لا رأي لمن لا نقابة له (2/1)

لا رأي لمن لا نقابة له (2/1)

يحسب لوزير التعليم السابق، محمد الوفا، تدبيره لملفين على الأقل.
أولهما تعامله مع النقابات وفق حجمها الطبيعي في الميدان، خاصة بعد ظهور عشرات الفئات التي انتظمت في تنسيقيات لها استقلال مطلبي ونضالي خارج ما يعرف ب«النقابات الأكثر تمثيلية»، وثانيهما تعامله الصارم مع لوبيات المدارس الخصوصية والمنتظمين ضمن إطارات يقولون عنها إنها تدافع عن حقوقهم في حين أنهم هم من «يغمق» على حقوق الآخرين.
إذ يكفي أن نقول إن الاستثمار في التعليم الخصوصي تحديدا هو من أكثر القطاعات الاستثمارية ربحا، بل «كلُّو رباح»، إذ يكفي أن يكتري شخص ما طابقا في منزل أو عمارة معدة أصلا للسكن، و«يجتهد» في رسم «نونوسات» وبعض الحيوانات على الجدران، لتتحول بقدرة «دهن السير يسير» في النيابات التعليمية إلى مدرسة خاصة.
أما من يسمون في هذه المدارس الخصوصية «أساتذة» فهم عبارة عن مجازين يوقعون على أوراق تؤكد على حصولهم على رواتب محترمة، في حين لا يتعدى رابتهم الأصلي ألفي درهم، يقومون في مقابلها بأعمال «التدريس» والكنس وإيصال التلاميذ إلى ذويهم.
بل إن من بين هؤلاء «الأساتذة» من حصل على هذا العمل بعد «طلع وهبط» من وإلى «الأنابيك»، وهي مؤسسة عمومية «يا حسرة» استطاعت أن تكيف كل قوانين الشغل الجاري بها العمل في البلد، واخترعت شيئا اسمه «تعاقد الأنابيك»، أي تعاقد يعطي كل الحق للمشغل، والذي هو هنا صاحب المدرسة الخاصة الحق في طرد «الأستاذ» لتناقص أدائه، دون أي التزام اجتماعي، وهوما سنأتي على شرحه.
محمد الوفا إذن، فطن إلى أن النقابات مقاولات للمتاجرة بالملفات، وكان لا يتردد في التصريح بذلك في وجوههم «فاص أفاص»، ولأن النقابة في المغرب تعني أساسا مصالح شخصية وفئوية لعشرات المتفرغين النقابين «الخبراء» في فن التفاوض و«التنوعير»، فإن الوزير السابق كان يتخذ قرارات فردية حتى دون الاستعانة بديوان كما هو جاري به العمل في تقاليد العمل الوزاري، وهو ما دفع نقابة محمد يتيم أواخر السنة الماضية إلى وصف الوفا بالديكتاتور الذي أرجع القطاع إلى سنوات الرصاص.
وفعلا كان الوفا لا يستشير إلا نفسه، و«نتا وزهرك معاه»، لكن من حسناته أنه فطن إلى أن مفهوم الإشراك كما تفهمه النقابات يعني «عطيني نعطيك»، مثلما حدث مؤخرا في المشكلة التي نشبت بين الوزير بلمختار ونقابة محمد يتيم، عندما حاولت هذه الأخيرة «تحفيظ» ملف الأساتذة أصحاب الشهادات باسمها، لكون هؤلاء الأساتذة انتظموا في تنسيقية لا تعترف بأي نقابة، ونظرا لكون قضيتهم أضحت قضية رأي عام بسبب التعنيف الذي تعرضوا له في الشارع العام بعلم من بنكيران ووزيره السابق في الداخلية امحند العنصر، فإن النقابة رأت في هذه التنسيقية التي يبلغ عدد منخرطيها أكثر من ستة آلاف أستاذ وأستاذة، «دجاجة بكمونها»، لذلك سارعت النقابة مباشرة بعد لقاء مع الوزير بلمختار إلى إخراج بيان قدمته على أنه فتح مبين، تبشر فيه الرأي العام التعليمي بكونها وجدت الحل، والذي بموجبه سيتم إلغاء الإجراءات القانونية المتخذة في حق المئات من هؤلاء.
غير أن المفاجأة ستأتي مباشرة بعد أيام، إذ أصدرت الوزارة بلاغا تكذب فيه كل ما قالته نقابة العدالة والتنمية، مؤكدة استمرار الإجراءات المتخذة في حق المضربين، والمتمثلة في عزل العشرات من هؤلاء المضربين والاقتطاع من رواتب المئات.
ونظرا للحرج الكبير الذي شعر به إخوان يتيم، فقد أصدروا بيانا آخر يتهمون فيه جهات معينة في الوزارة، ويقصدون تحديدا الكاتب العام للوزارة ب«تسميم» علاقتهم بالوزير بلمختار، مستغلين سفره لأمريكا للعلاج، معتقدين أنهم بهذا قد وجدوا حلا، إذ حاولوا تبرئة الوزير بصفته عضوا في حكومة يرأسونها، وهذا أمر مطلوب في نظرهم حتى لا يحرجوا رئيس الحكومة، وفي نفس الوقت لابد من الظهور بمظهر الضحية.
لكن بلمختار فطن للأمر فأصدر بلاغا يؤكد فيه أنه هو من وقع البلاغ، ولا يمكن للكاتب العام مهما كانت سلطته أن يتطاول على أمر كهذا، بمعنى أن الوزير بلمختار اختار مساندة الكاتب العام لوزارته، وإن اتهم هو شخصيا ب«الالتفاف» على بنود الاتفاق.
بعد هذه المناورة الفاشلة، وبعد أقل من شهر، شن بلمختار هجوما مضادا، فك به الارتباط بينه وبين الحكومة نهائيا، وطلقها طلاقا لا رجعة فيه، وهذه المرة أمام نواب الأمة في لجنة التعليم بمجلس النواب. فالرجل الذي تبدو عليه علامات المرض، بدليل أن أغلب تساؤلات أعضاء اللجنة كان يجيب عنها مسؤولون نيابة عنه، اختار أن يجيب بنفسه على سؤال لبرلمانية اتحادية حول المسؤولية السياسية لوزير تكنوقراطي، رأى أنه حان التوقيت المناسب لكي «يرد الصرف» لنواب العدالة والتنمية أمام خصومهم من الاستقلاليين والاتحاديين و«الباميين»، معلنا أنه في مهمة ملكية وأنه غير معني بما يشغلهم من هموم انتخابية، وأن السياسة الإصلاحية القادمة سيحسم فيها هو شخصيا بالتعاون مع المجلس الأعلى للتعليم.
مما يعني أن التعليم أضحى منذ تعيينه على رأسه قطاعا لا يعني الحكومة بشيء، وبهذا فك الارتباط ليس فقط مع الحكومة، بل أيضا مع نقابة العدالة والتنمية التي فضلت المساندة المطلقة للحكومة مهما كانت أخطاؤها، وبهذا فقد أعفاها من حرج مساندته لأنه «بالعربية تاعربات»، هو ليس عضوا في الحكومة، وأن بنكيران ليس هو من يقف وراء تعيينه، وبالتالي فمسألة مساندة النقابة له أمر لا يعنيه.
وطبعا ابتلع نواب العدالة والتنمية ألسنتهم، وصمت نقابيو الحزب عن «الكلام المباح»، فالانتماء إلى الحكومة يقتضي في عرفهم هذا النوع من الصمت الغريب، لذلك ففي قلوبهم حنق كبير على هذا الوزير الذي تجاوز الخطوط الحمراء التي كان يَعْبُرها كل مرة سلفه محمد الوفا، والذي بالرغم من تجرئه على النقابات فإنه كان حريصا على صورة الحكومة، بينما بلمختار قلب الطاولة على الحكومة والأحزاب والنقابات. من هنا فأدق تعبير يصدق على علاقة نقابيي العدالة والتنمية ببلمختار هو قوله تعالى في سورة هود «قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز» ‏.
فالتعليم إذن شهد في عهد الحكومة لحظتين فارقتين، لرجلين بمزاجين وشخصيتين مختلفتين، رجل يطير من «المقلة»، ورجل «ثقيل» ومريض. الوفا بسبب سنواته الطويلة في العمل الدبلوماسي تعلم أن لا يضع ثقته في أحد، لذلك فقد جمع كل الصلاحيات في يده، وما من ملف مهما صغر إلا ويمر على مكتبه، ولكنه في نفس الوقت لا يملك أدنى فكرة عن إصلاح التعليم.
وفي المقابل نجد بلمختار الذي أعاد الوزارة إلى نقطة الصفر، أي إلى التسعينات. ولعل مدحه في إحدى مداخلاته بمناسبة تنظيم ندوة حول التربية غير النظامية للوزير الأول الراحل عبد اللطيف الفيلالي خير دليل على ذلك.
لذلك فقد تنازل عن مجموعة من صلاحياته وفوضها إلى مسؤولين صغار، مؤكدا أن وضع سياسة لإصلاح التعليم هو الأساس أما التدبير فلا يعنيه، ولمن يريد أن يعرف الفرق، وارتباطا بمسألة النقابات تحديدا، فإن الأخيرة تفضل كثيرا بلمختار، لأن تفويض صلاحيات إدارية من قبيل الانتقالات والتكليفات وتغيير الإطار وغيرها للمسؤولين الصغار في النيابات والأكاديميات معناه أن النقابات ستحصل على «الأدوات» التي ستمكنها من ممارسة لعبتها في «عطيني نعطيك» مرة أخرى مع النواب ومديري الأكاديميات، بعد أن حرمها الوفا من ذلك. خصوصا أن الثقافة التي تتحكم في أغلب النواب ومديري الأكاديميات هي أن الأهم هو ألا «تقف» نقابة أمام النيابة أو الأكاديمية في وقفة احتجاجية، إذ أن ذلك لا يخدم صورتها عند المسؤولين المركزيين، لذلك فإن كان تنقيل زوجة «مناضل» أو تكليف «مناضلة» بالعمل في المكتبة بدل العمل في القسم سيعني شراء الصمت، فإنهم مستعدون دوما لإجراء كهذا، وطبعا «من لا نقابة له لا حق له».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *