CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

لا حل في الحل

مرت أربع سنوات على انتخاب هذه الحكومة. لكن من المؤسف القول إن قطاع التعليم، بالرغم من حيويته بالنسبة لمستقبل هذه الأمة، لم يستفد إطلاقا من التغيرات السياسية التي حدثت في 2011. فبدل تعزيز التوجهات التي تحققت إبان عشرية الإصلاح وما بعدها، والعمل على تجاوز الأخطاء، فإن ما حملته هذه الحكومة منذ مجيئها يعطي الأدلة تلو الأخرى على أنها لا تملك أدنى فكرة عما يحدث في قطاعي التعليم العالي والمدرسي، فبالأحرى أن تملك رؤية مستقبلية عنهما. فما نراه الآن هو وجود مقاربتين متناقضتين تماما تقلبان كل المعادلة التي كانت سائدة في عقود ما بعد الاستقلال، عندما كانت المعارضة تطالب بإصلاح المدرسة العمومية وكان النظام يسعى إلى خوصصتها، والدليل على ذلك هو رفض المغفور له الحسن الثاني لتقرير اللجنة الاستشارية الأولى حول التعليم، والتي طالبت بتعزيز مكانة المدرسة العمومية. أما الآن، فإن الملك محمد السادس ما فتئ يعلن تشبثه بإصلاح التعليم العمومي، في حين تسعى الحكومة «المنتخبة» جاهدة لخوصصته.. إنها مفارقة تحتاج للضمائر الحية لفهم معانيها.
فإذا عدنا إلى خطابي غشت 2013 والعرش 2015، سنجد الملك محمد السادس يفتخر بكونه خريج المدرسة والجامعة العموميتين. لكن بعد أشهر قليلة من حديث الملك بفخر عن كلية الحقوق بالرباط، كان وزير القطاع، لحسن الداودي، يضرب أخماسا في أسداس ليدعم الجامعات الدولية الخاصة، بل وقام مرارا بزيارتها بدون مناسبات ليبشرها بامتيازات منها حل مشكلة المعادلة، وقرار «سعادته» إجبار رؤساء الجامعات العمومية على توقيع الشهادات التي تمنحها هذه الجامعات بالرغم من لا قانونية توقيع كهذا، وهذا قرار موثق بالصوت والصورة. بل وعمل على تضمين هذه الامتيازات في مشروعه لتعديل القانون المنظم لقطاع التعليم العالي. والعجيب أنه بالرغم من كل اعتراضات المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الذي أكد في تقريره ضرورة تعزيز مكانة الجامعة العمومية، فإن الوزير «الإسلامي جدا» تحدى المجلس وقرر أن يعرض مشروعه الذي يهدم الجامعة العمومية لصالح القطاع الخاص على البرلمان، ليتم تمريره بـ«الديمقراطية العددية».
إذن نحن أمام إرادة ملكية مؤمنة بالجامعة العمومية في مقابل إرادة حكومية تعتبر الجامعة عبئا، لكونها تخرج عاطلين يعتبرون «خطرا على المجتمع» كما قال الداودي مرارا. وبدل أن يجد حلا لهذه المشكلة، فإنه اختار أن يجد حلا فقط للأغنياء الذين لا يضيرهم أن يدرسوا في المريخ. والأكثر من هذا هو شق نقابة التعليم العالي في أول خطوة من نوعها منذ الاستقلال لتمرير هذه الرؤية اللاوطنية واللاشعبية.. وطبعا بعد شهر من الآن، سيجد الداودي ومن والاه أنفسهم مضطرين ليستعينوا بطلبة الجامعات العمومية ذاتها في حملاتهم الانتخابية.
الأمر نفسه يحدث في قطاع التعليم المدرسي، فالملك جدد في خطابه الأخير إيمانه بالمدرسة العمومية، وانتقد المزايدات التي ترهن قضيتي التكوين المهني ولغات التدريس، بشكل أعطى الحظوة لمدارس البعثات الأجنبية والقطاع الخاص.
إذن في مقابل هذا، نجد أن رئيس الحكومة ما فتئ يعلن عن موقفه الصريح بكون التعليم والصحة عبئان على الدولة. وهذا أيضا موثق بالصوت والصورة. ولن يجد المغربي أي صعوبة في فهم علاقة هذا الموقف بإملاءات صندوق البنك الدولي. أما ما يثبت أن رئيس الحكومة «صادق» فعلا في تخليه عن المدرسة العمومية، فهو جملة قرارات ومراسيم تم تمريرها ضدا على مستقبل القطاع، كان آخرها عدم القدرة على حل مشكلة المناصب المالية التي يحتاجها القطاع،.. بالرغم من أسطورة «الانسجام الحكومي»، بشكل اضطرت معه الحكومة إلى تهريب مرسوم يفصل التوظيف عن التكوين، دون حتى مناقشته مع الفرقاء الاجتماعيين أو حتى تبريره كما يتم عادة، وكأن مشكلة توظيف الموارد البشرية التي يحتاجها قطاع التعليم مجرد عبء تم التخلص منه. كل هذا والأرقام التي يملكها رئيس الحكومة تؤكد الخصاص المهول الذي بات يعانيه القطاع بسبب تزايد التمدرس في مقابل الارتفاع الكبير لنساء ورجال التعليم الذين تمت إحالتهم على التقاعد.
نحن إذن أمام مقاربتين كما قلنا: الحكومة «المنتخبة» تدعم القطاع الخاص، والملك يدعم المدرسة والجامعة العموميتين. فهل يحتاج فرق بهذا الوضوح ليكون خوفنا من المستقبل مشروعا في ظل هذه الحكومة؟

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة