لطيفة زوجة عمر الرداد التي حولتها قضيته من ربة بيت إلى مناضلة حقوقية

لطيفة زوجة عمر الرداد التي حولتها قضيته من ربة بيت إلى مناضلة حقوقية

لم تكن زوجة عمر الرداد تعتقد أن زوجها المهاجر البسيط الذي يقضي سحابة يومه في تقليم النباتات بحثا عن كسرة خبز مغتربة، سيصبح أشهر سجين في تاريخ القضاء الفرنسي. فقد جاء ابن منطقة ميضار، التابعة لإقليم الدرويش، إلى فرنسا أملا في جمع المال، فوجد نفسه أشهر معتقل، بعد إدانته بتهمة قتل مشغلته الثرية جيزلين مارشال، التي كان يرعى حديقة منزلها في جنوب فرنسا.
وعلى الرغم من إنكار الرداد التهمة ومواصلته التمسك ببراءته من الجريمة، فقد أدانته المحكمة بعد أن استند القضاة إلى عبارة كتبتها الضحية بدمها على باب القبو الذي وقعت فيه الحادثة وقالت فيها «عمر قتلني». وسيق المتهم إلى السجن ليمضي فيه عدة سنوات، قبل أن ينجح محاميه الشهير جاك فيرجيس في إجراءات إعادة المحاكمة، وانتهت القضية بإطلاق سراح العامل المغربي الذي تعاطف معه الفرنسيون، بعفو رئاسي خاص من الرئيس شيراك، بتدخل من الملك الراحل الحسن الثاني من دون تبرئته من التهمة.
كان عمر يسكن غير بعيد عن مسكن القتيلة في بلدة موجان التابعة ترابيا لمنطقة نيس، بينما كانت زوجته لطيفة تقطن رفقة والديها في مدينة طولون الساحلية. اعترضت الزوجة على الخدمة الإضافية التي يقضيها زوجها عمر في فيلا «لاشاماد» عند جيزلين التي تزوجت مرتين، وفقدت زوجها الأول بالطلاق، والثاني بالوفاة. وهي على الرغم من بقايا جمال لا تخطئه العين، كانت تشعر برعب من الشيخوخة وتنفق بلا حساب على مستحضرات مقاومة التجاعيد، وتمارس السباحة كل يوم للحفاظ على قوامها من الترهل، وقرر الرداد أن يبتلع لسانه كلما تعلق الأمر بمشغلته.
في الرابع والعشرين من يونيو 1991، وجدت جيزلين قتيلة تسبح في دمائها وسط غرفة معزولة في حديقة بيتها، مخصصة للتدفئة. ومنذ ذلك الحين بدأت القضية التي انتهت في القصور وفي المؤتمرات، قبل أن ينتهي بها الأمر في مهرجانات السينما، بعد أن تحولت إلى فيلم سينمائي.
كانت الحياة الزوجية للرداد مليئة بالصراع، إذ ظلت زوجته ترفض هواية الرهان التي تسكنه، لقد تبين لها مدى حاجته إلى النقود باستمرار، لأنه كان يشتري أوراق اليانصيب بكثرة، حاله حال أي فقير يحلم بالثروة التي تنقذه من مشكلاته المادية.
أكدت لطيفة أن زوجها تحدث معها هاتفيا بعدما عاد إلى بلدة كانيه، وقالت للمحققين إن عمر اعتاد التكلم معها هاتفيا بمعدل مكالمة واحدة في اليوم، نظرا للمسافة الفاصلة بينهما، وأنها ظلت تبحث له عن حرفة في تولون أملا في التجمع العائلي دون جدوى، خاصة وأنها رزقت منه بمولود كان في مرحلة الحبو.
حضرت لطيفة رفقة والد زوجها عبد السلام، جميع أطوار المحاكمة، وعندما نطق القاضي بالحكم بالسجن لمدة 18 عاما على عمر الرداد، صرخت لطيفة وانتحبت ولطمت رأسها وهي تقول: «زوجي بريء.. زوجي مظلوم». وانهارت قبل أن تستفيق في سرير مصحة لا تبعد كثيرا عن المحكمة. لكن لطيفة ستتحول إلى مخاطب رسمي لكبار مستشاري الملك الحسن الثاني الذي كان يرسل إليها موفدين من القصر لإبلاغها بجهود الحسن الثاني من أجل تبرئة زوجها عمر، فآمنت بأن الملف بيد ملك البلاد، لكنها خرجت من عباءة الحشمة وجالست ممثلي جمعية أنشئت لمساندة زوجها عمر، كما حضرت وقفات احتجاجية طيلة فترة اعتقال الرداد، وسعت مرارا إلى استبدال المحامين، ما أغضب الحاج عبد السلام والد زوجها عمر.
حين أفرج عن عمر بعفو رئاسي، قررت لطيفة الاستمرار في نضالها من أجل استخلاص البراءة، ولاحظ الرداد أن لطيفة تغيرت كثيرا، وعاب عليها خروجها إلى الواجهة، حين تفاوضت مع منتج فيلم حول قضيته بعنوان «عمر قتلني». فقد خططت ليتم الاحتفاء به رسميا، في عرض خاص جدا بالمسرح الوطني محمد الخامس، وسط العاصمة المغربية الرباط، تحت إشراف الأميرة للا مريم. حصل الفيلم على دعم مادي ومعنوي من جهات مغربية عدة، بعضها تمت الإشارة إليها في «جنيريك» من قبيل المركز السينمائي المغربي والقناتين التلفزيونيتين العموميتين، مع مساندة من داعمين آخرين، فتحسنت أحوال الزوجين، وتبين لعمر أن السجن أرحم من لعبة اليانصيب، فقد أثمر في نهاية المطاف شهرة ودعما ماليا.
بكت لطيفة مرة ثانية حين توفي المحامي جاك فيرجيس الذي ترافع عن زوجها، بقرار ملكي، الرجل الذي ظل يردد في المحكمة عبارته الشهيرة «لقد وجدتم المتهم المثالي الذي يوفر عليكم مشاق التقصي.. إنه عربي ومهاجر وفقير، فلماذا تبحثون عن غيره؟».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *