مآلات حزب البعث.. لم يعد العربي سيّد القدر (2/2)

وفي أحدث هذه المآلات ما نقلته صحيفة «الأخبار» اللبنانية، الموالية للنظام السوري، من أنّ القيادة القطرية لحزب البعث أصدرت مؤخراً «قراراً حلت بموجبه وبشكل نهائي القيادة القومية للحزب»؛ وجاء ذلك «نتيجة عاملين أساسيين، الأول ضعف نشاط القيادة القومية وغيابها عن ساحة العمل الحزبي لعقود طويلة، والثاني تنفيذ مضمون قانون تأسيس الأحزاب السياسية الذي يحظر على الأحزاب المؤسّسة في سوريا افتتاح فروع خارجية لها»، كما قالت الصحيفة. ولعلّ فضيلة هذا الإجراء، حتى إذا لم تدر في خلد القيادة القطرية، تكمن في تطبيق مبدأ أخلاقي يقول بأنّ إكرام الميت دفنه: هذه القيادة القومية تحولت إلى جثة هامدة منذ رحيل حافظ الأسد، آخر أمين عامّ قومي في الجناح السوري لحزب البعث؛ وكانت، قبلئذ، قد دخلت في طور احتضار منهجي بطيء، منذ اختتام أعمال مؤتمرها القومي الثالث عشر، صيف 1980.
طريف، إلى ذلك، أنّ الهيئة الأدنى (القطرية) هي التي تلجأ إلى حلّ الهيئة الأعلى (القومية)؛ خاصة إذا استعاد المرء ما تقوله أدبيات الحزب عن المؤتمر القومي (والأخطاء اللغوية في الأصل البعثي): «هو أعلى سلطة في الحزب، ويمثل تنظيمات الحزب القومية في الأقطار العربية كافة، ويتكون من أعضاء القيادة القومية الأصلاء والاحتياط، وأعضاء القيادات القطرية وممثلي الأقطار المتممين المنتخبين من بين أعضاء المؤتمرات القطرية وممثلي المنظمات القومية، إضافة لأعضاء المحكمة الحزبية». هذا في الجانب التنظيمي، الذي يتوازى مع دور المؤتمر في صناعة «فكر» الحزب: «تقوم المؤتمرات القومية بإغناء عقيدة الحزب وفكره، حيث ترسم المناهج والسياسات وتتخذ القرارات والتوصيات المتعلقة في المجالات الثقافية والتنظيمية والسياسية والاقتصادية إضافة لتطوير القاعدة التنظيمية للحزب بما يتناسب مع كل مرحلة»!
لا حاجة، هكذا، إلى المساجلة حول مقدار الانحطاط الذي هبط إليه هذا الحزب، ليس بدلالة ما آلت إليه قيادته القومية هذه، وبالتالي اندثار شعاره القومي الشهير: «أمّة عربية واحدة/ ذات رسالة خالدة»، فحسب؛ بل بدلالة الموقع الراهن لقيادته القطرية ذاتها، والسيرورة الثابتة التي أدّت إلى ابتذالها وتفكيكها واهترائها، على يد الأسد الأب منذ فجر ما يُسمّى «الحركة التصحيحة». ففي أيّام «المجموعة القومية»، أي ميشيل عفلق وصلاح البيطار وأمين الحافظ؛ كما في أيّام «المجموعة القطرية»، أي صلاح جديد وحافظ الأسد ويوسف زعين وإبراهيم ماخوس؛ ساد اليقين بأن التنسيب الواسع للأعضاء الجدد سوف يؤذي جسم الحزب، ويتسبب في تمييع خطه السياسي وتركيبه الطبقي. ولهذا كان التركيز شديداً على ما عُرف آنذاك بـ«المنبت الطبقي» للمرشح، وجرى تفضيل أبناء الطبقات الكادحة على أبناء الأغنياء من الإقطاعيين والبرجوازيين.
تصحيح الأسد الأب تمثّل في فتح باب الحزب على مصراعيه أمام المنتسبين الجدد أيّاً كان منبتهم الطبقي، بل وجعل الانتساب إلى الحزب أمراً لا غنى عنه من أجل ضمان القبول في المعاهد والجامعات، وضمان الحصول على الوظيفة. وكان الغرض المضمر هو بالضبط ما سعى «القوميون» و«القطريون» إلى تفاديه: تضييع الخطّ السياسي، وتمييع التركيب الطبقي. وبالفعل، لم يمضِ وقت طويل حتى انقلب الحزب إلى مؤسسة انتهازية نفعية خاضعة للأجهزة الأمنية، وسرعان ما انخرط أعضاؤه في تعامل مباشر أو غير مباشر مع مختلف فروع الاستخبارات، وأخذوا يعتبرون كتابة التقارير الأمنية واجباً تنظيمياً، فدانوا بالطاعة إلى رئيس فرع المخابرات أكثر بكثير من طاعتهم لأمين فرع الحزب.
وليس عجيباً، في المحصلة الراهنة، أنّ الدراما التي صالحت فيخته مع نيتشه في سنوات التأسيس؛ تخلي اليوم مكانها لتقاسم وظيفي بين ولاية الفقيه علي خامنئي، ومافيا القيصر فلاديمير بوتين، وبينهما، أيضاً… «عصائب الحقّ»!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.