GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

لعنة الجغرافيا

علاقة الشمال بالجنوب مقلقة، لأنها متذبذبة جدا. أوربا التي في الشمال تكون رغيدة حتى لو كانت في عز الأزمة، والجنوب دائما منكوب حتى لو أمطرت السماء مالا. لا أحد بوسعه تغيير هذه القسمة لشقي الكرة الأرضية.
نموت نحن الشعوب المتخلفة، الواقعون أسفل خط الاستواء، في سبيل الوصول إلى أوربا ولو من أجل التسكع وملاحقة السراب، لكننا لا نستطيع الجري وراء أحلامنا هنا في الجنوب لأن الأمر يبدو مضيعة للوقت حتى لو كانت صناعة الفرق ممكنة.
المغاربة معذورون. لا أحد يملك حكومة كالتي لدينا. وبالتالي لا يمكن أن يستأمنها على صناعة مستقبله، وهكذا تكون المقولة التي تقول إن كل ساكن في المغرب، هو شخص غير قادر على الهجرة بالضرورة، صحيحة حسب هذا الطرح على الأقل. فشلنا فشلا ذريعا في دحض هذه النظرية رغم أنها تعشش بيننا منذ أن استقر الجيل الأول من المغاربة المهاجرين بأوربا. وها نحن لا نزال نصدّر أبناءنا إلى كل القارات والنظرية تزداد تطورا وبؤسا.
في المغرب نفسه، علاقة الشمال بالجنوب غير طيبة. في الشمال توجد سكة الحديد والطريق السيار ومقر الإذاعة والمحكمة الكبيرة، وفي الجنوب لا يوجد أي شيء إلا الملاحق الإدارية التي تفقد الاتصال بالمركز بسبب رداءة الأحوال الجوية رغم الجفاف. لا توجد سكة حديدية في جنوب المغرب، وهذا أمر كاف لجعل سكان الجنوب يؤمنون بأنهم أقل قيمة من سكان الشمال، حيث يوجد المغرب «النافع».
سكان الجنوب، أمازيغ وغيرهم، يحسون بأن الله يحبهم أكثر من سكان الشمال لأن سكة الحديد لم تصلهم بعد. وهكذا فلتوا من عصا وزارة التجهيز التي تعذب أشقياء الشمال المساكين في قطارات ربيع الخليع وعزيز الرباح. في الحالات النادرة يصل القطار في الوقت المحدد له بالدقيقة، وفي هذه الحالة يكون الركاب قد اقتربوا من درجة التجمد، لأن القطارات دائما تشغل نظام التبريد في شهر دجنبر ويناير وفبراير، ولا تشغل نظام التدفئة إلا في شمس يوليوز الحارقة. هذه مسألة لا يمكن أن ينكرها ركاب القطارات. الفرق بين الدرجة الأولى والثانية في القطارات لا يعدو أن يكون «خرقة» حمراء في مسند كرسي القطار. ما عدا ذلك فإن الدرجتين تتشابهان في كل شيء. في الدرجة الأولى يجلس بعض المواطنين الذين يعتقدون، للأسف، أن قدرتهم الشرائية تمكنهم من الفوز بخدمات أفضل من ركاب الدرجة الثانية، لكن الجميع يسير في النهاية على سكة واحدة، ويخضع لنفس الشمس ونفس الاهتزازات ونفس دقائق التأخير، وأحيانا تكون القطارات أكثر كرما مع ركاب الدرجة الأولى في الأيام الممطرة، وتمنحهم بركا من المياه العائمة أسفل أرجلهم، مكافأة لهم على اختيار السفر على متن العربات الحديدية. في الجنوب توجد طرق طويلة لا أحد يعلم متى تم تعبيدها، لأن السيارات تسير على أثرها فقط، ويجب أن تتحول تلك الطرق إلى مآثر تاريخية وليس إلى طرق وطنية. بين الفينة والأخرى تباشر الإصلاحات على إثر غضبة ملكية، أو انقلاب مفاجئ في موازين الانتخابات. في الجنوب، الانتخابات تصنع المطر والمحاصيل، وبالتصويت على المرشح، الذي يتربص بمنطقة بأكملها كالقضاء والقدر، يكون الجنوبيون قادرين على قضاء مصالحهم، وإن كانوا محظوظين فإن رحيل المرشح أو الإطاحة به كفيلة بجعل خيوط الكهرباء تمر، وتعبيد الطرق. لا أحد يستطيع إنكار أن هناك مشاريع وطرقا، رصدت لها ميزانيات أكثر من مرة، ولم يتم تشييدها إلا في الميزانية الأخيرة، أما الميزانيات السابقة التي رصدت لها سابقا، فإنها، بدل أن تتحول إلى طريق أو مستوصف، أصبحت بقدرة قادر فيلا في طريق الرباط.
وإذا كان السوسيون، سكان الجنوب، قد غضبوا لأن رئيس الحكومة تساءل بحسّه «الباسل»: «بشحال كيفطر السوسي كاع»، فعليهم أن يحاولوا هضم المزحة الثقيلة.. لأن الإهانة التي يتلقاها المغربي، في الشمال كما في الجنوب، هي لعنة الجغرافيا. المنكوب الحقيقي هو الذي لا يجد ما يفطر به، قد يكون في الجنوب، أو متشردا في شارع رئيسي خلف البرلمان مباشرة !

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة