لا فرق بين «الشوافات» و«السكانير»

رغب مسؤول مغربي في تلطيف الأجواء وتنحية الحواجز، وفاجأ طبيبا أجنبيا كان يهم بتشخيص وضعه الصحي، بعد وعكة ألمت به، بأن قال له: إن المغاربة استبقوا أجهزة الكشف المتطورة ذات الأشعة، من خلال استخدام طرائق تقليدية في تشخيص الحالات الصحية وقراءة المستقبل.
كان الطبيب يعرف أن قراءة الكف والفناجين ظاهرة اجتماعية كونية، تلتقي عندها ثقافات شعبية، لا فرق بين الدول المتقدمة وتلك السائرة في طريق النمو، كي لا نقول المتخلفة. ولم يكن قادرا على تصورها تنوب عن آخر الاختراعات العلمية في ميدان الطب التي سبق إليها فلاسفة عرب، بما في ذلك علم الجراحة، كما عند ابن سينا.. لكنه تجنب إشعار زبونه بأي حرج. فالضالعون في الطب يفاجئهم أيضا غدر المرض، وبالأحرى الذين لا يعرفون من قواعده إلا الحكمة التي تتحدث عن التاج الذي يكون على رؤوس الأصحاء ولا يراه إلا المرضى.
تأمل الطبيب في وجه مريضه، إن كانت درجة حرارة جسمه ارتفعت إلى فوق ما لا يطاق، فوجدها في حدها الذي لا يبعث على القلق. جالت في ذهنه فكرة أن الحاجة سيدة الاختراع، ولم يدعه مريضه في حيرته، فعالجه قائلا: إن لدينا في المغرب «شوافات» يستقرئن ما هو أبعد من العلم ومن المستقبل. فأدرك قصده مستعينا بمقولة إن عجز العلم تنتج عنه سطوة الغيب. وكل ما هو غيب في الأسرار الكامنة حول عظمة الكون من علم خالقه سبحانه.
لم يكن وضع المسؤول المغربي، بدرجة وزير، يسمح له بزيارة «الشوافات»، ولا كانت حالته الصحية تدعو إلى البأس. فثمة من استبدل تناول العقاقير والأدوية المصنعة بوصفات الأعشاب الخالية من تركيبات كيماوية. إلا أن اللجوء إلى التداوي بالأعشاب شيء والاستسلام لقارئات الفأل والحظوظ شيء آخر. فمن كان فأله حسنا يهجر إليه، ومن كان نحسا أو تردداً يهرب منه. فالسلوك الإنساني طقوس قبل أن يكون تمرسا وعبرة.
تنطبق القناعة على الصحة والسياسة وأنواع المعاكسات، لذا فقد استعمل الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي القول: «كلها وربه»، يوم كان ملحقا عسكريا في سفارة بلاده في الرباط. فقد تعرض منزله للسرقة، وارتاب في إحدى الخادمات التي استدعيت للاستنطاق. وبعد أن تبين رجال الضابطة القضائية براءتها، سألوه إن كانت تراوده شكوك في غيرها، أجاب بأنه ليس منجما ولا يقرأ في الطالع، وعلى أي حال فالسارق أو السارقة لابد أن يواجها مصيرهما في يوم آخر و«كلها وربه». ما حذا إلى حفظ الملف في انتظار ظهور دلائل جديدة، لن يكون الملحق العسكري في حاجة لمن يذكره بها، وقد أصبح رئيسا ثم لاجئا من طراز فريد رحل على متن طائرة رئاسية، وليس كما يفعل اللاجئون هروبا من جحيم سوريا والعراق وليبيا.
لا أحد يدري أي حدس أوعز إليه باتهام الخادمة. إلا أن وقائع استقصاء ما تقوله «الشوافات» تحيل على تقديم أوصاف وعلامات تصادف مكامن في عقول ووجدان قاصديها. إن كانت امرأة تتحدث «الشوافة» لغة الغائب عن صديقتها التي تحسدها، كلما اقتنت فستانا جميلا، أو أقامت حفلا رائعا. وإن كانت أوفت سن الزواج تقدم لها الموضوع في صورة من تنافسها في الاستحواذ على قلب فارس العمر والحلم. وهكذا دواليك..
من «الشوافات» و«الشوافين» من يتعدى حدود التكهن بالسرقات إلى تشخيص الداء الذي ينخر الأجساد. فهؤلاء يصبحون محققين وأطباء وأجهزة «سكانير» في غفلة من المدرسة وكشوفات العلم الحديث. غير أن الطبيب الأجنبي الذي كان يعرف مخاوف الوزير من المرض، طمأنه إلى أنه بالنظر إلى عمره وتجربته، ومغامراته في الاقتراب من المحظورات، فهو لا يشتكي من شيء. أما أعراض التعب فهي للاستدلال على قدرة جسمه على المقاومة.
بدأت بالمقارنة بين «الشوافات» وجهاز «السكانير»، وأواصل مع ألاعيب سحرة لا يربط بعضهم بعالم السحر إلا الخير والإحسان، فقد توجه الكاتب المسرحي أحمد الطيب العلج إلى مطعم بلدي، على غرار لجوء الشاعر المراكشي محمد بن إبراهيم إلى «الفندق البلدي» الذي هجاه بأقسى النعوت.. وما إن استوى رفقة أعضاء من مجموعته المسرحية، وطلب ما تشتهيه النفس من ملذات المطبخ المصري، حتى جاءه صاحب المطعم متوددا.
رأى في شكله وملابسه أنه فقيه ساحر، وهمس في أذنه أن لا حياء في الدين، وأنه يعاني من بعض الوهن. صاح العلج إن دواءك موجود. وطلب إحضار فراخ أصر على حشوها بتوابل ساخنة وكثير من اللوز. ثم أمسك بورقة وشرع يكتب خربشات، ثم قال لصاحب المطعم: عليك أن تأكل الفراخ بعد أن تضع يدك على صدرك وتتمنى ما تريد.
عاد العلج مرة ثانية إلى المطعم، فأبلغه صاحبه أن حاجته قضيت، وقدم له وجبات رفقة ممثلين رفض أن يأخذ مقابلها من الجنيه المصري. فقد مثل الكاتب دور الساحر وأفلح في إقناع صاحب المطعم بأن السحرة يشقون عباب البحار.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة