماع الإنساني) و(الاقتصاد) و(التسلح) و(علم الأديان المقارن) ووضع دراسة مستفيضة لحقيقة المسيح في التاريخ و(ملفات كهوف كمران) وما هو التلمود؟ وتغطية الثغرات المعرفية في التاريخ كما عن حقبة المماليك والعثمانيين في تاريخ الأمة (كما في كتاب تاريخ الدولة العلية وموسوعة الوردي عن تاريخ العراق الحديث وموسوعة عنان عن المغرب والتاريخ الأندلسي ودولة المرابطين والموحدين).
وإذا كان نقص الحديد يعالج بأكل السبانخ والشوكولاتة مثلا، أو مركبات الحديد المكثفة، كذلك يمكن للثقافة أن تصاب بفقر دم، إذا نقصت الدراسات الفلسفية؛ فوجب رفد الدماغ بالدراسات الفلسفية المعمقة، وهو مشروع اشتغل عليه حاليا بعنوان «الكتاب الفلسفي» في محاولة تبسيط هذا الفن للقراء. كذلك وضعت لهذه القوانين مشروع (قوانين البناء المعرفي) الذي أسرده موسعا مقطعا هنا على أمل خروج كتاب ضخم يجمع كل الأفكار.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة