لا لتزييف التاريخ

لا لتزييف التاريخ

أعطى جورج بنسوسان، المؤرخ المتخصص في تاريخ يهود أوربا الشرقية، حوارا لمجلة لوبوان الفرنسية قال فيه إنه إذا كان اليهود قد غادروا المغرب جماعيا فلأنهم كانوا خائفين.
وأضاف أن تسامح الإسلام ليس سوى أسطورة، والدليل هو معاناة اليهود في بلدان الإسلام.
بنسوسان معه حق، فاليهود المغاربة الذين هاجروا جماعة نحو فلسطين كانوا فعلا خائفين، بل كانوا مرعوبين.
لكن السيد سوسان عندما يتحدث عن الرعب الذي دفع اليهود المغاربة لركوب البواخر نحو فلسطين لا يقول لنا سوى نصف الحقيقة، والنصف الثاني يمكن أن نلخصه في سؤال بسيط هو “مناش كانو خايفين” ؟
الجواب هو الإرهاب. نعم الإرهاب. ولعل أكبر ضحايا تقنية الترهيب، التي نظمها جهاز الموساد هم اليهود المغاربة الذين كانوا يعيشون لقرون طويلة إلى جانب المسلمين المغاربة، إلى أن جاء وعد بلفور المشؤوم وقررت بريطانيا إعطاء فلسطين لليهود لكي ينشئوا فوق أرضها دولتهم.
وهكذا بدأت وكالة التهجير اليهودية تأتي باليهود إلى فلسطين من مختلف بقاع العالم. وبما أن اليهود المغاربة كانوا يشكلون النسبة الغالبة من اليهود المنتشرين عبر العالم، فقد قررت الوكالة اليهودية للتهجير تنظيم أكبر عملية تهجير لليهود في تاريخها من المغرب باتجاه فلسطين.
وبما أن نسبة كبيرة من اليهود المغاربة لم يكونوا يتصورون أنفسهم قادرين على العيش في مكان آخر غير المغرب، فقد رفضوا فكرة التهجير وتشبثوا ببلدهم، ولذلك فقد كان ضروريا أن تلجأ الوكالة إلى أسلوب الترهيب لدفع هؤلاء اليهود المغاربة إلى مغادرة المغرب، تماما مثلما تفعل وسائل الإعلام الفرنسية اليوم لتخويف اليهود الفرنسيين من البقاء في فرنسا بسبب العمليات الإرهابية التي يسمونها إسلامية.
وهكذا نظمت الموساد بواسطة مليشيات مدربة مذابح بشعة داخل ملاحات اليهود، خصوصا في وجدة التي شهد ملاحها مجزرة رهيبة تم إلصاقها بالمسلمين المغاربة بدعوى انتقامهم لأرواح الفلسطينيين الذين سقطوا في المذابح التي قامت بها عصابات يهودية ضد قراهم.
وبالموازاة مع ذلك، تم دس مناشير تحت أبواب بيوت اليهود المغاربة تنصحهم بمغادرة المغرب حرصا على حياتهم وحياة أبنائهم.
وهكذا، نجحت خطة الترهيب وتم تهجير عشرات الآلاف من اليهود المغاربة إلى فلسطين، والذين تحول أبناؤهم في ما بعد إلى اليهود الأكثر شراسة في معاداة العرب والمسلمين داخل إسرائيل.
ومن نسل هؤلاء اليهود المغاربة خرج وزراء وقادة في الجيش وكتاب وصحافيون يقررون في سياسة إسرائيل تجاه العالم.
وبعد نجاحها في تهجير اليهود العرب نحو إسرائيل، يتكرر السيناريو نفسه اليوم من أجل تهجير المسيحيين العرب من الدول العربية نحو أوربا المسيحية، والهدف هو إظهار الإسلام أمام العالم كدين لا يقبل أن تتعايش معه الديانات الأخرى بسبب جذور العنف الراسخة فيه، كما كتب بابا الفاتيكان السابق بندكتوس في كتابه “أنوار العالم”.
إن التاريخ يشهد للإسلام بعظمته وقدرته على احتضان الديانات السماوية الأخرى، والدليل على ذلك أن القرون الثمانية التي ساد فيها الإسلام في الأندلس عرفت احتضان الإسلام لليهود والمسيحيين فوق أرض واحدة.
وكان المسجد يجاور الكنيسة المسيحية والدير اليهودي في قرطبة وإشبيلية وطليطلة.
وبمجرد ما أحكمت الكنيسة الكاثوليكية سيطرتها على الأندلس طردت المسلمين وأتبعتهم باليهود، بمن فيهم الذين تخلوا عن يهوديتهم واعتنقوا المسيحية، فلم يجد اليهود من ملجأ يأوون إليه هربا من بطش الكنيسة إلا حضن الإسلام في بلاد المغرب.
ويشهد التاريخ على عظمة الإسلام وروعته وإنسانيته عندما استرجع صلاح الدين الأيوبي القدس، فخير المسيحيين واليهود بين الاستمرار في العيش مع المسلمين في المدينة نفسها أو جمع ممتلكاتهم والرحيل بسلام، مع أن المسيحيين عندما سقطت القدس تحت أيديهم نهبوا المدينة وعلقوا رؤوس المسلمين على أبوابها واغتصبوا النساء وطهوا الأطفال الصغار في القدور لترهيب سكان المدن المجاورة ودفعهم إلى الاستسلام بدون مقاومة، وهذا ما حصل بالفعل.
لذلك فما قاله جورج بنسوسان حول تحمل المسلمين والإسلام للمعاناة التي عاشها اليهود هو كلام يزيف الحقيقة التاريخية ويشبه ما قاله نتانياهو حول تحريض مفتي القدس لهتلر على حرق اليهود، وللرد على هذين الاتهامين تكفي العودة إلى التاريخ والتساؤل مع أصحاب هذه النظرية هل المسلمون هم من حرض الملك البريطاني إدوارد الأول سنة 1298 لكي يأمر بطرد اليهود من جميع البلاد البريطانية وأطلق يد مواطنيه لكي يفتكوا بهم بتهمتي الخيانة والغدر ؟
هل المسلمون هم من حرض الملك الفرنسي لويس التاسع على اضطهادهم، وهل هم من أوحى إلى الملك فيليب سنة 1307 بطردهم من أرضه ؟
وهل المسلمون هم من أوحى لباباوات الكنسية بمهاجمة اليهود في إيطاليا وطردهم سنة 1540 من البلاد ؟
وهل مفتي القدس هو من حرض القياصرة النصارى الروس على قتل اليهود بالآلاف سنة 1880 وبعدها ؟
وحتى قبل ظهور المسيحية والإسلام، من أوحى للقائد الروماني تيتوس لمحاصرة يهود القدس عندما ثاروا ضد الحكم الروماني فدمر بيوتهم وشتتهم وأخذهم عبيدا يباعون في روما، وبعدها تشتتوا على العالم في ما يعرف بعصر الشتات ؟
إن الغاية من إلصاق تهمة التسبب في عذابات اليهود بالإسلام والمسلمين له هدف واحد هو شيطنة هذا الدين العظيم وإلصاق تهمة الإرهاب به، والحال أنه دين يدعو إلى السلم والمحبة والتعايش.
ولعل أكبر دين تورط في الإرهاب والمذابح هو المسيحية تحديدا، وخلال العشرين قرنا الماضية تم باسم المسيحية ذبح ملايين الضحايا، فالمسيحية وكتب الإنجيل كما هي محرفة كانت معادية للسامية إلى غاية انعقاد مجلس الفاتيكان الثاني بعد المحرقة النازية.
والمسيحية استخدمت الإنجيل لتبرير العبودية إلى غاية إدانتها من طرف البابا غريغوار سنة 1839.
وباسم الحرب على الهرطقة، دفعت الكنيسة كذلك إلى إلغاء منظومة المعتقدات التي لا تتوافق مع رؤيتها المسيحية منذ عهد الإمبراطور “كونستنتان”، والحصيلة فاقت ملايين الضحايا خلال 20 قرنا.
أما الحروب الصليبية التي أطلقها البابوات فقد سقط ضحيتها مئات الآلاف من المسلمين على امتداد قرنين.
و”الحروب المقدسة” التي شنها المسيحيون طالت أيضا شعوبا فرنسية كشعب الكاتار والألبيين والفودوا، سقط على إثرها آلاف الضحايا، خلال قرن من الزمن.
وخلال محاكم التفتيش التي أقامتها الكنيسة تعرض آلاف الأبرياء للتعذيب والحرق أحياء، على امتداد 6 قرون. والمسيحيون عذبوا وأحرقوا أيضا 100 ألف امرأة، لقرنين من الزمن، في ما يعرف بمطاردة الساحرات.
وعندما اقتتل الكاثوليك والبروتستانت في ما بينهم في حرب للديانات لمدة تجاوزت قرنين من الزمن، سقط على إثرها مئات آلاف الضحايا، بعدما كفر البابا كافة مسيحيي العالم على امتداد 911 سنة.
أما الحرب العالمية الأولى والثانية والاستعمار الذي عانت منه عشرات دول العالم فقد كان سببه ثلة من المسيحيين الأوربيين، ضمنهم بروتستانتيون وكاثوليكيون، وهو الاستعمار الهمجي الذي استهدف عددا من الدول في أمريكا وإفريقيا، وأسقط معه ملايين الضحايا خلال 4 قرون من الزمن، لتدق بعدها الحرب العالمية الأولى والثانية طبولها، معلنة خلال نصف قرن من الزمن، وفاة 620 مليون شخص.
ولم تسلم بعض دول العالم من مجازر مسيحية وإبادات جماعية. ففي سنة 1941 أباد كاثوليكيون من كرواتيا أزيد من 400 ألف أورثوذكسي من صربيا، في مجزرة طالت الصربيين. فيما سقط برواندا أزيد من مليون قتيل خلال ثلاثة أشهر، على خلفية نزاعات بين كاثوليكيين اقتتلوا في ما بينهم، في إبادة جماعية وحشية عرفتها البلاد.
المسيحية احتقرت النساء وأساءت معاملتهن، والمصيبة الكبرى أن الكنيسة دافعت عن الكهنة والقساوسة الذين اغتصبوا الأطفال على امتداد 20 قرنا من الزمن.
التاريخ يشهد أنه إذا كانت هناك ديانة تعيش تحت رايتها الديانات السماوية الأخرى بسلام فهذه الديانة هي الإسلام، أما بقية الديانات الأخرى فيمكن أن تقبل براية الإسلام على أراضيها، لكن إلى حين.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة