CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

لمن يجب تسليم الأسرى الجزائريين؟

بمرجعيته القانونية، كرجل دولة وسياسة، نهض وزير الخارجية المغربي الأسبق محمد بوستة من مكانه في اجتماع إفريقي، وطرح السؤال التالي: لمن يجب أن نسلم الأسرى الجزائريين؟ دهش قادة الدول الإفريقية الذين كانوا بصدد التداول في قضية محورية، لها علاقة مباشرة بنزاع الصحراء، تتلخص في تحديد مفهوم «الأطراف المعنية» الذي يعتريه الالتباس.
تصور الوفد الجزائري إلى مؤتمر نيروبي أن فكرة الأطراف المعنية يمكن اختزالها في ثنائية ملغومة، تهم المغرب وجبهة بوليساريو، لإبعاد مسؤوليات الجزائر الثابتة حيال إذكاء التوتر الإقليمي الذي انفجر في شكل مواجهات عسكرية، اتخذت من الجانب المغربي طابع الدفاع عن الحدود والتصدي للأعمال العدائية. وغاب عن أذهان مسؤوليه أن المغرب لم يستخدم رصاصة الرحمة على المزاعم الجزائرية التي هدفت إلى تعويم المشكل وخلق الالتباس في العقول.
أي التباس وغموض أكثر من أن تكون إدارة البريد في مدينة العيون الصامدة، تلقت «تليكس» يتضمن تهنئة «الجمهورية الصحراوية الوهمية» بذكرى الإعلان عن وجود هلامي. فقد دأبت الجزائر على الإيحاء بأن مدن العيون والداخلة وبوجدور وغيرها توجد تحت سيطرة صنيعتها، لذلك اكتفت إدارة البريد بمعاودة إرسال التهنئة التائهة إلى صاحبها الذي اختلط عليه الأمر بين العيون التي تنعم بالاستقرار وأنواع التسميات التي أطلقت على مخيمات ومعسكرات في ضواحي تيندوف.
عقب محمد بوستة بطلاقة لسان رجل القانون، أن الثابت في القانون الدولي أن البلد الذي تنطلق منه هجمات عدائية ضد حدود بلد مجاور، يصبح طرفا في الاعتداء. هكذا يقول منطوق القانون الدولي، ثم أضاف إلى ذلك أن كافة الشواهد تثبت انطلاق الأعمال العدوانية من أراض واقعة تحت نفوذ الدولة الجزائرية، وتأسيسا على ذلك أنها الطرف الأساسي المعني بالتوتر الإقليمي حول الصحراء.
بلعت الوفود المعاكسة ريقها، وتابعت بذهول مرافعة حاسمة بمرجعية قانونية، ستتأكد لاحقا من خلال وقف إطلاق النار.. عندما التزمت الجزائر بمنع الأعمال العدوانية التي تنطلق من مراكز نفوذها الإداري، وليس السيادي. ولم يكن لفكرة الأطراف المعنية أن تتخذ الأبعاد التي ارتدتها، إلا بسبب توزع وجود سكان متحدرين من أصول صحراوية في كل من الجزائر وموريتانيا، علما أن الطرفين الأساسيين هما المغرب والجزائر. أكان ذلك لدى اعتبار أن المفاوضات لا تكون إلا بين الدول التي يمكن لها أن تفي بالتزاماتها، أو في سياق الخلفيات التاريخية والسياسية لنشوء التوتر وأطوار تلاحق مساره عسكريا وسياسيا.
تبادل قادة الدول النظرات في ذهول لم يستطع الكثير منهم إخفاءه أمام صلابة الحجة التي قدمها وزير الخارجية المغربي، ثم أضاف بوستة مؤكدا أن هناك وقائع سياسية وعسكرية لا جدال حولها تثبت تورط الجزائر.. كونها لم تكتف بدعم جبهة بوليساريو الانفصالية بالمال والسلاح والتأطير، بل إن قوات من الجيش الشعبي الجزائري توغلت داخل الصحراء المغربية، في إشارة إلى معركتي «أمغالا» المشهودتين في فبراير 1976. ومن أجل تقديم دليل ملموس على ذلك التوغل الذي كان عملا عدوانيا مدانا بكل معايير القانون الدولي، أوضح رئيس الدبلوماسية المغربية أن القوات المسلحة الملكية أسرت أزيد من 120 ضابطا وجنديا جزائريا.
ثم عاد إلى طرح السؤال: إن لم يكن من أوفاق معاملات الأسرى، بعد أن تسكت المدافع، أن يتم تسليمهم إلى الدولة التي ينتسبون إليها، فلمن يتعين أن يسلمهم المغرب؟ كان وقع السؤال أشد إحراجا، وكانت تلك المرة الأولى التي أماط المغرب فيها اللثام عن وجود أسرى جزائريين برتب مختلفة.
وليس صدفة أنه مباشرة بعد الهزيمة العسكرية التي حلت بقوات الجيش الجزائري داخل الصحراء المغربية، جنحت الجزائر إلى موقف سياسي أكثر عداء، تمثل في الاعتراف غير القانوني بكيان وهمي في التوقيت نفسه، بمعنى أن الاعتراف الذي أقحمها في متاهات لا مخرج لها، كان رد فعل صادر عن الإحساس بمرارة الهزيمة الشنعاء.
هل لنا أن نذكر، في نطاق رصد تداعيات التورط الجزائري، أن مبادرة وساطة قامت بها جمهورية مصر، عبر نائب رئيسها آنذاك محمد حسني مبارك، من أجل الإفراج عن الأسرى الجزائريين؟ أم نذكر لمن تخفق ذاكرته عن النبض أن الجزائريين التزموا باتخاذ موقف مغاير لهم من قضية الصحراء، في حال قبل المغرب إطلاق سراح أسرى الحرب؟
كل ذلك لا يخضع لمنطق التقادم، والأهم أن وزير الخارجية محمد بوستة وضع أمام القادة الأفارقة معطيات حول مفهوم الأطراف المعنية أو المهتمة أو ذات الصلة، فقد كان مرجحا في المرافعات السياسية التي تستند إلى القانون الدولي. وما علينا إلا أن نعاود معه طرح السؤال: لمن كان يجب تسليم الأسرى الجزائريين؟ على اعتبار أن عملية التسليم والتسلم لا تكون إلا بين طرفين يحترمان التزاماتهما. وما دون ذلك تفاصيل في أشواط ضائعة، مثل الفرص التي تترتب عليها مستجدات أخرى.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة