«ليس بدون ابنتي».. الطبعة الأخرى

«ليس بدون ابنتي».. الطبعة الأخرى

لا يوجد أعداء دائمون ولا أصدقاء أيضا. آخر ما قد يتوقعه المستفيقون من غيبوبة، تكون قد بدأت منذ سنوات على أن تنتهي خلال خلال هذا الشهر، أن يتم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، أو أن يتفاوضا على الأقل!
السياسة لا دين لها ولا طعم، لكن لها رائحة قوية تزكم أنف المنطق المصاب أخيرا بزكام حاد. «المرهفون» لم يستوعبوا بعد، أن إيران لم تعد ذلك الخطر الداهم الذي يتربص بـ«المنطقة» كما يحب الأمريكيون أن يسموا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. سنوات أمضتها أمريكا في لعب دور الحارس الوفي لأمن الدول المحيطة بإيران، تنادي خلالها بخطورة نجاح علماء أحمدي نجاد في تخصيب اليورانيوم، لتطوي اليوم كل شيء، ويصبح لإيران دور اعتباري جديد.
في أمريكا، حيث يوجد المحللون السياسيون الذين يقدمون مقالات تحليلية خالية من الإنشاء وأدوات الربط متعددة الكلمات، يقولون إن ما قامت به بلادهم اليوم تجاه إيران ليس جديدا، ويذكرهم بما وقع سنة 1972 عندما قام الرئيس الأمريكي بزيارة إلى الصين. ففي فبراير من تلك السنة حل الرئيس الأمريكي السابق، ريتشارد نيكسون بالصين والتقى بماو، والتقط لهما المصورون صورة مصافحة شهيرة، وأعلن نيكسون من هناك انتهاء فترة تشنج مع الصين وبداية مرحلة أخرى. وكان على العالم أن «يقلق» تماما كما يفعل الراعي الرسمي الأول للقلق هذه الأيام، الأمين العام للأمم المتحدة، من ذلك التقارب بين أمريكا والصين في فترة كانت فيها الأقطاب تتصارع وتتجاذب.
سيحتار التاريخ، بأي رجل سيدخل المرحلة المقبلة. أمريكا أمضت عقودا طويلة في استغلال إعلامها، لتشويه صورة إيران بعد ثورة الخميني، وإلى اليوم، تجري في إيران إعدامات بالجملة وخروقات لحقوق الإنسان، باسم المرجعية الدينية للإيرانيين.
المعارضة الإيرانية، التي فرت من إيران بعد ثورة الخميني، وجدت متنفسا للحياة في أمريكا وبريطانيا، واعتبرت إلى وقت قريب ضحايا لخطورة النظام الإيراني القائم. لم يكن مسموحا لأي دولة أن تبيع الإيرانيين رصاصة واحدة، فإذا بأمريكا اليوم تجلس مع إيران إلى طاولة واحدة، مرحبة بها في نادي المتوفرين على الأسلحة النووية.
«ليس بدون ابنتي» عنوان سيرة ذاتية لسيدة أمريكية، تحولت في ما بعد إلى سيناريو فيلم سينمائي شهير، تحكي صاحبتها عن تجربتها مع إيران في السنوات الأولى لقيام الثورة الإسلامية، وكيف أن زيارة لها لإيران رفقة ابنتها وزوجها الإيراني الذي يعمل طبيبا جراحا، ستتحول إلى جحيم حقيقي بعد أن نبذتها أسرة زوجها وخططت لاختطاف ابنتها منها، لتجد نفسها وحيدة في إيران.  لم يكن من السهل وقتها أن تقف مواطنة أمريكية وسط طهران، لأن الثورة الإسلامية كانت ترى في أمريكا العدو الأول للنظام الإيراني الجديد، وكان ممكنا أن تتعرض للقتل لولا أنها لم تلتزم بارتداء الزي الإيراني، وهكذا كُتب لها أن تغادر أمريكا برا بعد أن استطاعت في الأخير أن تجد ابنتها وتفران معا خارج إيران وتترك زوجها هناك رفقة عائلته، بعد أن رفضت مغادرة إيران بدون ابنتها المختطفة.
انطباعات كثيرة يعيش عليها الأمريكيون اليوم، بخصوص إيران، أولها أن الذين يحكمون إيران أناس يحملون فكرا دينيا خطيرا، ويرون في أمريكا العدو الأول للعالم، وليس لديهم أي اعتبار لحقوق الإنسان، ويستطيعون محاكمة أي شخص يحاول عزف الموسيقى في الشارع، وقد يعدمون فتاة تجلس في شارع عمومي.. وباستطاعتهم الزج بأي شخص في السجن بدون سبب.
وحده أوباما يجدد الوصل مع العادة الأمريكية، ويكمل ما بدأه نيكسون مع الصين. وستصبح إيران، بعد قليل، حليفا استراتيجيا تراهن عليه أمريكا للسهر على أمن «المنطقة»، وعلى شاه إيران أن يتقلب في قبره حسرة، وعلى زوجته التي تأتي إلى تارودانت للاستجمام بين الفينة والأخرى، أن تترحم على زوجها وعلى كل الذين شردتهم الثورة الإسلامية للخميني. أما الذين استفاقوا من الغيبوبة.. فلا يملكون إلا تأمل المنظر، والبصق على الأرض.. فعلا السياسة لا طعم لها، لكن لها رائحة!
حتى تلك الأمريكية التي كتبت «ليس بدون ابنتي» ستفكر في إعادة كتابة نسخة أخرى منقحة هذه المرة، ولها أن تضع لها عنوانا من قبيل.. «بابنتي أو بدونها.. لا فرق».

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

١ تعليق

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة