لا غلا على وزير 1.2

 

 

في قضية سلام وزير التعليم على الملك انشغلت التعليقات بطريقة انحناءة الوزير المبالغ فيها، بينما لا أحد تقريبا اهتم بالجانب الأهم في موضوع تعيين هذا الأستاذ وزيرا للتعليم.

فهذا الفرانكفوني النشيط في جمعية آباء تلاميذ ثانوية ديكارت، لكون أبنائه جميعهم درسوا هناك، سيكون عليه، وهو الذي لا يؤمن إطلاقا، مثل كثير من المسؤولين العموميين، بالتعليم العمومي، أن يصلح حال المدارس التي يدرس بها سبعة ملايين طفل من أبناء الشعب، بل إن كاتب الدولة المكلف بالتكوين المهني الجديد هو أيضا خريج مدارس البعثات بالقنيطرة.

هذا المشهد يتيح فرصة لمساءلة وضع مدارس هذه البعثات، والتي يعد وضعها في المغرب كافيا لنعرف عمق الأزمة التي يتخبط فيها التعليم عندنا، ومعيار الفشل يظهر جليا في فشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق أحد المبادئ الرئيسية في كل تعليم حديث وهو مبدأ التوحيد.

فنحن أمام ثلاثة أنواع من أنواع التعليم بالمغرب، لدينا مدارس البعثات الأجنبية، والتي تتطلب مصاريف قد تصل إلى 10 ملايين سنتيم سنويا، وهذا ليس في متناول الجميع طبعا، مما يجعله متاحا فقط للطبقات الغنية وكبار موظفي الدولة، ثم لدينا مدارس القطاع الخاص، ثم أخيرا المدارس العمومية.

المصيبة هنا، أن الحكومات السابقة، بما في ذلك حكومتا «الباجدة»، كانت واعية جدا بهذه الطبقية، وحرصت على ضمان بقائها باسم ليبيرالية الدولة.

فمدارس البعثات الفرنسية لا تجسد فقط أزمة التعليم بالمغرب، بل وتجسد عقدة النقص التي تلازمنا كمغاربة أمام كل ما هو فرنسي، فكل من تعامل مع هذه المدارس سيكتشف أنها تتعامل بعنجهية صادمة، حيث إن أية مناقشة أو تعليق على أحد المصاريف أو على مادة دراسية في البرنامج الدراسي يصدر عن أي أب قد يكلفه طرد ابنه دون رحمة، لكونها تستغل الحماية التي تكفلها لها السفارة الفرنسية لوضع قوانين لا نجدها في الأراضي الفرنسية نفسها، من قبيل إجراء امتحانات للانتقاء قبيل القبول بتسجيل الأطفال، وغالبا ما يتم اختيار الأطفال المجتهدين والذين لا يعانون من أية مشاكل نفسية أو سلوكية أو عائلية، ومن الطبيعي جدا أن تكون النتائج جيدة جدا. فالوجه الأول لوظيفة هذه المدارس هو أنه يتيح لفرنسا نخبة تمثل ثقافتها وتدافع عن مصالحها في دواليب الدولة المغربية، وهذا وجه يعرفه الجميع، لكن الوجه الخفي هو البعد الاستثماري لهذه المدارس.

لقد بدأت فرنسا في السنوات الأخيرة تقلل تدريجيا من دعمها المالي لهذه المدارس، في مقابل رفع مصاريف التدريس بها، بل إنها هذه السنة سحبت أغلب المدرسين الفرنسيين بها وعوضتهم بمدرسين مغاربة، بعضهم يتلقى راتبه من الميزانية العامة للدولة المغربية، أي أن هذه المدارس أضحت مدارس استثمارية خالصة، لكنها لا تدفع أية ضرائب للدولة المغربية لكونها خاضعة لقوانين ديبلوماسية دولية، وبرامجها التعليمية تراقبها وكالة تابعة مباشرة لوزارة الخارجية، مما يعني أن الجغرافيا هي وحدها ما يجمعها بالمغرب.

هذا الوضع غير العادي جعل الأسر تقع تحت رحمة إداراتها، وعشرات الأطفال يطردون سنويا من هذه المدارس لكون آبائهم احتجوا على قرارات صدرت عنها، لكون إداراتها تتعامل بتعال لا يمكن تصوره مع المغاربة. فالذي يحدث حقيقة هو أن الدولة الفرنسية تستثمر، باسم التعاون الثقافي، في أزمة التعليم المغربي، بدليل أن فرنسا استفادت رسميا السنة الماضية من مبلغ يصل إلى مليار أورو من هذه المدارس، ومن مصاريف تسجيل المغاربة الذين يتخرجون منها في المدارس العليا على أراضيها، إذ ما بين 2009 و2012 تم تسجيل ارتفاع بنسبة 40 في المائة في هذه المصاريف، ليصل هذه السنة إلى 70 في المائة في ظرف أقل من عشر سنوات.

الوضع الغرائبي هنا، هو أن جميع مسؤولي وزارة التعليم، وبدون استثناء درسوا ويدرسون أبناءهم هناك، ولكي يكتمل المشهد ها هو الوزير الجديد وكاتب الدولة في القطاع نفسه يدرسان أبناءهما هناك، حيث تداول الجميع فور تعيين أمزازي فيديو لمشاركته عندما كان رئيسا لجامعة محمد الخامس بالرباط في وقفة احتجاجية نظمها آباء وأولياء التلاميذ الذين يتابعون دراستهم بمؤسسة «ديكارت» التابعة للبعثة الفرنسية، وسبب الاحتجاج هو رفض قرار المؤسسة رفع رسوم تمدرس بناته الثلاث، حسب ما صرح به لوكالة الأنباء الفرنسية بصفته عضوا في جمعية آباء وأولياء التلاميذ بالمدرسة ذاتها، حيث ارتفع مبلغ الرسوم إلى 3000 أورو عن كل دورة، أي 9000 أورو خلال كل سنة دراسية، وهو ما يعادل مبلغ 90 ألف درهم. والسؤال هو إذا كان رئيس جامعة، يتقاضى 50 ألف درهم شهريا، دون الحديث عن التعويضات عن الاجتماعات الوزارية التي يحضرها واللجان التي يتم تعيينه فيها بصفته رئيسا لجامعة، إذا كان يحتج على رفع رسوم تسجيل بألف أو ألفي درهم، فماذا عسى يقول آباء لا يتجاوز راتبهم الشهري هذا المبلغ؟

الغريب أيضا، هو أن سعيد أمزازي الذي خرج للاحتجاج على رفع رسوم تدريس بناته، هو نفسه من اتخذ قرارا هو الأول من نوعه، وبدعم معلن من صديقه لحسن الداودي، يتمثل في إلغاء مجانية التعليم في جامعته، حيث فرض على الموظفين رسوما لمتابعة الدراسة في سلك الإجازة 4000 درهم عن كل سنة، وفي سلك الماستر 20000 درهم عن كل سنة، أما في سلك الدكتوراه فـ10000 درهم عن كل سنة.

وبالتالي فهو أول مسؤول ضرب مجانية التعليم، ورغم حكم المحكمة الإدارية بعدم قانونيته، فإن السيد الوزير الجديد فهم بسرعة أننا نعيش في بلد لا شيء فيه يجبره على تطبيق القانون، فقرر عدم الامتثال لحكم المحكمة، ولنا أن نتصور ما سيقوم به عندما ستخرج الحكومة رسميا القانون- الإطار المثير للجدل، والذي سيطوي رسميا صفحة المجانية في التعليمين العالي والثانوي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.