MGPAP_Top

لم يُقتل جندي أمريكي واحد في الصحراء

أبرقت البعثة الدبلوماسية الأمريكية في الرباط بخبر مقتضب إلى الخارجية، محوره أن الملك الحسن الثاني قال إنه «لن يطلب إلى الإدارة الأمريكية إرسال جنود» يحاربون إلى جانب القوات المغربية في الصحراء. أضافت المعطيات الواردة، أنه طمأن إدارة البيت الأبيض، أنها لن تر جنودها يُقتلون في الصحراء، لأن للمغرب قواته وعزيمته وإجماع شعبه في الدفاع عن قضيته المشروعة. وإنه كفيل بإرادة أبنائه لإحباط كافة المناورات.
عُرف القائل إذن، فما المناسبة؟ إنها شرط في التفسير واستقصاء أسباب النزول. ومادام أنه لم يسبق للمغرب أن طلب مساعدة أي قوات في المعركة التي كان يخوضها، دفاعا عن سيادته ووحدته في الأقاليم الجنوبية، فما الداعي لإثارة هذه القضية التي اعتبرت مستبعدة بكل المبررات والأوصاف؟
كان الحسن الثاني يعتزم زيارة واشنطن، بهدف الاجتماع إلى الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر، وتواردت أنباء بأنه سيطلب إلى حليفه الأمريكي إجازة صفقة أسلحة دفاعية، ومهد لذلك بالقول إن السلاح يوجد في كل مكان، على قدر من يدفع ومن يختار. ومادامت مصانع الأسلحة تشتغل، فلن يعوز أيا كان الحصول على الإنتاج الحربي الذي يلائم الخبرات المعتمدة.
مصدر الخلل كان في دخول أسلحة جد متطورة لا تتوفر إلا للدول الدائرة في فلك حلف «وارسو» الأطلسي ساحة الحرب. وبالتالي ارتدت المسألة طابعا أقرب إلى دورات الصراعات الإيديولوجية التي كانت سائدة في ظل تداعيات الحرب الباردة. وحين أوضح المغرب أنه يحارب دفاعا عن سيادته ووحدته، في مواجهة تكتل قوى مناوئة، إنما كان يزيل الغشاوة عن العيون، في نطاق الاعتماد على قدراته الذاتية وشرعية حقوقه العادلة، ولم يطلب من أي جهة وفي أي وقت أن تنوب عنه في التزامات ترقى إلى حفظ السيادة وصون الكرامة والحدود.
ألقت العبارة البليغة بثقلها على سطح المياه الراكدة. وكانت تلك المرة الأولى بعد حرب فيتنام التي يصغي فيها الأمريكيون إلى مثل هذا الكلام الذي يفيد بأن جنودهم لن يذهبوا إلى حرب في الصحراء. لكن قطب الدائرة لم يكتمل، إلا وقد توجه حشد كبير من القوات الأمريكية إلى الحرب، تحت يافطة «عاصفة الصحراء» التي قادها الجنرال كولن باول لإخراج القوات العراقية من الكويت، وشكلت أكبر حلف عسكري منذ الحرب الكونية الثانية.
لا علاقة لحرب الصحراء الدفاعية بـ«عاصفة الصحراء» الهجومية التي توخت الدفاع عن الشرعية الدولية، وتمكنت من جذب الاتحاد السوفياتي إلى حلقة نظام دولي بدأ في التبلور. وأقصى ما كان يرغب فيه المغرب الحصول على تفهم الدول الصديقة، تأسيسا على شرعية قضيته التي اتسمت أولا وأخيرا بإنصاف العدالة الدولية، متمثلة في قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي. ولئن كانت كلمة الفصل في المنازعات الدولية، تأتي بعد تجريب لغة السلاح، فإنها في قضية الصحراء تحديدا جاءت قبل اندلاع المواجهة التي تغيرت ملامحها وأشكالها.
يتذكر ضابط مغربي شهم، مثل كل المغاربة مدنيين وعسكريين، أن المغرب حرر صحراءه، دون إراقة قطرة دم واحدة. وفيما تصور أشد المتشائمين في هندسة المواجهات المحتملة، أن الرهان لن يتحقق، من دون حدوث مجابهة عسكرية مغربية – إسبانية، حنثت توقعاتهم.. فقد وقع الصدام فعلا، لكن مع غير القوات الإسبانية. ففي كتاب «المسيرة الخضراء» قرأ المتطوعون بإمعان العقلاء، أنهم إذا صادفوا جنودا إسبان، فيجب أن يعاملوهم بالحسنى، أما إذا اعترضهم غيرهم فلكل واقعة إشهاد.
ليس من رأى كمن سمع، وليس من عاين كمن أصغى للروايات. فقد حدث الاعتراض فعلا، لكن من طرف قوات الجيش الجزائري التي عاودت اقتباس الوهم الإسباني بأن الصحراء أرض لا مالك لها، وسارعت إلى محاولة التغلغل في عمق الأراضي المغربية، وتلقت أشنع هزيمة يستحي المسؤولون الجزائريون من ذكرها بالاسم، كونها فضحت نواياهم التوسعية التي حاولت اعتماد منطق السلاح لفرض الأمر الواقع.
سيقدم المغرب مزيدا من الأدلة على تورط منظومة كاملة في معاكسة مشروعية حقوقه الثابتة في استرجاع أراضيه الصحراوية. وستنبثق من رحم المرحلة فكرة واقعية، تفيد بأن الدول الغربية تشتغل كما لو كان المنتسبون إليها أعضاء في ناد، يلوذون إليه لتقليب صفحات الأزمات الإقليمية والدولية، دون اتخاذ قرارات حاسمة وملموسة. بينما كان الاتحاد السوفياتي، قبل انهيار وتفكيك أوصاله، يتحرك بقوة، وينشر مظلة صواريخه الإيديولوجية والعسكرية على مناطق النفوذ الأحمر، التي كان يقضمها أو يخطط لطرائق هضمها في آسيا وإفريقيا.
العلاقات الدولية مصالح وتفاهمات. ومن رحم انكفاء النادي الغربي الذي كان يكتفي بالفرجة، اهتدى المغرب والاتحاد السوفياتي إلى إبرام ما عرف بـ«صفقة القرن»، التي همت توريد الفوسفات المغربي ومشتقاته إلى موسكو. ولما أبدت واشنطن بعض الانزعاج، جاء من يسألها: ألم تفعل الشيء نفسه في علاقاتها مع النفط والغاز الجزائري، رغم أن الجارة الشرقية كانت تصنف كحليف عسكري للسوفيات؟
لكن الحقائق على الأرض كانت تشي بوقائع من نوع آخر. لعل في مقدمتها أن أي جندي من الحلفاء الغربيين لم يُقتل في حرب الصحراء، فيما نعوش جنود من كوبا والجزائر وحلفائهما كانت تحمل خفية وتدفن في جنح الظلام.. لأن لا أحد من هؤلاء الحلفاء كان يريد الإقرار بخوض حرب إيديولوجية زائفة.
أليس الاشتغال بمنطق النوادي هو ما سيدفع الأمريكيين، بعد قرابة أربعة عقود، إلى التفكير في وسيلة لمعاودة الدفء إلى علاقاتهم مع إيران التي كانوا حشروها على عهد حكم الديمقراطيين؟ من كان يتصور لحظة واحدة أن إيران ستصبح الحليف المفضل لدى روسيا؟ ومن كان يتصور أن العراق ستقدم على طبق من ذهب لحكم طهران، دون خوض أي حرب؟
لنعد قراءة تاريخ العلاقات المغربية – الأمريكية، فلا شيء أرسخ من وقائعه وتلوناته.. لكن من ربح الحرب لن يعوزه عازل عن ربح السلام والأمن والاستقرار، إذ يرتبط بالوحدة والكرامة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة