الرأيكتاب الرأي

مؤلم ما يفعل بالجزائر وبوتفليقة

محمد كريشان

مؤلم ومحزن… ما يكتب ويقال عن الجزائر هذه الأيام بعد ترشح عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية جديدة، رغم عدم أهليته الصحية الصارخة التي لا تحتاج لشرح أو تبيان. مؤلم ومحزن… للشخص والدولة والشعب في آن معا.
مؤلم ومحزن فعلا… لذلك الشاب الوسيم الذي كان في يوم من الأيام أحد ألمع وزراء الخارجية العرب، ليس فقط لأنه كان أكثرهم شبابا، إذ سلمه الرئيس الراحل هواري بومدين حقيبة الخارجية عام 1963 وهو لم يكمل عقده الثالث بعد ليبقى فيها إلى غاية 1979، بل أيضا لشخصيته الجذابة وحضوره المتميز ولغته المتدفقة. جاءت به المؤسسة العسكرية بعد سنوات من غياهب المنافي الاختيارية ليصبح رئيسا عام 1999، فقاد عملية مصالحة وطنية شجاعة أنهت عشرية دموية بائسة بين السلطة والإسلاميين، اختلط فيها الحابل بالنابل فلم يعد أحد من الجزائريين يعرف من يقتل من ومن يغتال من ومن يعمل لحساب من. دخل بوتفليقة التاريخ فعلا في محطته الأولى وزيرا للخارجية في أعز سنوات التألق الجزائري بعد الاستقلال، كما دخله رئيسا حقن دماء أبناء شعبه فأعاد إليهم الأمن والاستقرار اللذين فقدهما لسنوات وذهب ضحية غيابهما عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء. كان بإمكان بوتفليقة أن يخرج كبيرا من هاتين المحطتين، لكن هناك من لا يريد له سوى خروج مهين يدمر أي رصيد سابق.
مؤلم ومحزن… للدولة الجزائرية كلها بتاريخها ومكانتها في محيطها المغاربي والعربي والإفريقي والدولي. دولة لم تكن يوما على هامش كل هذه المعادلات، بل كانت «تصول وتجول» ويحسب لها ألف حساب في أي تهدئة أو تصعيد لأي ملف كان، كما كانت حاضرة بقوة في ملفات كبرى كالحروب مع إسرائيل ومساندة القضية الفلسطينية وحركات التحرر الإفريقية، فضلا عن وساطاتها الشهيرة في الحرب العراقية الإيرانية (1988ـ1980) وفي أحداث كبرى هزت العالم مثل اختطاف وزراء نفط أوبك عام 1975، بل ويعود لبوتفليقة شخصيا فضل إنقاذ بعضهم من موت محقق على يد جماعة كارلوس، التي قامت بالعملية وأولهم على الإطلاق وزير النفط السعودي الأشهر تاريخيا الشيخ أحمد زكي يماني.
ليس مفهوما لماذا تتمسك أركان الدولة في الجزائر بالرئيس بوتفليقة، وهو على هذا الحال العاجز بالكامل على كرسي متحرك؟ بما يجعلها دون أية مواربة في وضعية المختبئ وراءه كمجرد واجهة، فيما تستمر مصالحها ولو كانت على حساب سمعة دولة بحجم الجزائر وتاريخها. رئيس الحكومة الجزائرية الأسبق، علي بن فليس، لم يتردد في تحديد هؤلاء بأنهم «قوى غير دستورية تبحث عن عهدتها الأولى للسيطرة على مقاليد الحكم»، ومضى أكثر فحددها بأنها «قوى المال الفاسد ومن هم مجرورون في اتجاهات سياسية غير مسؤولة»، مضيفا أن «الشعب الجزائري يعرف من يحكم الجزائر. هي قوى المال الفاسد والتزلف ومن يعبُدون الصور». الأمرّ مما سبق هو أن هذه الطبقة الفاسدة وصل بها العقم والعجز معطوفا عليهما الغباء إلى درجة باتت فيه غير قادرة حتى على مجرد «الاجتهاد» في البحث عن «كومبارس»، يمكن أن يجلس في كرسي رئاسة الدولة ليحمي مصالحها، دون أن يورطها في هذا الإحراج الفضيحة التي لفت باستفزازه انتباه القاصي والداني في هذا العالم.
مؤلم ومحزن.. لهذا الشعب الجزائري العظيم الذي سطر أروع الملاحم المعاصرة في طرد استعمار فرنسي استيطاني جثم على بلادهم 130 عاما وكلفه ذلك مئات الآلاف من الشهداء، أن يجد نفسه اليوم محكوما برئيس لم يتحدث إليه منذ سبع سنوات ولا بكلمة واحدة ولم يره حتى يوقع ورقة، رئيس الكل يجمع على أنه عاجز بالكامل عن تحمل أي مسؤولية مهما كانت، فما بالك أن تكون قيادة دولة تعدادها أكثر من أربعين مليونا أغلبهم من الشباب، الذي لا يتذكر مرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي ولم تعد تهمه أصلا، فهو مشغول كأغلب شباب دول الجوار بالحصول على فرصة عمل كريمة تقيه ويلات ومخاطر الهجرة غير النظامية إلى الضفة الأخرى من المتوسط. ثم إنه من الصعب جدا على هذا الشعب المعروف تاريخيا بأنفته الشديدة، «النيف» كما يسمى هناك، أن يقايضه «الحاكمون الحقيقيون للبلد» من عسكر وفاسدين، والتداخل بينهما شديد، بين القبول ببوتفليقة أو التلويح بالفوضى، أو أن يتحمل أكثر ذلك الغمز واللمز المتعلق بصحة رئيسه خاصة عندما يأتي من الإعلام الفرنسي، فهو على صحته وقسوته يُــستقبل بشعور متضارب من الغضب والإهانة. ثم إن تصوير الشعب الجزائري على أنه شعب مغفل يمكن الضحك عليه عبر «ترتيب» فوز مضمون لبوتفليقة لمدة رئاسية جديدة أمر بالغ الخطورة، لا يرتضيه لنفسه طبعا ولا أحد يرتضيه له على الإطلاق، لأنه ببساطة غير صحيح فمن هو منكب الآن على وضع لمسات التجديد لبوتفليقة هو المسؤول عن ذلك، طالما لا يعنيه الشعب أبدا ولا معنوياته ولا سمعته.
عندما يلتقي هذا الحزن والألم على هذه المستويات الثلاثة فإن أخطر ما يمكن أن يقود إليه هو «الدخول في المجهول» الذي يخشاه الجميع ويحذر منه… فهل من مذّكر؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق