CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

مأساة إبادة المغاربة بالغازات السامة في الشمال

مأساة إبادة المغاربة بالغازات السامة في الشمال

«وضعت منديلا معطرا على فمي وأنفي، وحاولت الاتجاه صوب المنازل لأرى ماذا حل بأهلها. وجدت أن أغلبها محترق، وكانت تفوح من المكان رائحة قوية لم يفلح المنديل في كسر حدتها. فجأة جاء إلي أحد الجنود وأشار إلي بيده أن أعود من حيث أتيت. كان يضع كمامة صناعية على أنفه وفمه وفهمت بإشارة من يده أن الهواء ملوث. بعد أشهر، وأنا أطالع مراسلة عسكرية لألحقها بالأرشيف، وجدت أنهم استعملوا غازات سامة لإبادة قرى بأكملها في منطقة الشمال. كان هذا سنة 1925». الشهادة هنا تنشر لأول مرة على الإطلاق، وتؤرخ لتجربة موظف سابق في الإدارة الفرنسية خلال العشرينات هاجر إلى أمريكا سخطا على الجرائم الفرنسية التي استعملت فيها مواد كيماوية لإبادة المغاربة!
خلال سنوات السبعينات، أثيرت ضجة كبيرة حول تجربة فرنسا لأسلحة نووية في المحيط الأطلسي، ولقي الأمر وقتها معارضة كبيرة من الأوساط الحقوقية وكاد يتحول إلى أزمة، لولا أن الدبلوماسية قفزت على بعض الحبال وطوي الأمر.
لكن «تجارب» أخرى، جاءت قبل زمن الضجة والحقوقيين، ولم تجرب في عرض البحر، بل جُربت فوق بسطاء القرى وسكان الجبال لإجبارهم على الخضوع للمشيئة التي كانت تُصنع في دهاليز باريس لتطبق في سهول الريف وجباله. وفي وقت متأخر، أي نهاية الخمسينات، قامت فرنسا بتجربة مثيرة سنة 1960، حيث جمعت حوالي 150 سجينا جزائريا، قامت بربطهم إلى أوتاد خشبية في صحراء منطقة «رقان» الخالية، وهكذا تم استعمالهم كفئران تجارب لأول قنبلة نووية صنعتها فرنسا في تاريخها.
عندما جُربت إشعاعات القنبلة وموادها، كان الهدف من العملية رؤية انعكاساتها على الـ150 سجينا الذين جربت عليهم. بعض المصادر في الجزائر تقول إن العملية تكررت أزيد من 17 مرة، أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر.
السؤال الآن، ما الذي قد يجعل فرنسا تمتنع عن القيام بالتجربة ذاتها في المغرب؟ لا شيء. إذا عدنا إلى ما وقع خلال سنوات العشرينات في الشمال المغربي، وسنأتي إلى تفاصيله بالتأكيد، سنجد أن الأمر المشترك بين ما وقع وقتها وما وقع في الجزائر بداية الستينات، يشتركان في السرية التي ضربتها فرنسا على هذا النوع من العمليات.
تجربة الأسلحة النووية على السجناء الجزائريين، الذين كان أغلبهم وقتها من المقاومين الذين حملوا السلاح ضد فرنسا، توازيها أفعال حقيقية ومباشرة وليس فقط تجارب، على المغاربة في منطقة في الريف، تكاد تكون وقائعها منسية، لأن فرنسا أرادت أن تجعل هذه المحطة التاريخية منعطفا غير معلن في واجهة التاريخ العسكري الفرنسي.
الحكاية بدأت عندما نهض الفرنسيون من طاولة المفاوضات مع الإسبان، واقتسموا المغرب بينهم بالتراضي، إلى مناطق نفوذ، لتتطور الأحداث بعد سنة 1921 وتصبح إسبانيا في فوهة حرب مفتوحة المقاومة الشرسة في جبال الريف وعموم الشمال المغربي، وتذوق فرنسا من الكأس نفسها، خصوصا في المنطقة الحدودية التي نصبت في الطريق إلى تطوان التي كانت وقتها منطقة «خليفية». النتيجة أن فرنسا هُزمت شر هزيمة أثناء تعاونها مع الإسبان في تطويق المغاربة الحاملين للسلاح في وجه القوتين.
معروف أن الإسبان استعملوا الغازات السامة ضد المغاربة في الريف، لكن الحقائق المُقبرة والمنسية، تقول إن فرنسا أيضا تورطت في إبادة نطاق واسع من الخريطة بأسلحة كيماوية سامة، بقيت انعكاساتها الخطيرة نشيطة حتى بعد مرور عقود على الواقعة.
كانت فرنسا تحتاج إلى حل فعال وسريع لحفظ ماء الوجه بعد هزيمة رجال المارشال ليوطي في واحدة من أشهر المواجهات التي انهزمت خلالها فرنسا في المغرب، وهكذا جاء مارشال آخر هو «بيتان» بما لديه من سمعة عسكرية وأوسمة فخرية حصدها في الحرب العالمية الأولى سنة 1918، ليحاول اجتثاث المشكل من أصله عبر إبادة المغاربة وترك الأرض محروقة، كشهادة على أن الحياة قد مرت من هناك..

الهاربون إلى أخطر منطقة في المغرب
عند المقاومين، ارتبطت المنطقة الحدودية الفاصلة بين النفوذ الإسباني والفرنسي في المغرب، بالهروب من البوليس الفرنسي للاحتماء في تطوان. حسب بعض الروايات الشفهية، والمذكرات الخاصة بعدد من رموز المقاومة أولهم محمد الفقيه البصري وآخرون لا يتسع المجال لذكرهم، فإن هذه النقطة الحدودية كانت دائما مسرحا للهروب الذي يلجأ إليه المطلوبون لدى الأمن الفرنسي في مراكش والدار البيضاء، وكان الأمر يتم بإعلام السلطات الإسبانية التي لم تكن ترى خلال سنوات الخمسينات مانعا في استضافة الهاربين من البوليس الفرنسي، رغم أن تاريخا مشتركا جمع بين الدولتين لإبادة المغرب والمغاربة.
وحسب بعض المعلومات القليلة المتوفرة في موضوع استعمال أسلحة كيماوية في الريف المغربي من طرف الجيش الفرنسي، فإن هناك إشكالا حقوقيا كبيرا، يتمثل في أن فرنسا مطالبة اليوم بالاعتذار للمغرب ولسكان المناطق التي استهدفت خلال سنوات العشرينات بأسلحة كيماوية أبادت كل شيء، وأفسدت التربة والهواء، وتركت سكان القرى يحملون معهم عاهات مستديمة انتقلت إلى أحفادهم بالوراثة.
وفي بلاغات، توصلت بها «الأخبار»، سجلت جمعيات تمسكها بضرورة تقديم فرنسا لاعتذار للمغرب، ولسكان القرى، تأسيا بجارتها إسبانيا التي اعتذرت في وقت سابق.
لكن المثير أن قصة استعمال فرنسا للغازات السامة، تختلف كثيرا عن القصة الإسبانية. إذ إن الإسبان لم يحرصوا أبدا على سرية ما أقدمت عليه قواتهم العسكرية، بعكس الفرنسيين الذين حاولوا طيلة السنوات الماضية طي صفحة التعاون مع الإسبان، لإخضاع الشمال وجعله منطقة هادئة في الحدود الوهمية التي أقيمت بالتراضي بين الدولتين.
بالعودة إلى موضوع النقطة الحدودية التي استهدفتها الغازات السامة الفرنسية، فإنها، أي النقطة الحدودية، شكلت لغزا كبيرا بالنسبة لعدد كبير من المغاربة الذين اعتادوا التنقل سرا عبرها للمرور إلى المنطقة الخليفية، هربا من البوليس الفرنسي، خصوصا خلال أزمة 1953.
كيف لم ينتبه أحد إلى أن أشياء كثيرة لم تكن على ما يرام في شمال المغرب، خصوصا وأن التظلمات الصادرة عن النشطاء الحقوقيين في الشمال تقول إن آثار استعمال المواد الكيماوية في المناطق التي قاومت الوجود الفرنسي في الشمال، كانت واضحة على ملامح السكان وانعكست على صحتهم وعلى جودة الأراضي الزراعية ومحاصيلهم، وعاشوا لسنوات مجاعات قاسية.
الخطير أن هؤلاء الذين اعترفوا بأنهم عبروا من المنطقة إلى تطوان لأسباب سياسية، لم ينتبهوا، رغم أنهم مروا بالقرى، وعبر طرق ملتوية، إلى الحالة السيئة التي كانت تعاني منها تلك المناطق.
وحده رجل فرنسي أنبهه ضميره، وكتب عن الفظاعات التي رآها في الطريق من الشمال إلى وسط المغرب، خلال سنوات العشرينات، وقرر لاحقا أن يطلق فرنسا بالثلاث، ويعيش في الولايات المتحدة الأمريكية التي وصل إليها مكفرا عن ذنب معايشته لجرائم ضد الإنسانية، كما يقول.
شهادة هذا الرجل، كما سنأتي عليها مفصلة، لم تتعد الثلاثين صفحة، لكنه تحدث فيها بكثير من المرارة عن معايشته لاستعمال دولته الأم، للغازات السامة لإخضاع الريف، ولعل ما جاء به يجعلنا نتوقف برهة لنتساءل هنا عن الأسباب الحقيقية التي جعلت فرنسا تنجح في طمس معالم تلك الاعتداءات العسكرية على المدنيين والفلاحين الفقراء.
وقتها، لم يكن صعبا إخفاء خبر استعمال غازات سامة لإخضاع سكان منطقة ما، حتى لو كانت مدينة، فما بالك بقرى كانت تحمل السلاح في جبهتين، وكبدت فرنسا وإسبانيا خسارات فادحة.
هل كانت فرنسا تسعى إلى التخلص من الجميع إلى الأبد، وطي الصفحة؟ أيا كان المخطط فإنه فشل فشلا ذريعا، ما دامت الحياة قد تواصلت بصعوبة إلى أن تكشف لنا كيف أن أجدادنا استعملوا بقساوة، كفئران تجارب، استنشقوا غازات قاتلة لم تقو فرنسا على استعمالها حتى في الحرب العالمية الأولى التي يقال إنها كانت واحدة من أعنف الحروب في التاريخ!

الحرب السرية التي استعملت فيها فرنسا غازات سامة في الشمال
يبقى جانب كبير من تاريخ الوجود الفرنسي في المغرب غامضا، ويحتاج بالتأكيد إلى مزيد من التمحيص. الزمان: ما بين سنوات 1921 و1927. المكان: المنطقة الحدودية بين النفوذ الفرنسي والإسباني جنوب المغرب. وهذا للأسف أمر لم يتناوله المؤرخون، ويكاد يكون غير معروف عند كثير من المهتمين.
في تلك الفترة بالذات كان الشمال المغربي يعيش أجواء ساخنة ومشتعلة، بسبب الأعمال المسلحة في إطار المقاومة ضد فرنسا وإسبانيا، لذلك كانت القوات الفرنسية قد جمعت عتادها، واصطفت في المنطقة الحدودية غير بعيد عن المعبر التاريخي الذي لم يتبق منه اليوم إلا الأطلال الشاهدة على التقسيم الاستعماري للمغرب زمن الحماية الفرنسية، لتضرب حصارا كبيرا على «الثوار» الذين كانوا تابعين وقتها لحركة عبد الكريم الخطابي..
هنا بالذات، قامت فرنسا بتجربة أسلحة وغازات خطيرة، ما زال سكان الريف يعانون تداعياتها إلى اليوم، إلى درجة أن التجمع العالمي الأمازيغي «وجّه أخيرا رسالة إلى الرئيس الفرنسي، يطالبه فيها بفتح ملف مشاركة فرنسا إلى جانب إسبانيا في جرائم ضد الإنسانية في الريف شمال المغرب». هذا على الأقل ما جاء في ديباجة الإخبار الذي تم تداوله في البداية على نطاق ضيق جدا. وحسب بعض المصادر التي تحدثت إليها «الأخبار» في الموضوع، فإن ما يعلمه الباحثون والمهتمون، بهذا الخصوص، لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من إجمالي الحقائق المرتبطة بالملف، والتي لا تزال مجهولة إلى اليوم، رغم أنها متوفرة «بالتأكيد» في الأرشيف الفرنسي.
بلغة التاريخ، فإن هذه الفترة التي توجه التهمة فيها إلى فرنسا باستعمال أسلحة محظورة وغازات سامة لإبادة سكان الريف، كانت قد شهدت تحولا كبيرا. هذا التحول تمثل في دخول الإقامة العامة الفرنسية في عهد جديد مع المارشال بيتان ورحيل المارشال ليوطي. الاختلاف بين الرجلين كان كبيرا رغم أنهما توحدا في قضية الأهداف، وهكذا كان من السهل أن يكون هناك تفاهم إسباني فرنسي في عهد «بيتان» لأنه كان يؤمن في قرارة نفسه، وانعكس الأمر على سياسته أيضا، بأن الدم وحده من سيفرض على المغرب أن يتخلى نهائيا عن السلاح ويقبل بواقع الحماية والتوسع الفرنسي.
تكاد هذه الحرب أن تكون سرية، خصوصا وأنها جرت في فترة جعلتها تبقى بعيدة عن «الفضائح العالمية»، وفي مكان وسط جعل فرنسا تتملص من مسؤوليتها بسهولة. ليس جديدا أن يبدأ في المغرب نفاش حول استعمال إسبانيا لغازات سامة في حرب الريف، فهذا أمر اعترف به الإسبان وهناك جمعيات تنشط في هذا المجال لجبر ضرر أجيال من المغاربة الذين عاش أجدادهم وابل القذائف التي زرعت السم في أرض الريف، لكن الجديد أن توجه التهمة إلى فرنسا، ما دام الفرنسيون أنفسهم حاولوا طيلة هذه العقود، التغاضي عن الأمر وكأنه لم يقع.
فهزيمة المارشال ليوطي في يوليوز 1921 ضد قوات عبد الكريم الخطابي، ونكسة فرنسا في حرب ورغلة، جعلت باريس تفكر في تعويضه بالمارشال «بيتان»، وهذا الأخير يبقى المسؤول التاريخي عما وقع، ما دام أن مجيئه إلى المغرب دُشن بتعاون مع الإسبان لمحاصرة المقاتلين في الشمال في المنطقة الحدودية التي رسمتها فرنسا وإسبانيا بالتراضي، في إطار خطة مشتركة لتقسيم المغرب بناء على اتفاقيات ثنائية عُقدت في أوربا. ولكي تتم فرنسا مهمتها على أكمل وجه، والمتمثلة في تقديم خدمة إلى الإسبان، استعملت أسلحة خطيرة وغازات سامة، لتكتمل المهمة في وقت قصير. وهكذا بقيت هذه الحرب، منسية، ومقتطعة من أوراق الشهادات على الوجود الفرنسي في الشمال خلال عشرينات القرن الماضي.

المارشال «بيتان».. المتهم الأول بنشر الغازات السامة لحصار أعداء الجمهورية

كانت فرنسا تحتاج إلى من يغسل عار الهزيمة. فبعد خلو منصب ليوطي، كان الحاكمون في باريس يبحثون عن «بروفايل» يرتبط بالأمجاد العسكرية لجمهورية فرنسا، ولم يجدوا غير المارشال «بيتان»، وحاولوا أن يلعبوا على ماضيه المشرق في مواجهة الألمان خلال الحرب العالمية الأولى. وهكذا استنجدوا به ليرمم صورة فرنسا الممرغة في وحل الهزيمة فوق تراب الريف.
لم يكن يعلم وهو يلملم حقيبته في آخر يوم له في إقامته الخاصة، وهو العليم بالحروب، أنه سيتوجه إلى المغرب «غازيا» ليستعمل الغازات السامة الفرنسية في منطقة حساسة من المغرب. كانت فرنسا تعتقد أنه الرجل المناسب للمرحلة خلال أواسط العشرينات من القرن الماضي، بينما كان هو يظن أن مكانته ستشفع له عند الذين وضعوا فيه الثقة لكي يعوض المارشال ليوطي، ويحاول إمساك زمام الأمور ببطء. لكن ما وقع أن الذين عينوه كانوا مستعجلين جدا، وسرعان ما وجد نفسه فوق فوهة بركان، واكتشف أن فرنسا جاءت به لترقيع صورتها التي مرغها مقاومو الشمال في وحل داكن. كان يحتاج إلى معجزة ليعيد الاعتبار إلى فرنسا في ظرف وجيز، لكنه سرعان ما سيهتدي إلى «إعجاز» صغير عبر اتفاق مع الإسبان، لا يزال الأرشيف الإسباني والفرنسي أيضا شاهدا عليه، وهكذا سيصبح المارشال «بيتان» متعاونا مع الإسبان في المنطقة التي رسمتها الدولتان كحدود مستقبلية بين مستعمرتيهما الواقعتين في المغرب. ولكي ينجح الحصار العسكري للمقاتلين المغاربة الذين كانوا تابعين لعبد الكريم الخطابي، فإن فرنسا لم تتردد في عهد «بيتان» في استعمال الغازات السامة التي أذابت كل شيء، بل وخلفت عاهات لدى السكان المحليين، لكي تعجل باستسلام المقاتلين. والمستفيد الأكبر هو الجانب الإسباني، فبحسب عدد من المراجع الإسبانية، فإن الانتشار الإسباني كان واسعا بعد عملية التعاون مع الفرنسيين لقمع ومحاصرة المقاتلين «المحليين»، كما تسميهم بعض تلك المصادر.
في الجانب الفرنسي، كان الحرص كبيرا على أن تبقى مسألة استعمال الغازات السامة سرية قدر الإمكان. ولا بد أن أخبارها وصلت إلى الدار البيضاء، لكنها بقيت حبيسة الصالونات، وكانت هناك أيضا تحذيرات ألا يصل الأمر إلى الصحافة، لأن فرنسا وقتها كانت تراهن على صورة لا تخلو من «مصداقية» أمام العالم، حتى تدافع عن أطروحة «الحماية». ففرنسا كانت لتبدو في وقت مبكر مجرد دولة «غازية» استعملت أسلحة خطيرة وغازات لها آثار على المدى البعيد، لإخضاع مناطق بأكملها، تخدم الجانب الإسباني أكثر مما تخدم الجانب الفرنسي، وهنا كانت الخسارة السياسية لفرنسا، فالمسؤولون في باريس، لم يكونوا ليقبلوا بأن تتقوى إسبانيا في الشمال على حساب سمعة فرنسا أمام العالم، خصوصا وأنها كانت تروج لصورة مشرقة عن وجودها في المغرب، ولم تكن لتقبل بظهور الحقيقة، على الأقل خلال العشرينات وبداية الأربعينات.
لكن فرنسا عموما كانت محظوظة، لأن أمر استعمال غازات سامة في الشمال المغربي، بقي طي الكتمان إلى أن انتفضت الذاكرة الجماعية للذين قُصفوا وأبناءهم وأحفادهم، خصوصا وأن بعض المناطق لا تزال تعاني من تبعات آثار تلك الغازات السامة التي ألقيت ذات صيف ما بين 1921 و1927.

كواليس خفية أدت إلى خروج قرار تسميم هواء الريف
في ربيع 1925، عندما كانت فرنسا تستعد لاستقبال صيف هادئ، كان البرلمان الفرنسي يعيش غليانا كبيرا.. فقرار استعمال غازات سامة فتاكة في الريف، كان يحتاج أولا إلى المرور من التصويت في البرلمان، حتى يسمح للجيش الفرنسي باستعمال تلك الأسلحة المبيدة للبشر في منطقة الريف، خدمة لمصالح مشتركة مع الإسبان.
كانت النتيجة إيجابية، فلا أحد من المسؤولين الفرنسيين كان يأبه للنتائج الجانبية، ما دامت النتيجة الأساسية هي أن تتوسع فرنسا وتنتصر في المغرب على حساب الرافضين للوجود الفرنسي هناك. وهكذا بدأ المارشال «بيتان» أولى تحركاته ليضمن تنفيذ المخطط الجديد، وتحرك آلاف الجنود، بعض المصادر التاريخية سجلت أنهم أزيد من 200 ألف جندي، إلى الشمال ووقع إنزال عسكري كبير أتى على الأخضر واليابس، لكنه ورغم ذلك، لقي مقاومة شرسة، صدمت «بيتان» نفسه عندما كان يطالع التقارير اليومية التي كانت تأتيه من الميدان، ليدرك مبكرا، أو متأخرا ربما، أن المقاومة في المغرب، خصوصا في الجبال، شرسة بشكل لا يصدق، ولعل ليوطي سيبقى معذورا لأنه لم يستطع محو المقاومين من الخريطة.
بعض النشطاء في الريف، خصوصا في المناطق التي شهدت تلك المواجهات، غير بعيد عن وزان، والعرائش أيضا، ما زالوا يتوفرون على شهادات حية بخصوص ما وقع في تلك الفترة التي استعملت فيها فرنسا غازات سامة في الريف. وفي اتصال مع أحمد المباركي، أحد الذين سكنوا الريف في فترة الأربعينات، يقول إنه كان يشتغل صبيا يغسل سيارات الأوربيين العابرين للمنطقة الحدودية بين النفوذ الإسباني والفرنسي. ويتذكر بوضوح أحاديث الإسبان والفرنسيين وهم يتوقفون لتبادل التحية في المنطقة الحدودية في طريقهم من طنجة إلى وسط المغرب، أو من الوسط في اتجاه تطوان، إذ كان لا بد من المرور على مدينة وزان، وبالتالي المرور عبر المنطقة الحدودية التي كانت ترفرف فوقها الأعلام الإسبانية والفرنسية. يقول، في اتصال مع «الأخبار»، إنه كان يسمع وهو طفل عن غارات جوية وأرضية أرهبت سكان القرى التي كان يتنقل بينها في طفولته، ورأى كيف أن بعض الأطفال والشيوخ والنساء أيضا، كانوا يموتون بعد أن تظهر عليهم أعراض غريبة، بالإضافة إلى حالات أخرى لوفيات غير عادية، ناهيك عن تضرر الأراضي الزراعية التي لم تعد تُنبت أي شيء. يقول المباركي إنه لم يكن واعيا بما كان يقع وقتها، خصوصا خلال سنوات الأربعينات، لكن بمرور السنوات وتوالي الأحداث، واشتغاله في المجال الحقوقي في نهاية التسعينات ومجيء جيل جديد من الشباب، اتضح أن كل تلك الأعراض مرتبطة باستعمال فرنسا للأسلحة الكيماوية أواسط العشرينات، ويؤكد أن هناك اتصالات بين فعاليات حقوقية وجمعيات معروفة في المغرب وخارجه، للضغط على فرنسا للاعتراف بممارساتها السابقة في الشمال المغربي، وإجبارها على تقديم الاعتذار لسكان المناطق الذين لا يزالون يعيشون تبعات استعمال تلك الغازات، رغم مرور حوالي 90 سنة.
بالرجوع إلى القرار الذي تتحمل فرنسا بدون شك مسؤوليته التاريخية، فإن كواليس صدوره مرت بشكل معلن في فرنسا، رغم أن القائمين على الأمور وقتها، قرروا أن يكون الأمر سريا قدر الإمكان حتى لا تطالها الانتقادات، خصوصا وأن الأسلحة الكيماوية وقتها كانت ترعب العالم، بعد الحرب العالمية الأولى التي سقط خلالها الملايين بسبب استعمال الغازات السامة في عدد من الدول، وكانت هناك توصيات منذ سنة 1914 بالعدول عن استعمال هذا النوع من الأسلحة مجددا، لكن فرنسا كانت ترى فيها الحل الأسرع لاحتواء الأوضاع في الشمال المغربي، سيما وأن سمعتها العسكرية كانت على المحك. فالأرشيف الفرنسي لا يزال شاهدا إلى اليوم على الضغوط التي عاشتها فرنسا، والإحراج الكبير الذي وجد فيه القادة الفرنسيون أنفسهم، خصوصا بالرغم من وجود شبه إجماع فرنسي على شرعية استعمار المغرب وضمه إلى حظيرة مستعمرات الجمهورية الفرنسية، لكن الانتقاد الذي كان يتلقاه القائمون على الأمور وقتها، هو سقوط الجنود الفرنسيين في معارك مع المقاومين المحليين الذين لم يكونوا محترفين ولا مدربين لمواجهة جيش نظامي حديث، بمعايير ذلك الوقت. وهكذا كان الإحراج الفرنسي مضاعفا، والنتيجة كانت استعمال الأسلحة الكيماوية لإخضاع المنطقة.

شهادة نادرة من باريس توثق لمأساة إبادة جماعية لقرية ريفية صغيرة
عندما كان صاحب المذكرات الشهيرة «مغامراتي المغربية» يكتب أوراق حياته لينشرها في فرنسا وتلقى النجاح الذي كتب لها، تغاضى عن ذكر ما وصل إلى أسماعه في الدار البيضاء خلال سنوات العشرينات، حتى بعد انتهاء مهامه الرسمية في السلك العسكري والدبلوماسي بالمغرب. والدليل جاء في أوراق منسية تماما لأحد قدماء السلك الدبلوماسي الفرنسي، وقد تحدث فيها بإسهاب عن استيائه من غياب المصداقية لدى زملائه الذين كتبوا عن تجربتهم في المغرب، ولم يذكروا فظائع الحروب التي مارستها فرنسا ضد المغاربة، أو هكذا يقول..
اسمه السيد «جان»، وبهذا الاسم وقع مذكرات قليلة الأوراق، لكنها تبقى بليغة وغاضبة أيضا. وهو أحد الفرنسيين الذين قرروا الهجرة نهائيا إلى أمريكا، بعد وفاة كل أفراد عائلته في مدينة صغيرة على الحدود الفرنسية البلجيكية. بحسب ما توفر من معلومات عن سيرته في أرشيف جامعة كاليفورنيا، فإنه هاجر إلى المغرب بعد وفاة كل أفراد عائلته بسبب مرض وراثي، ورحيل عماته رفقة أزواجهن هربا من لعنة العائلة، وهكذا وجد نفسه في أول باخرة متجهة إلى المغرب ليبدأ حياة جديدة هناك، لم يكتب لها أن تستمر إلا عشر سنوات، فقد جاء إلى المغرب في يناير 1920، ورحل عنه في يوليوز 1931 إلى بريطانيا وليس إلى فرنسا، ومنها غادر عبر سفينة شحن إلى أمريكا ليعيش حياة جديدة، قبل أن يتوفى نهاية الخمسينات، بسبب عاصفة هوجاء اقتلعت منزله الصغير الواقع في خط مرور العاصفة في منطقة معروفة برداءة الأحوال الجوية سنويا.
يقول في جزء من شهادته: «لقد عشت متنقلا في المغرب في إطار وظيفتي كعون في مكتب القنصل. كانت مهمتي جمع الأوراق وقراءة المراسلات وتصحيح الأخطاء الإملائية وترتيب الخطابات ومنحها أرقاما تسلسلية. لقد كنت أقرأ جميع المراسلات العسكرية والعادية التي يتوصل بها مكتب القنصل، سواء من المسؤولين أو المواطنين الفرنسيين العاديين، الذين يرفعون طلباتهم للقنصل في الدار البيضاء وفي طنجة أيضا. لم أستسغ أبدا ما رأيت ذات رحلة من طنجة إلى الدار البيضاء، فقد كان الحطام باديا في الطريق، وكان الفرنسيون منتشين جدا بالانتصار. في الحقيقة لا أفهم أي انتصار هذا الذي نبنيه على إبادة القرويين. وقفنا على أنقاض قرية كان كل شيء فيها مخربا. حتى الخراف كانت منفوخة وتفوح منها رائحة كريهة جدا، ووجدنا العشرات منها متناثرة على طول الطريق. وضعت منديلا معطرا على فمي وأنفي، وحاولت الاتجاه صوب المنازل لأرى ماذا حل بأهلها. وجدت أن أغلبها محترق، وكانت تفوح من المكان رائحة قوية لم يفلح المنديل في كسر حدتها. فجأة جاء إلي أحد الجنود وأشار إلي بيده أن أعود من حيث أتيت. كان يضع كمامة صناعية على أنفه وفمه، وفهمت بإشارة من يده أن الهواء ملوث.
بعد أشهر، وأنا أطالع مراسلة عسكرية لألحقها بالأرشيف، وجدت أنهم استعملوا غازات سامة لإبادة قرى بأكملها في منطقة الشمال، كان هذا سنة 1925. تذكرت كل تلك المناظر التي رأيتها في الطريق، وعادت إلي رائحة الخراف المنتفخة على جنبات الطريق، والجثث المتفحمة، فلم أتمالك نفسي وقفزت من مكتبي إلى المرحاض لأتقيأ..».
هذه الشهادة تختزل ربما كل شيء، خصوصا وأن الأرشيف الرسمي الفرنسي لا يريد أبدا أن يتصالح مع مرحلة 1921-1927، رغم الضغوط والمطالب الحقوقية التي تطالب فرنسا بالاعتذار بدورها عن استعمال غازات سامة بالريف، لا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة