كَنْبْغِيكْ

كَنْبْغِيكْ

الكثير منا تجاوز مراهقته، تعدى أحلامه الوردية، ونزل من فوق السحابة التي كان يمتطيها، وعرف جيدا بأنها لم تكن لتوصله إلى أيّ مكان، وبأنها وجدت لتمطره فجأة على الأرض.

عندما كنا يافعين كنا نظن أننا حين نكبر سنستطيع فعل أشياء كثيرة، من بينها رفع الظلم الذي يمارسه الأهل علينا؛ لكننا حين كبرنا لم نجدهم أبدا ظالمون، وجدنا بأنهم تعساء وبأننا صرنا – للأسف- مثلهم.

في ماضينا وفي أحايين كثيرة، عشنا سعادة وهمية، ونحن مستلقون على الأرائك، وعيوننا محدقة إلى شاشات التلفزيون ذات الظهر الأحدب، نشاهد الأفلام الأمريكية دون أن نغفل عن متابعة سطور الترجمة، تلك الترجمة التي لا تعني بالضرورة ما كانت تقوله شخصيات الفيلم؛ لأنها كانت مصنوعة خصيصا لنا، لنفهمها كما يرى القائمون على شؤون تلفزيوننا ذلك.. ولم نكن لنهتم بتحريفها من عدمه، ولا بقطع أجزاء مهمة من أحداث الفيلم، خصوصا العاطفية منها؛ فلدينا مخيلة تسمح بتخيل أسوأ مما تم حذفه، وأغلبنا منحرف فكريا.. ولأنهم لم يسمحوا لنا بعيش مراهقتنا كما نحب في الواقع، فلقد عشناها في الخيال كما أردنا لها أن تكون في الحقيقة.

وكنا نحب بقلب مرهف نابض بالإحساس، يخفق بشدة وبعنف، يتركنا ساهرين لأوقات متأخرة، وأحيانا يمنعنا من النوم، وأقصى أمانينا كانت أن نلتقي بمن نحبه كما يفعل البطل والبطلة في الأفلام التي نشاهد.

في حاضرنا، صرنا ناضجين سنا وعقلا. ومن ثم، توقفنا عن ذلك الحب، وربما لم يعد عنيفا كما كان، وخفتت أصوات قلوبنا، وربما ثقلت بالهموم، فصارت تخفق بالكاد لتسمح لنا بالحياة على مضض. شغلتنا أمور أهم، عرفنا أننا كنا نعيش لأنه كان هناك أشخاص غيرنا يحملون الهم بدلنا، يشربون مرارة الواقع ولا يسمحون لنا بتجرعها، يقفون في وجه الرياح حتى لا نشعر بالبرد، ويتلقفون الضربات مكاننا، وكنا نجدهم يحجبون عنا الشمس والهواء؛ لكننا عندما واجهنا الطقس لوحدنا، عرفنا بأنهم تركوا الحب من أجلنا أو ربما حبا فينا، والآن نحن نتركه لآخرين غيرنا.. غدونا مكان الذين حمونا؛ لكننا لا نحس بأن في استطاعتنا حماية غيرنا.

لكن بعضنا ما زال يتوق لذلك القلب والحب، لا يطيق وجوده مقحما في معترك المسؤوليات، لا يتحمل قرارات السياسة ولا سياسات الاقتصاد، يكره رؤية أوراق البنك والفواتير والتأمينات والضرائب، يريد أن يختلي بنفسه كما في الماضي ولا يشغله سوى التطلع إلى صورة الحبيبة التي يستعصي عليه الوصول إليها، يضمها بعشق ويردد في نشوة: “كَنْبْغِيكْ”.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة